من” خارج المكان” إلى صناعته!
مهدى مصطفى
على أعتاب نهاية الألفية الثانية، نشر المفكر الفلسطينى – الأمريكى إدوارد سعيد سيرته الذاتية، اختار عنوانا مدهشا «خارج المكان»، فقد ولد فى القدس، وعاش فى القاهرة، وبيروت، وانتهى فى أمريكا.
أثارت السيرة الذاتية ضجة هائلة، تزعمها كتّاب صهاينة مثل ريد واينر، استخدموها فى حملة ضارية، تنفى أن يكون إدوارد سعيد قد ولد فى القدس، وتركت الحملة تفاصيله الذاتية، وعالمه القاسى، وثقافته الفذة، وتحولت إلى نفى وجود فلسطين التاريخية نفسها.
قرأتها فى وقت مبكر، عندما أصدرتها دار الآداب البيروتية مع بداية الألفية الثالثة، من ترجمة فواز طرابلسى، صدرت فى العام 1999، باللغة الإنجليزية أولا، كسيرة ذاتية لإنسان حائر بين البلدان والثقافات والأعراق، وبدا لي أن الوقت مناسب لاستدعائها بعد ربع قرن.
فى قلب الألفية الثالثة، يبدو الإقليم العربى بأكمله، يشبه كتاب سعيد، لكنه على مسرح أوسع وأكثر قسوة، فالإقليم سيرة ذاتية ممزقة.
يكتب سعيد عن تشتته بين القدس والقاهرة وبيروت ونيويورك، بين العربية والإنجليزية، بين الشرق الذى يحمله فى داخله والغرب الذى يعيش فيه.
أليست دولنا العربية تعيش تشتتا مماثلا، وإن كان على مستوى كيان جماعي؟ ففلسطين هى الوجه الأول لهذا التمزق: وطن يحمل سكانه مفاتيح بيوتهم وهم «خارج المكان»، سوريا، التى كانت ملتقى الحضارات، تعيش خارج زمنها السلمى، اليمن غارق فى زمن حرب لا تبدو له نهاية، لبنان يتنقل بين هوياته المتعددة كما يتنقل سعيد بين لغاته، العراق يحمل فى جسده ندوب الانقسامات، كل حد عربى يخفى وراءه قصة انفصال، وكل مدينة كبرى تحمل فى داخلها «منفى داخليا» لسكانها، قبل أن يكون المنفى جغرافيا.
سعيد تحدث عن صعوبة أن تكون «من هناك» و«هنا» فى الوقت نفسه، والعربى اليوم يعيش هذه المعضلة بشكل يومى: ينتمى تقليديا إلى عروبته أو إسلامه أو طائفته، لكنه يعاصر عالما يدفعه بقوة نحو هويات أخرى مستوردة، يعيش فى فجوة بين «أصل» يقدسه، و«مستقبل» يجهله.
وسعيد يقدم، من خلال كتابه، وصفة قد تكون منقذة: الاعتراف بما جرى، الاعتراف بالجرح، وهو كبير منذ قرنين.
سعيد لم يكتب ليبكى على الأطلال، إنما كتب ليفهم، ليجمع شتات ذاته فى نص متماسك، هذا بالضبط ما يفتقده خطابنا العربى الجماعي.
ماذا لو جلس كل «كيان» عربى، وكل مجتمع، ليكتب سيرته بصراحة سعيد؟ أن يكتب عن جراح الاحتلال كألم يومى، أن يكتب عن الانقسام الطائفى، ليس على أنه مشكلة «الآخرين» وحدهم، إنما من منطلق صراع وهمى موروث، أن يكتب عن اغترابه فى وطنه، عن شعوره بأنه «خارج المكان»؟
الضرورة تحتم علينا أن نتحول من «خارج المكان» إلى «صناعة المكان»، فسعيد، رغم اغترابه، صنع مكانه فى العالم بالفكر والكتابة، أصبح صوتا مسموعا لأنه واجه منفاه وحوله إلى رؤية.
الإقليم العربى، ليس محكوما بأن يبقى «خارج المكان» إلى الأبد، يمكن أن تتحول هذه الحالة من نقص إلى قوة، إذا ما قبلنا التحدي.
الاعتراف بأننا «خارج الزمان» يمكن أن يكون الدافع لخلق زماننا الخاص، والاعتراف بأن هوياتنا «متقاطعة» أو «متصادمة» يمكن أن يكون بداية حوار حقيقى لصناعة هوية جامعة، لا تلغى التنوع، إنما تجعله مصدر ثراء، والاعتراف بأننا نعيش تحت هيمنة ثقافية وسردية جامدة، يمكن أن يولّد إرادة المقاومة الحقيقية، بإعادة بناء الذات من الداخل.
«خارج المكان» لم يكن عنوانا لكتاب سعيد فحسب، لقد كان تشخيصا لوضع إنسانى وجودي.
واليوم، هو تشخيص لوضع كائن جماعى اسمه «العرب»، الشفاء لا يبدأ بانتظار معجزة خارجية، إنما يبدأ كما بدأ عند سعيد: بالاعتراف.
الكتابة هنا ليست حبرا على ورق، وإنما فعل مواجهة، وتأمل، وجراحة ذاتية، ورفض للرواية المفروضة علينا، ومحاولة لصياغة روايتنا الخاصة، بكل ما تحمله من ألم وجمال وتعقيد، حين نكتب تاريخنا بصدق، وحين نعترف بأننا جرحى نبحث عن الشفاء، وحين نواجه المرآة دون خوف، سنبدأ، لأول مرة منذ زمن طويل، بالدخول إلى مكاننا، سنصنع المكان الذى ينتمى إلينا، من رحم الانقسام نفسه، تماما كما فعل ذلك الفلسطينى المغترب، الذى حول منفاه إلى منبر، وغربته إلى رؤية، وجعل من كونه «خارج المكان» سببا لأن يكون فى قلب العالم الفكرى إلى الأبد.
2025-12-04