مصطلحات ومفاهيم– محاولة في تعريف أغراض “الإقتصاد السياسي”!
الطاهر المعز – 24 حزيران/يونيو 2017
يهتم علم “المحاسبة” بمقاربة قيمة سلعةٍ مَا، قبل طرحها للإستهلاك، وحصر أو تقدير قيمة الإنتاج بعد تحويل المادة الخام إلى مادة “صافية”، بإضافة قيمة لها، عند تحديد قيمتها في السوق بهدف بيعها للمُسْتَهْلِك (التكلفة + فائدة المصنع ثم التاجر= سعر السوق أو الإستهلاك)… أما “الإقتصاد السِّياسي” فيهتم بتطور عملية الإنتاج ومحيطها وسياقها السياسي والتاريخي ومناخها المُجْتَمَعي (السوسيولوجي) وبعلاقات الإنتاج والسياق التاريخي للقرارات السياسية التي تُنَظِّمُ إنتاج الثروة وتوزيع ثمرتها (عوائِدِها)، بهدف مبدئي هو إشباع حاجات المواطنين، أي ان هدف الإنتاج هو تلبية طلب موجود على السّلْعة أو الخدمة في المجتمع (أو في العالم)، لكن تطور الرأسمالية أنشأ عقبات في وجه إشباع رغبة الإنسان من السلع الضرورية (الحبوب مثلاً) تتمثل في الإحتكار وتخزين كميات هائلة من الإنتاج والسيطرة على مسالك النقل والتوزيع، وتقسيم العالم إلى ملايين تُنْتِجُ ولا تستطيع تلبية حاجياتها وأقليات لا تنتج وَوَرثت الثروة عن “السَّلَف الثّرِي” وتستحوذ على الإنتاج وتحتكر ما تنتجه الأغلبية، لتتحكم في مختلف عمليات الإنتاج والتبادل والاستهلاك، والتحكم في توقيت عملية البيع والحجب (للتحكم في عملية العرض والطلب)، وتُحَقِّقَ أرباحًا إضافية بفضل هذا العمل “غير الأخلاقي”، ولاحظ الإقتصاديون الإشتراكيون التناقض بين عملية الإنتاج وهي عمل جماعي مبْنِي على علاقات اجتماعية، وقيمة هذا العمل اجتماعية قبل أن تكون مادّية، ورأس المال، وما يتصف به من تناقض مع أهداف الإنتاج ومع كل ما هو عمل جماعي وعلاقات اجتماعية (أو “مَدَنِية” على رأي جَدِّنا عبد الرحمان بن خلْدُون)، ومع طموح الإنسان والمجموعات البشرية للوصول إلى درجة “الرفاهية المادّية” أو “السعادة الإنسانية” التي يعتبرها بعض الإقتصاديين “النيوكلاسيكيين” الهدف الأساسي من عملية الإنتاج وخلق الثروة…
ظهر مُصْطلح “الإقتصاد” (إيكوس نوموس) في اليونان خلال القرن الرابع قبل الميلاد (أي قواعد أو قوانين إدارة موارد المنزل أو العائلة) وفق المُؤرِّخِين الأوروبِّيِّين الذين يُهْمِلُونَ عمدًا أو عن جهل تاريخ العالم (خارج أوروبا)، ويعتبرون أوروبا أم العالم ومركزه، رغم أهمية الحضارات الآسيوية ومصر الفرعونية والفنيقيين وحضارة ما بين النهرين (بلاد الرّافِدَيْن)، وبرزت التحليلات الجزئية الأولى لعلاقات الإنتاج في أوروبا الحديثة مع ظهور مُعارِضِي الكنيسة من “البروتستنت” خلال القرن السادس عشر حيث كتب الكاتب الفرنسي (Jean Bodin) الذي توفي أواخر القرن السادس عشر في “الإقتصاد السياسي” ثم استخدم المصطلح كاتب فرنسي آخر (Antoine De Montchrétien) في بداية القرن السابع عشر سنة 1615 في كتاب له بعنوان “مُطَوّل في الإقتصاد السياسي”، واحتوى الكتاب على تعريف مصطلح “الإقتصاد السياسي” برَبْطِهِ بالدولة التي وجب أن تُحَدِّدَ وسائل استقرار الحكم بحماية وزيادة ثرواتها، ووضع أُسُسٍ وقوانين إدارة موارد الدولة لضمان استمرارها، وانتقد “كارل ماركس” في القرن التاسع عشر الإقتصاديين “الكلاسيكيين” لأنهم حسب رأيه قاموا بعزل الظواهر والعلاقات الإقتصادية عن إطارِها السياسي والتاريخي والإجتماعي، وجعلوا من الإقتصاد السياسي عِلْمًا جامِدًا غير قادر على التنبؤ بالحركة التي قد تُؤَدِّي إلى تغيير العالم، وكان كتاب “رأس المال” بمثابة نقد للنظريات السائدة وللإقتصاد الرأسمالي، مع وضع لبنات لمجتمع اشتراكي (كان قد تطرق إليه مع رفيقه فريدريك إنغلس” في كتاباتهما المشتركة ومنها “البيان الشيوعي”) يُعيد إلى عملية الإنتاج طابعها الجماعي والإجتماعي، ويُعيد طرح مسألة “مَشْرَكَة” وسائل الإنتاج وتوزيع الثروات وفق الجهد المبذول في سبيل خلقها ووفق حاجات الإنسان…
في التراث العربي يمكن إدراج بعض الكتابات التي ظهرت منذ القرن الثامن ميلادي (الثاني للهجرة) ضمن “دراسة العلاقات الإقتصادية” أو “السّلوك الإقتصادي” ومنها كتاب “الإكتساب في الأرزاق” لمحمد بن الحسن الشيباني (توفي سنة 805 ميلادي) وكتاب “الأموال” لأبي القاسم عبيد بن سلام (توفي سنة 838 ميلادي) وكتاب “إصلاح الأموال” لأبي بكر بن أبي الدنيا (توفي سنة 894 ميلادي)… (استَعَنْتُ بمقدمة كتاب “أبحاث في الإقتصاد السياسي” لثامر البطراوي” – الإسكندرية 2017، لمراجعة بعض التواريخ)
من جهة أخرى تتداخل مصطلحات مثل “السياسة الإقتصادية” لدولةِ مَا أو “الإقتصاد الشموالي” (ماكرو إِكونومي”) مع مفهوم الإقتصاد السياسي، فالسياسة الإقتصادية هي الوسائل التي تنتهجها الدولة لخلق معادلات بين ارتفاع الأسعار والرواتب واتخاذ إجراءات اقتصادية قريبة أو متوسطة أو بعيدة المدى، فيما يوجد خلاف حول تعريف الإقتصاد السياسي، وعمومًا فهو يدرس الأسباب التي تُؤَدِّي إلى بعض الظواهر الإقتصادية (مثل الأزمة) كما يدرس تنظيم العمل وتوزيع عائدات العمل والإنتاج، كما أسلَفْنا… يُعتبر “آدم سميث” أول باحث درس الإقتصاد السياسي في العصر الرأسمالي في كتابه “ثروة الأمم” (1776) وعرَّفَ “علم الإقتصاد” بأنه علم القوانين التي تحكم الثروات، أو دراسة وسائل ثراء الأمم”، واهتم “كارل ماركس” بدراسة الأشكال التي تتخذها عمليات الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، ومن تجديداته وإضافاته مع رفيقه “إنغلس”، دراسة العلاقات الاجتماعية داخل كيان الإنتاج، ودراسة أنْماطِ وعلاقات الإنتاج السائدة وتطوّر قوى الإنتاج في كل حقبة تاريخية (نمط الإنتاج العبودي ثم الإقطاعي والرّأسمالي) مع ملاحظة أن ماركس وإنغلس رَكَّزَا على تاريخ أوروبا، ولم يوليا اهتمامًا كبيرًا (أو لم تكن المعلومات مُتَوَفِّرَة) لتطور أنماط وعلاقات الإنتاج في آسيا وافريقيا وأمريكا الجنوبية، باستثناء بعض الإشارات إلى ما وَصَفَاهُ ب”نمط الإنتاج الآسيوي”، ويُعْتَبَرُ “ماركس” أول من اكتشف “القيمة الزائدة” وبَيَّنَها بعمليات حسابية وأظهر الإستغلال الفاحش الذي يُمارسه أرباب العمل (البرجوازيون) للعمال (الطبقة العاملة) في نمط الإنتاج الرأسمالي، الذي يعتبر العامل “حُرًّا” بإمكانه أن يرفض العقد أو الأجر الذي يُحَدِّدُهُ البرجوازي، وهي حُرِّية افتراضية، مُجانِبَة للواقع، واخْتَلَفَ “كارل ماركس” مع “آدم سميث” ومع “ديفيد ريكاردو” حول تفسير مفهوم “الإقتصاد السياسي”، بسبب اختلاف أدوات التحليل، لأن “ماركس” يُدْمِجُ دور عملية الإنتاج في تشكيل الطبقات ويُحَدِّدُ الصراع الطبقي (ظاهرًا أو مَخْفِيًّا) كمحرك للتاريخ ولثورات الشعوب، وواصل الإشتراكيون من بعد ماركس اعتبار القرارات السياسية لأي حكومة تتضمن في تطبيقها نتائج اقتصادية، كما تتضمن علاقات الدول حسابات المصالح الإقتصادية، وأصبح الإقتصاد السياسي يعتمد على الدراسات والأبحاث في مجالات التاريخ، وعلم الاجتماع، والقانون، ويتزايد اهتمام “غير المُخْتَصِّين” بالإقتصاد السياسي أثناء الأزمات العالمية، وإذا كان لكل مدرسة فِكْرِية نظرتُها للمجتمع وللعلاقات بين شرائح المجتمع ولعلاقات الإنتاج فإن علم الاقتصاد السياسي الماركسي أحدثَ ثورةً في تحليل العلاقات الاقتصادية بين المجموعات البشرية (أي الطبقات) وفي تفسيرِ حركةِ التاريخ، حيث يعتبر الإشتراكيون (والإشتراكية مرحلة قبل الشيوعية) أنّ من يملك أدوات الانتاج (البرجوازية) ويتحكم في قوة عمل الأفراد في المجتمع (العمال) هو من يسيطر على عمليّة اتخاذ القرارات السياسية، ويرى “ماركس” الحل في التحرّر من سُلطة البرجوازية ورأس المال، وبناء مجتمع اشتراكي يتساوى فيه الأفراد، قبل بناء مجتمع شيوعي لا يحتاج إلى جهاز دولة منحاز إلى الطبقة التي تتحكم بوسائل الإنتاج، وإلى جانب تنظيراته كان “كارل ماركس” مناضلاً إلى جانب العمال من أجل تحديد ساعات العمل بثماني ساعات يوميا وساهم مع إنغلس بوضع الأسس الفكرية للأممية (البيان الشيوعي 1848) وساهم في تأسيس الأممية الأولى التي انعقد مُؤْتَمرها الأول (لندن 28 أيلول/سبتمبر 1864) وانتخب عضواً في المجلس العام، ثم عضواً في اللجنة الدائمة المنبثقة عنه..
2024-01-15