عبد الكريم قاسم و” علي ماما ” !
عارف معروف
كان قريبي من اقدم سكان محلة التكارتة في جانب الكرخ ، وكان يروي ، رحمه الله ، انه شهد ، عياناً ، ” فلانة الفلاني ” وكانت امرأة سفيهة العقل ، سليطة اللسان ، ( من عائلة نعرفها ) ، وهي تتصدى للمرحوم عبد الكريم قاسم ، مع ثلة من الصبيان وجمهرة من الاطفال ، حشدها وحشدهم الشقي المعروف ” علي ماما ” بقشور الرقي والحجارة والشتائم ، حينما مرّ موكبه الذي كان عبارة عن سيارتين من محلة الجعيفر بعد افتتاحه معملا تابعا للسكك في الشالجية ، وانه شهد بام عينيه، كما شهد وتحدث غيره ، الراحل عبد الكريم قاسم وهو يوقف سيارته وينزل محييا المرأة ومصفقا لها مع ابتسامة تعاطف !
يقول قريبي ان المرأة اجهشت باكية اولاً ثم اطلقت هلهولة وهي تحيي الزعيم الذي تأثر بالمشهد وتحمس له !
ربما كانت المرأة مرائية ، وربما دُربت او لُقنت على كيفية الخلاص من المأزق ، وربما كانت قد ارتج عليها بالفعل والانسان ضعيف وهش عاطفيا في الكثير من المواقف والمواجهات ، لكنها بقيت تروي بفخر وادّعاء ، لسنوات طويلة بعد مقتل عبد الكريم قاسم وسقوط نظام ثورة تموز ما اجترحته من بطولة كمناضلة بعثية !
وقد نقل السيد ” نبيل جاسم ” في لقاء او تحقيق صحفي اعّده لمجلة الف باء في التسعينات عن آخر اشقياء بغداد وحاور فيه الشقي ” علي ماما ” ، الذي وصف نفسه في ذلك اللقاء بانه مناضل قومي وليس ” شقاوة “، واقعة مشابهة عن علي ماما الذي قال انه تصدى ذات مرة في باب المعظم ، كما اتذكر ، لسيارة الزعيم قاسم وقذفها بالحجارة وهو يزبد بسيل من الشتائم فما كان من الزعيم الاّ ان اوقف سيارته والتقى بعلي ماما وهشّ في وجهه وبشّ وهو يسأله ( كما روى علي ماما لنبيل جاسم ) : انت بابا ليش تكرهني آني شمسويلك ؟!
ثم اعطاه موعد وحثه ان يأتيه الى مقره في وزارة الدفاع لكي يجد له عملا بعد ان اخبره علي ماما انه يفعل ذلك لانه عاطل وبلا عمل …
كان علي ماما قد اسرّ السيد ” نبيل جاسم ” على هامش اللقاء وفي حديث شخصي ليس للنشر انه كان يُدفع من قبل البعثيين والقوميين لارتكاب تلك الافعال وانهم كانوا يدعمونه بالمال ، وهو ما رواه السيد جاسم لاحقا ، بعد 2003 !
وقد بقي علي ماما طويلا يتحدث، في مجالسه الخاصة ، عن سذاجة قاسم ، وكيف انه ضحك عليه في تلك الواقعة !
كان المرحوم قاسم يتصرف بوحي من مثاليته واخلاقياته فكان يعتقد ان طريقته هذه ستسهم في اصلاح هذا وضرب المثال الحسن لتلك ، ويؤسفني القول انه كان واهما للغاية فيما اعتقده وتبناه وان بعض سلوكياته تلك قد قادته الى حتفه واوردت من معه مصارعهم كما اودت بمصير ثورة وآمال شعب . وكما كان يقول ذلك المفكر الايطالي الحاذق ، فالمحافظة على الدول ليست بالكلام ولا النوايا الحسنة وهو ما استوحاه منه ” انجلز” وايده فيه بقوة بصدد الدفاع عن الثورة و الحفاظ على سلطة الثورة ، كذلك فان تربية الجماعات لا تشبه تربية الافراد وهي لا تتم بالنصح والتوجيه والمواعظ كما يتوهم البعض وانما من خلال العمل وتغيير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة !
يحفزني لهذه الكتابة ما اراه من تساهل شديد مع افعال مريبة لا يمكن ان تمر مرور الكرام حتى في دولة ” محمد العاكول ” كما كان يقال في الجيش. ولا يعنيني في واقع الحال امر نظام اللصوصية والمحاصصة ولا القائمين عليه من ” الحثلّك ” الذين لا هم لهم سوى اغتراف اكبر قدر ممكن من المال العام ودون ان يبالوا او يتفحصوا حتى مواقع اقدامهم ، لكن ما يعنيني هو امن شعبنا ووحدته وكيان دولتنا العراقية فقط لا غير خصوصا واننا شهدنا تجربة عاث فيها الارهاب وداعموه فسادا واجروا الدماء انهارا وكان جل او كل الضحايا هم من ابناء الشعب البسطاء وشبابه الابرياء لا اركان نظام المحاصصة الذين كانوا يزمجرون على بعضهم نهارا ويتضاحكون في لقاءاتهم ليلا !
2025-08-28
