حرمان العراقيين في المهجر من أملاكهم: غربة مضاعفة وخيانة الأمانة!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
لم تكن الهجرة القسرية التي تعرض لها العراقيون خلال العقود الماضية مجرد انتقال جغرافي من وطن إلى منفى، بل حملت معها سلسلة من المآسي الممتدة في الذاكرة الفردية والجماعية. ومن أبرز هذه المآسي الحرمان من الأملاك والحقوق الشرعية في الميراث، وهي ظاهرة تفاقمت حتى باتت توازي في قسوتها مرارة الغربة ذاتها.
أولاً: البعد الاجتماعي للظاهرة
الهجرة قطّعت أوصال العوائل العراقية، وفرضت على الكثيرين حياة بعيدة عن أرض الأجداد والعقارات التي تمثل إرثًا ماديًا ومعنويًا. في غياب أصحاب الحق، وجد بعض الأقارب أو الجيران فرصة للاستحواذ على الممتلكات تحت ذرائع “الحفاظ عليها” أو “إدارتها”، لتتحول بمرور الوقت إلى ملكية فعلية لهم. والمأساة تكمن في أن المستحوذ ليس غريبًا، بل قد يكون أخًا أو عمًا أو قريبًا بالدم، مما يضاعف حجم الجرح النفسي.
ثانيًا: البعد القانوني
ضعف النظام القانوني والرقابي في العراق سهّل هذه الممارسات. فالمغترب يجد نفسه عاجزًا عن متابعة قضاياه بسبب:
• غياب التمثيل الفعّال له في المحاكم العراقية.
• تعقيدات إصدار الوكالات الشرعية ومخاطر تزويرها.
• بطء القضاء وتشابك الإجراءات في دوائر التسجيل العقاري.
• غياب آليات واضحة لحماية حقوق العراقيين في المهجر رغم أنهم يشكلون شريحة واسعة من أبناء الوطن.
ثالثًا: البعد النفسي والإنساني
حين يُحرم المرء من إرثه المشروع، ويكتشف أن أقرب الناس إليه تواطؤوا على سلبه، فإن الشعور بالغربة يتضاعف: غربة جسدية في المنافي وغربة وجدانية داخل العائلة. هذا الحرمان يولّد قطيعة اجتماعية عميقة ويديم الإحساس بالخذلان، وكأن المنفى لم يكن كافيًا ليُثقل الروح حتى جاء الظلم العائلي ليزيدها ألمًا.
رابعًا: البعد الأخلاقي والقيمي
الاستحواذ على حقوق الغير، ولا سيما الميراث، يتناقض جذريًا مع القيم الدينية والإنسانية. فالتراث الإسلامي اعتبر أكل أموال الورثة من الكبائر، وخصّ بالذكر حرمان النساء والضعفاء. لكننا نشهد اليوم تفشي هذه الممارسات حتى داخل بيوت عُرفت يومًا بالورع والتقوى، وهو ما يعكس اهتزازًا خطيرًا في منظومة الأخلاق.
نحو معالجات واقعية
لمعالجة هذه الظاهرة المؤلمة، ثمة خطوات ينبغي تفعيلها:
1. إصلاح تشريعي يضمن حماية حقوق العراقيين في الخارج، مع تبسيط إجراءات التقاضي عبر السفارات والقنصليات.
2. رقابة قضائية ورقمية صارمة للحد من التلاعب بسجلات الملكية والوكالات.
3. توعية اجتماعية ودينية تؤكد أن الميراث حق شرعي لا يجوز التلاعب به أو الاستحواذ عليه.
4. توثيق الشهادات من أبناء المهجر لفضح هذه الانتهاكات وتحويلها إلى قضايا رأي عام تضغط باتجاه الحل.
خاتمة
إن حرمان العراقيين في المهجر من أملاكهم ليس مجرد نزاع قانوني حول عقار أو قطعة أرض، بل هو وجه آخر للاغتراب ومرآة لخلل اجتماعي وأخلاقي عميق. فالغربة الحقيقية ليست دائمًا خارج الوطن، بل قد تبدأ حين يتحول القريب إلى غاصب، والدم إلى أداة للخذلان. ولعل أول الطريق نحو العدالة هو الاعتراف بهذه الظاهرة وفتح أبواب القانون والأخلاق معًا لاستعادة ما سُلب، ماديًا كان أم معنويًا.
2025-09-18