حرب الاختيار الصهيوأمريكية ضد إيران!
جمال الطاهات
مقدمة: لماذا هذه المطالعة الاستراتيجية
إن تعريف الشعوب لمصالحها، والوعي المشترك بهذه المصالح، هو ما يشكّلها كإرادة مستقلة، ويمكّنها من التحول من وقود أو غنائم للمتحاربين إلى أطراف فاعلة تُشكّل خرائط القوة وترسم خطوط التسويات. وهذا يتطلب إطلاق حوار وطني يؤسس لفهم موضوعي للحرب، ويحرر الشعب الأردني من الدعوات المشبوهة التي تقود إلى إلغاء الشعب كحقيقة موضوعية، واختزال الموقف الوطني في دعم نظامٍ عميلٍ مستبدٍ فاسد، حوّل الأردن إلى مجرد ساحةٍ لحروب المشروع الصهيوني ودرعٍ لحمايته.
ومن أجل الخروج من مأزق تحويل الأردن إلى ساحة حرب، وتحرير الشعب الأردني من خديعة اختزال الوطن في نظام الحكم، وتوضيح أن حرب الاختيار الأمريكية-الصهيونية ضد إيران قد فتحت آفاقًا لتحولات إقليمية تتضمن فرصًا استثنائية للشعب الأردني ليستعيد دولته سلطةً وموارد، ويتحرر من الاستبداد والفساد؛ وتأكيدا على أن القيمة الحقيقية للفكر تكمن في مساعدة شعبنا على اشتقاق الخيارات في كل الظروف، لا في نشر الخوف لتبرير الخضوع.
تتقدم حركة الجمهورية الأردنية، وتضع بين يدي الشعب الأردني الأبي هذه المطالعة الاستراتيجية للحرب، مساهمةً في الحوار الوطني حول الخيار الأمثل الذي يصون قوى شعبنا من «المغامرة»، ويحميه في الوقت نفسه من «التفريط بالفرصة التاريخية» التي تتيحها هذه الحرب.
القواعد والمبادئ الناظمة للحروب
إن الحروب تمثل نقاط تحول تاريخية في علاقات القوى؛ فهي تُنهي توازناتٍ قديمة وتؤسس لمنظومات جديدة، وتمنح أمجادها وغنائمها لمن يخوضها بإرادة كاملة ويتحمل مخاطرها. وكل من غاب، أو جرى تغييبُه، عن ساحات القتال سيغيب عن موائد التسويات، ولن يحضر عليها إلا بوصفه غنيمةً يتقاسمها المتحاربون.
ولا يمكن لأي طرف أن يبقى في النقطة التي كان عليها قبل اندلاع الحرب؛ فالحرب تغيّر جميع أطرافها وساحاتها، طوعًا أو كرهًا، إذ يتغير المهزوم كما يتغير المنتصر.
والحرب تبدأ بوصفها نتاجًا للخطة الأولى التي أدت إلى اشتعالها، لكنها سرعان ما تستقل في مسارها بعيدًا عن تلك الخطة، وتفرض نتائجها عبر تفاعل الإرادات والإمكانات. لذلك فإن أول ضحايا الحروب هي الخطط الأولية التي أشعلتها.
وصف عام لحرب الخيار الأمريكية-الصهيونية ضد إيران
بادرت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بهذه الحرب، مدفوعين بالشعور بفائض القوة، بهدف تكريس منظومة هيمنة بدأت منذ نهاية الحرب الباردة وتقترب من التشكل النهائي. والحرب الدائرة اليوم تمثل امتحانًا موضوعيًا، بالدم والحديد والنار، لإمكانية إخضاع شعوب المنطقة كافة، وليس إيران وحدها؛ أو لإمكانية أخرى تتمثل في نهاية حلم الهيمنة الصهيونية على الإقليم.
لكن تحوّل العملية المحدودة ـ كما خُطط لها ـ إلى حرب واسعة، وبروز الإرادة الإيرانية المدعومة بعناصر قوة واضحة، واتساع نطاق المواجهة؛ كل ذلك يؤكد أن منظومة علاقات القوى قد غادرت حالتها التي كانت عليها في 27 شباط 2026، وأن منظومة جديدة آخذة في التشكل، ستحددها مسيرة الحرب، وستتجلى ملامحها في خطوط التسوية عند نهايتها.
أبرز ملامح الحرب وآثارها المباشرة
- تحوّل استثنائي في تقنيات ووسائل القوة، غيّر معادلة التوازن القديمة، كما غيّر وظيفة الجغرافيا في الصراعات. والدرس الأهم هو استحالة احتكار وسائل القوة إذا توفرت الإرادة لامتلاكها.
- بروز أهمية نفط الخليج وممرات تصديره لأمن واستقرار العالم، وتزايد احتمالات نشوء ترتيبات دولية لأمن الخليج واستقراره، تحضر فيها الولايات المتحدة وإيران ضمن إطار دولي، من دون انفراد أيٍّ منهما.
- تراجع فاعلية المنظمات الإقليمية والدولية، مثل الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومجلس التعاون الخليجي.
- الدور الملتبس للقوى العظمى المنافسة للولايات المتحدة، إذ لم تتورط في دعم إيران دعمًا مباشرًا، لكنها في الوقت نفسه لم تتخلَّ عنها.
- تصاعد وزن البعد الاقتصادي في السياسات الخارجية، ولا سيما تزايد الضغط العالمي على الولايات المتحدة بسبب الآثار الاقتصادية للحرب. والنتيجة هي بروز الموقف الدولي كمحدد جديد لخيارات القوى العظمى وسلوكها.
- محدودية قيمة فوائض القوة إذا لم تترافق مع القدرة على التعبئة الشاملة للموارد في زمن الحرب.
- بروز الخطاب الديني كوسيلة للتعبئة الشعبية في الولايات المتحدة، مع استمرار الضغط الشعبي في الغرب على سياسات دعم المشروع الصهيوني.
- تزايد أهمية وحساسية المياه والطاقة، وانكشاف هشاشة الكيان الصهيوني، وكذلك العديد من دول المنطقة، في هذين المجالين.
النتائج المتوقعة للحرب
النتيجة الأكثر معقولية واحتمالًا لهذه الحرب هي نشوء معادلة إقليمية جديدة، تغيّر مواقع العديد من مكوناتها، كما تعيد صياغة الترتيبات والقواعد الناظمة لعلاقات القوى بينها.
لن تنتهي هذه الحرب بانتصارات حاسمة لأي من أطرافها تؤدي إلى إقصاء طرف أو إخضاعه بالكامل. لكنها في الوقت نفسه ستغيّر جميع أطرافها وساحاتها، من دون استثناء، بما في ذلك الأردن.
أطراف الحرب
لن تُهزم إيران، لكنها لن تبتلع الإقليم ولن تهيمن عليه؛ غير أنها ستحصل على اعتراف عالمي وإقليمي بمصالحها.
ولن تُهزم الولايات المتحدة، لكنها ستعيد موضعة حضورها في المنطقة، وستطوّر استراتيجيتها الإقليمية على مستوى الأهداف العملية والأدوات وطرائق العمل.
أما المشروع الصهيوني فلن يتبخر، لكنه لن يتحول إلى قوة إقليمية مهيمنة؛ بل سيشهد انكفاءً استراتيجيًا نتيجة تراجع تفوقه النسبي في المنطقة، وتراجع الدعم الدولي له. ومع ذلك، لن يتحول بهدوء إلى مجرد قوة إقليمية تقبل بتضاؤل حجمها النسبي.
ساحات الحرب
الممرات المائية في الخليج وإليه ومنه: من المرجح أن ينتهي الاحتكار الأمريكي لها، وأن تنشأ ترتيبات دولية تضمن أمنها ضمن معادلة أمن إقليمية-عالمية.
دول الخليج: من المرجح، بعد انكشاف هشاشتها وانتهاء الانفراد بالمظلة الأمريكية، أن يجري تدويل أمن الخليج ككل، وأن تُلزم دوله بإعادة بناء استراتيجياتها الأمنية على أساس الشراكة والحياد في الصراعات الدولية والإقليمية، مع إخضاعها لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين.
العراق: من المرجح أن تنتهي الحرب وترتيباتها بانتهاء حضور القواعد العسكرية الأمريكية في العراق، لكن ذلك لا يعني هيمنة إيرانية عليه؛ إذ ستبرز فيه معادلة اجتماعية-سياسية جديدة.
لبنان: قد يكون الشعب اللبناني من أكبر المستفيدين من هذه الحرب، سواء من حيث إنهاء التهديدات الصهيونية، أو من حيث تصفية دوره كمعيق لتطور المنظومة السياسية اللبنانية. ومن المرجح أن تنشأ معادلة سياسية-أمنية لبنانية جديدة تستفيد منها جميع مكوناتها.
الآثار على الأردن: الفرصة
على الرغم من احتمال ازدياد تمسك المشروع الصهيوني بالهيمنة على الأردن وتزايد دعمه للنظام الحالي، فإن التراجع التاريخي لقوته إقليميًا وعالميًا، وتراجع قدرته على حشد الدعم الأمريكي والدولي للنظام الأردني، سيحدّان من قدرته على الاستمرار في هذا المسار.
ويرجع ذلك، أولًا، إلى تغير أولويات الولايات المتحدة وتخليها تدريجيًا عن الاعتماد على الأنظمة التابعة، لصالح العمل مع منظومات إقليمية تضم أطرافًا فاعلة. وثانيًا، إلى ارتفاع كلفة دعم أنظمة مستبدة فاسدة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشرعية.
كما أن تدويل أمن الخليج وانحسار الدور الأردني في المعادلة الأمنية هناك سيؤديان إلى تراجع المساعدات المالية المباشرة من دول الخليج، وكذلك المساعدات الدولية المرتبطة بالدور الأردني السابق في تلك المعادلة. ويضاف إلى ذلك تراجع قوى الثورة المضادة التي أعاقت التحول الديمقراطي في العالم العربي.
وخلاصة ذلك هي تناقص أشكال الدعم التي يحصل عليها النظام، باستثناء الدعم الصهيوني، مقابل تزايد عناصر قوة الشعب الأردني. وهذا ما يمنح فرصة حقيقية للشعب الأردني ليستعيد دولته سلطةً وموارد، ويبني الجمهورية الأردنية التي تعبر عن وجدانه وتخدم مصالح جميع مكوناته.
خيارات الشعب الأردني
إن انتفاضة الشعب الأردني ضد الاستبداد والفساد قادمة، وستأتي في موعدها الطبيعي. وحتى لا يتم إجهاضها، فإن العنوان المركزي لخيارات الشعب الأردني في المرحلة الراهنة، حتى لحظة الانتفاضة المنتظرة، يتمثل في فك الارتباط بين الفكرة الوطنية والمصلحة الوطنية من جهة، والنظام العميل من جهة أخرى.
فالنظام ليس رديفًا للوطن، وليس عنوانًا للمصالح الوطنية، ولا ضمانةً لها. ومن ثمّ لا بد من إحداث قطيعة معه، بوصف ذلك شرطًا لتمكين الشعب الأردني من الحفاظ على مصالحه في المرحلة القادمة، تمهيدًا لاسترداد دولته سلطةً وموارد، وبناء الجمهورية الأردنية نموذجًا للدولة الحقيقية التي تعبر عن قيم شعبنا واستقلال إرادته وتخدم مصالحه.
ويتطلب ذلك ما يلي:
البدء باتصالات سرية لتشكيل الجمعية الوطنية العمومية للإنقاذ، تضم ممثلين عن جميع مكونات الشعب الأردني وقطاعاته، بما في ذلك العاملون في المؤسسات السيادية، لتكون درعًا يحمي الشعب، ويمنع النظام من ممارسة البطش والعنف لإخفاء ضعفه وتداعيه وتأخير سقوطه المتوقع.
وعلى هذه الجمعية، أثناء العمل على تشكيلها، وبهدف تقصير المرحلة الانتقالية وتقليل أخطارها، متابعة المهام التالية:
أولًا: الاستمرار في تكريس القضية الوطنية الأردنية بوصفها نتاج تآمر العائلة الحاكمة مع القوى الاستعمارية والمشروع الصهيوني، وتمكنهم من سرقة الدولة من الشعب الأردني والبطش به وتهميشه ونهب موارده.
ثانيًا: الاستمرار في تطوير المشروع الوطني الأردني الذي يكرّس سيادة إرادة الشعب في وطنه، بحيث تكون دولته تعبيرًا عن قيمه العليا وفي خدمة مصالحه، وتعزيز ثقة الشعب بنفسه وقدرته على إحداث القطيعة مع هذا النظام المستبد الفاسد.
ثالثًا: الاستهداف السياسي المباشر لكل مكونات العصابة الحاكمة التي أفقرت الشعب، وتتعالى عليه بما تحتكره من سلطة وما تستحوذ عليه من موارد الشعب المنهوبة.
رابعًا: البدء بتشكيل لجان العمل الشعبي على المستويين المحلي والقطاعي، وبمشاركة العاملين في مختلف المؤسسات، بما فيها المؤسسات السيادية، بهدف تطوير خيارات الشعب ورفع جاهزيته لمنع الفوضى التي قد تنشأ نتيجة تداعي النظام وسقوطه، واحتمال لجوئه إلى العنف المفرط.
2026-03-25