وسط تجاهل أمريكي وتكبّد خليجي للخسائر.. تعويضات الحرب كابوس يقضّ مضجع واشنطن!
د. سماهر الخطيب
مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسعاً على إيران في 28 فبراير الماضي، تحوّلت القواعد الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج من أدوات هجومية إلى أهداف شرعية للرد الإيراني، واضعة حلفاء واشنطن في موقف بالغ الصعوبة.
وفي مشهد يكرس سقف التوقعات حول طبيعة العلاقة مع واشنطن، تتجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تجاهل المطالب المتصاعدة بدفع تعويضات لدول الخليج وإيران، التي تكبدت خسائر فادحة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وبينما تتصاعد نيران الحرب على أكثر من جبهة، يؤكد مراقبون أن واشنطن لا تنوي تحمّل المسؤولية المادية عن تداعيات صراع فرضته على حلفائها وخصومها معاً.
حيث زعزعت الضربات الإيرانية صورة الاستقرار والأمان في منطقة الخليج، والتي ساعدتها على مدار سنوات مضت، بجذب الاستثمارات، واستقطاب المغتربين، وجذب السياحة من جميع أنحاء العالم والازدهار الاقتصادي. لكن طول أمد الحرب الحالية أو تحوّلها إلى ما يشبه “حرب استنزاف” يهدّد دول الخليج بتبعات كارثية على المستوى الأمني والاقتصادي والجيوسياسي، كما أنه سيكلّف إيران كواشنطن خسائر اقتصادية فادحة وفقاً لبعض الخبراء والمراقبين.
وبحسب بعض الخبراء والمراقبين، فإن الدمار والخسائر الكبيرة التي ستخلّفها الحرب، ستدفع إيران بالتأكيد لوضع بند حصولها على تعويضات من واشنطن، كشرط أساسي لإنهاء الصراع عند أي مفاوضات مقبلة.
رضائي: طهرن لن تنهي الحرب إلا بعد تعويض كامل من واشنطن عن الأضرار
في سياق متصل، رفعت إيران سقف المطالب بالتعويضات إلى المستوى الدبلوماسي الدولي. فقد وجّه أمير سعيد إيرواني، سفير إيران ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، رسالة عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، طالب فيها بتعويضات عن “جميع الأضرار المادية والمعنوية” التي لحقت بإيران
كما شدد محسن رضائي، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، خلال تصريحات صحفية على أن إنهاء الحرب مرهون بشرطين: “أولاً، تلقي تعويضات أمريكية عن كل الأضرار، وثانياً، الحصول على ضمانات مستقبلية بنسبة 100%، وهو أمر مستحيل دون انسحاب أمريكي كامل من منطقة الخليج الفارسي”.
وتكبدت إيران خسائر كبيرة جراء الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على بنيتها التحتية العسكرية والأمنية والاقتصادية، وكان اخرها استهداف إسرائيل لمنشآت مرتبطة بحقل “بارس” الجنوبي والذي أدى لدفع المواجهة نحو مستوى أكثر حساسية في أسواق الطاقة، إذ لم يعد الخطر مقتصرا على الملاحة أو الناقلات أو مرافق التخزين، بل بات يقترب من قلب منظومة إنتاج الغاز في الخليج. من جهتها وصفت الدوحة الاستهداف بأنه “خطوة خطرة وغير مسؤولة” وتهديد لأمن الطاقة العالمي. كما أن خطورة الاستهداف لا ترتبط بحجم الصادرات الإيرانية بقدر ما تنبع من كونه يفتح المجال أمام اتساع نطاق الضربات لتشمل منشآت وحقولا خليجية ذات تأثير أكبر في توازنات السوق العالمية.
شركاء يدفعون الثمن.. و”ليست حربنا”
تعيش العواصم الخليجية حالة من الغضب والاستياء جراء ما تصفه بأنه “حرب لم تطلبها ولم ترغب بها، لكنها تدفع ثمنها من أمنها واقتصادها”. فقد أسفرت الضربات الإيرانية الانتقامية عن تضرر البنية التحتية الحيوية في دول الخليج، مع إغلاق شبه كامل للمجال الجوي أدى إلى إلغاء حوالي 40 ألف رحلة جوية، في أكبر اضطراب لقطاع الطيران منذ جائحة كورونا.
وعلّقت إبتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، على المشهد بقولها: “هذه ليست حربنا. لم نرد هذا الصراع، ومع ذلك نحن ندفع الثمن بأمننا واقتصادنا”. وأضافت أن الولايات المتحدة إذا انسحبت الآن دون تحقيق نصر كامل، فسيكون ذلك “مثل ترك أسد جريح” يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
وبحسب بعض الخبراء فإن دول الخليج بحاجة لـ 20 مليار دولار لحماية النفط فقط، وليس لتعويض الأضرار التي سببها هذا الصراع وشملت ما يقارب الـ12 دولة. ومن جملة الأضرار التي يعدّدها محللون ومراقبون للضربات الإيرانية على دول الخليج: تعطيل الملاحة البحرية، وزعزعة ثقة المستثمرين، وتدمير البنية التحتية للطاقة، وتهديد أمن الخليج الذي يُترجم أي خلل فيه فوراً في صورة خسائر اقتصادية قد لا تعوّضها طفرات أسعار النفط المؤقتة. كما تأثرت الملاحة والتجارة العالميتين وأسواق النفط والبورصات بالصراع في الشرق. غير أن الوضع يبقى في الخليج كارثياً إذ تُسهم التطورات الأخيرة في اهتزاز نموذج “الاستقرار الجاذب” الذي لطالما اعتمدت عليه دول الخليج لبناء سمعتها كملاذ آمن لجذب الاستثمارات والسياحة. طول أمد هذا الصراع قد يؤدي إلى انهيار هذه الفكرة كلياً. عدا عن ذلك، بفعل إغلاق مضيق هرمز، ارتفعت تكاليف الشحن وكذلك أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العابرة للخليج، وفي حال طال الصراع، قد تتوقّف بعض شركات الملاحة تماماً عن دخول المنطقة.
فضلاً عمّا سبق، هروب رؤوس الأموال من دول الخليج مطروح بقوة حيث قد يدفع الوضع الأمني والعسكري المضطرب المستثمرين الأجانب والشركات العالمية إلى نقل مقارها الإقليمية من دبي والرياض – بعد عقود من العمل لجذبها- إلى مناطق أكثر أماناً.
هل انتهت “صفقة النفط مقابل الحماية”؟
يبدو أن الحرب كشفت حدود الضمانات الأمنية الأمريكية، مما دفع دول الخليج إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. ويشير فايز جرجس، الباحث بأمن الاقتصاد العالمي، إلى أن العلاقة بين واشنطن والخليج قامت لعقود على مقايضة ضمنية: “الطاقة ورأس المال الخليجي في مقابل الحماية الأمريكية” . وأضاف أن الحرب هزت هذه الافتراضيات، وستعمل دول الخليج الآن على تسريع تنويع شراكاتها الأمنية والأجنبية، مدركة “أنها لا تستطيع حقاً الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية طاقتها وشعبها وسيادتها”. كما أن واشنطن فشلت في توفير ضمانات لحماية تدفق النفط والغاز خلال الحرب، وأن التكلفة على اقتصادات الخليج كانت “مرعبة”.
خبراء: لا يوجد مؤشرات على نيّة واشنطن تعويض دول الخليج عن الخسائر بعد زجهّم بالصراع
في هذا السياق، أكد الباحث والخبير الاقتصادي أحمد شقيري بأن المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير إلى إجابة محبطة. لم تعلن أي جهة أمريكية عن نية لدفع تعويضات للدول الخليجية عن الخسائر البشرية أو المادية المباشرة. بدلاً من ذلك، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نيته فرض السلام بالقوة وبعض الإجراء الأمنية لضمان استمرار عمل مضيق هرمز. وبحسب شقيري، فإن الرسالة الأمريكية واضحة، الهمّ الأول لواشنطن هو استمرار تدفق الطاقة وليس تعويض حلفائها عما لحق بهم من دمار.
في هذا السياق المأساوي، تجد دول الخليج نفسها أمام خيارات صعبة. فبعد أن كانت تمنع استخدام أراضيها لشن هجمات على إيران، ها هي تتعرض للقصف من إيران دون أي قدرة على درء هذه الهجمات أو الرد عليها، مع احتمالية كبيرة لتصعيد وتوسيع تلك الهجمات
وفي الوقت الذي تلوح فيه إيران بخطورة استهداف منشآت النفط والغاز، وتفرض قواتها البحرية شبه حصار على الممرات الحيوية، تلتزم واشنطن صمتاً مطبقاً حيال مطالب التعويضات. ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية، التي تخوض حرباً بالوكالة لحساب إسرائيل وفقاً لمصادر خليجية، لا ترى نفسها ملزمة بدفع ثمن مادي لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، خاصة مع تركيزها على تحقيق نصر كامل يمنع تحول إيران إلى “أسد جريح” يهدد المصالح الغربية.
وبحسب مراقبين، فإن منطقة الخليج يجب أن تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق، حيث يدرك الجميع أن ثمن الحرب باهظ، لكن واشنطن تبدو غير مستعدة لدفع الفاتورة، تاركة حلفاءها القدامى وخصمها اللدود في مواجهة تداعيات صراع لم يطلبوه، ومستقبل تحالف استمر لعقود على المحك.
2026-03-25