السفير الأمريكي في الأردن… بين صولات المناسف والمغارف!
بقلم / عنان بدر
لا يمضي أسبوع حتى يطل علينا السفير الأمريكي الجديد في الأردن وهو يزور عشيرةً هنا او قبيلةً هناك, ولأنه “نشمي” أمريكي يمثل رسمياً الولايات المتحدة الامريكية التي أمدت الكيان الغاصب بنحو 21.7 مليار دولار كمساعدات عسكرية مباشرة خلالل السنتين الماضيتين والتي جميعها صُبت على رؤوس اهلنا في غزة بما يعادل قوة 17 قنبلة نووية. فقد فرشت له الولائم والعزائم ونصبت له بيوت الشعر وأصطف العربان بشيوخهم أو اشباه شيوخهم ليحيوه.
لم يخطر على بال أحد منهم أن يبدي إمتعاضه أو تحفظه على مساهمة امريكا في قتل أهلنا في غزة – لا سمح الله – ولم يتسائل أي منهم ما الذي يريده هذا الثعلب الأمريكي حقاً منهم وهو الذي لا معشوق له ولدولته إلا الكيان الغاصب. لم يخطر ببال أحدهم أن يبدي إمتعاضه على وجود قواعد عسكرية أمريكية على تراب الأردن تخدم الإحتلال على مدار الساعة. لم يبدي أي من هؤلاء العربان خوفه على المسجد الأقصى ولم يحذروه من خطر الحفريات الصهيونية تحته ولم يتطرقوا لردة فعلهم النشمية إذا ما انهار جزء من المسجد الأقصى لا سمح الله. ببساطة, لم يتبادر لذهن أحدهم ان يسأل السفير الأمريكي عن سبب اهتمام حكومته المفاجئ بالعشائر الاردنية على غير العادة.
وبعيداً عن النفاق والمداهنات فإن ما يجري ليس إلا تموضع أمريكي عميق في مفاصل المكون الإجتماعي الأقوى في الأردن تحت سمع وبصر الحكومة الأردنية التي تقف عاجزة حتى عن إبداء إنزعاجها مما يقوم به السفير.
دعوني اكون أكثر صراحة، العم سام يعلم بأن الكثير من الأنظمة العربية باتت تواجه مخاطر وجودية لاسيما أن التوازنات السياسية في حالة تغير وإرتباك بعد طوفان الاقصى والأردن ليس إستثناء بل هو إحدى أهم هذه الدول حيث انه يملك أطول حدود مع فلسطين المحتلة والتي تعمل واشنطن ليل نهار على تأمين الحماية لمن يحتلها. وبالتالي فإن ما يبدو كزيارات ومجاملات و”احترامًا للتقاليد” هو في الحقيقة مشروع ناعم لبناء شبكة نفوذ بديلة موازية للدولة الأردنية تضمن لأمريكا الإمساك بخيوط اللعبة في حال ذهبت الأمور للأسوأ. بلغة أبسط فإن ما يجري ليس إلا استثمار استراتيجي طويل المدى، هدفه تكوين قاعدة نفوذ موازية في بلد حساس استراتيجيًا لأمن الكيان الصهيوني مثل الأردن.
السفير الأمريكي تعلم من لورنس العرب بأن لا يراهن على الشخصيات العامة، بل على “الشخصيات العشائرية” التي تتحكم بالعشيرة وبالتالي بالشارع والتي تساهم بقوة في التوازنات المحلية. مع العلم بأن هذه الشخصيات، تاريخيًا، أثبتت قابلية عالية للتماهي مع القوة مقابل الامتيازات.
إن ما يقوم به السفير اليوم لا يمكن تفريقه عن نماذج شبيهة حدثت في العراق وأفغانستان، فقد نجح الأمريكان في تأسيس ولاءات محلية مع العشائر والمكونات من خلال مشاريع “التمكين” الموجهة، ثم استخدمت تلك الولاءات لتفكيك الدولة من الداخل، أو دعم مشاريع أمريكية موجهة مثل مشروع الصحوات.
في الختام فإن المشاهد الغير مسبوقة للزيارات المكثفة التي قام ويقوم بها السفير من جولاته الميدانية التي شملت مجالس عشائرية ومضارب بدوية ولقائه مع شيوخ عشائر وشخصيات مناطقية لا تعبر بالضرورة عن نبض الشارع الأردني الحر، فالشعب اليوم يختلف في وعيه عما كان عليه في زمن لورنس العرب. وأمريكا لا تملك حيلاً مثل حيل بريطانيا في ذلك الوقت. لذلك فإنه من الصعب أن يتم خداع الشعب الاردني بعناوين براقة مثل التي تطرح في هذه الزيارات كالتنمية والشراكة والتعاون الشعبي، لأنه وببساطة لقد أوقظ الطوفان السواد الأعظم من الشعوب العربية.
2026-01-10