الاتحاد الأوروبي في لحظة تحوّل تاريخيّ!
سعيد محمد
قد تصبح الصفعة العلنيّة التي تلقاها الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي يوم الجمعة الماضية من مضيفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمثابة لحظة رمزيّة لإطلاق تحوّل تاريخي نوعي في ماهية الاتحاد الأوروبيّ من تجمّع للتعاون والبناء وتعزيز السلام في القارّة بعد كارثة الحرب العالميّة الثانية إلى منظمة عدوانية معسكرة تدير مصالح الإمبرياليات المتقاعدة في عالم لا مكان فيه لغير العمالقة والأقوياء.
وألقى الإذلال الذي تلقاه زيلينسكي، وإعلان الرئيس الأمريكي عن وقف فوري لكل اشكال المساعدة العسكريّة والاستخباراتية لأوكرانيا بظلال طويلة على أجواء أحدث قمّة لزعماء الدول ال27 الذين التقوا في بروكسيل أمس (الخميس) بحضور زيلينسكي لمناقشة بدائل قصيرة المدى لإنقاذ الموقف بشأن الدّفاع عن أوكرانيا، وأخرى طويلة المدى لبناء دفاع أوروبي ذاتي في مواجهة النهج الأمريكي الجديد في العلاقة مع القارة.
وقالت السيدة أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضيّة الأوروبيّة التي تستضيف القمّة الطارئة: “نحن نعيش لحظة تحول تاريخي في أكثر الأوقات خطورة”.
وأتت هذه القمّة بعد سلسلة من القمم الطارئة خلال الأسبوعين الماضيين التي جمعت عدداً من زعماء الدّول الأوروبيّة المؤثرة إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني السير كير ستارمر، وبذلت باريس ولندن جهوداً لوضع خطة لوقف القتال في أوكرانيا تتضمن إرسال قوات أوروبيّة من تحالف للراغبين في توفير ضمانة أمنية لنظام زيلنيسكي حال التوصّل إلى تسوية، لكّن الأمور اتجهت إلى مزيد من التعقيد بعدما ردّ الرئيس الأمريكي بإصدار أوامر بوقف دعم بلاده العسكري والاستخباراتي للجيش الأوكراني، ما يهدد بانهيار الجبهة وسقوط مزيد من الأراضي في ايدي القوات الروسيّة.
لكن الأوروبيّين الذين طالما اعتمدوا لحمايتهم على المظلة الأمنية الأمريكيّة – عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية الممتدة عبر القارة من رومانيا إلى بريطانيا – يفتقرون بشكل بنيوي إلى القدرة على إدارة معركة ضد روسيا على الأراضي الأوكرانيّة دون الاستناد إلى منظومات الدّفاع الأمريكيّة، ولذلك فإن مبادراتهم ل(وقف القتال) قد لا تحظى بأدنى التفاتة لها من موسكو، ولا شكّ أن عروضهم بإرسال قوات لحماية ظهر نظام كييف غير واقعيّة على الإطلاق إن لم يمنحها الأمريكيون مظلّة حماية تردع الجيش الروسيّ عن إبادتها بأسلحة متطورة.
وتركزت المناقشات في مداولات بروكسيل أمس حول مقترحات لتوفير صيغ تمويلية تسمح بمضاعفة إنفاق دول الاتحاد على العسكرة، ومنها تأسيس بنك للدّفاع أو صندوق مشترك لتمكين الجيوش الأوروبيّة من رفع كفاءتها بعد عقود من الإهمال وإعادة التأسيس لقاعدة صناعات دفاعيّة متقدمة. ويبدو أن المفوضية الأوروبيّة (التي تقوم بدور حكومة الاتحاد الأوروبي) تريد أن تكون بريطانيا جزءاً من أي ترتيبات يتم التوافق عليها بهذا الخصوص رغم أن لندن اختارت ترك عضوية الاتحاد قبل خمس سنوات.
وقدّمت فون دير لاين للقمة تفاصيل خطتّها لما أسمته “إعادة تسليح أوروبا” وتتضمن إنشاء برنامج قرض بقيمة 150 مليار دولار لدعم استثمار الدول الأعضاء في شراء معدات القتل، مع تحرير قواعد ميزانية دول الاتحاد لتمكينها من زيادة انفاقها العسكريّ دون خرق سقوف العجز الماليّ الصارمة خلال الأربع سنوات قادمة.
ويقدّر خبراء بأن تلك المرونة قد تسمح بزيادة الانفاق الدفاعي للقارة بما يصل إلى 800 مليار يورو سنوياً مقارنة ب 324 مليار يورو العام الماضي.
وعلى الرّغم من أن النخب الأوروبيّة الحاكمة أقله في العواصم الرئيسة برلين (في عهد المستشار الألماني الجديد رهن التعميد) وباريس وروما ووارسو (كما لندن) تميل إلى تسريع عملية عسكرة أوروبا، إلا أن ثمة مصاعب جديّة تتعلق بميكانيكية اتخاذ القرارات في الاتحاد، والمعتمدة على الاجماع، ما يسمح لدول أصغر تتحفظ على تعظيم الإنفاق على أسلحة القتل في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعيشها شعوب القارة من تعطيل التوافقات، ناهيك عن تباين مواقف بعض العواصم بشأن مبدأ دعم نظام كييف. وفي مواجهة صقور برلين وباريس (ولندن)، فإن روما (ثالث أكبر اقتصادات أوروبا) ووارسو (صاحبة أكبر جيش أوروبي لناحية التعداد البشري) وإن كانت تدعم زيادة الإنفاق الدفاعي لا تريد بأي شكل أن تظهر الجهود الاوروبيّة في هذا الاتجاه وكأنها تحد للحليف الأمريكيّ.
وكان بارزاً في هذا الإطار تصريح لوك فريدن رئيس وزراء لوكسمبورج للصحفيين على هامش القمة الذي قال فيه: “نحن بحاجة إلى مزيد من الدفاع الأوروبي وإذا كانت دولة أو دولتان لا تريد مشاركتنا في هذا الرأي، أرى أن على الدول الأخرى المضي قدماً بدونها”، ما يرى الخبراء أنّه قد ينذر بتفكك الاتحاد إن تحولت بروكسيل إلى طاغية تصدر الأوامر باسم الأكثرية.
وكان رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان قد خالف توجهات باريس ولندن ودعا في وقت سابق من هذا الأسبوع إلى أن تشارك أوكرانيا في محادثات السلام التي تقودها الولايات المتحدة مع روسيا في أقرب فرصة، وكتب إلى رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا قائلاً “أن هناك اختلافات استراتيجية في نهجنا تجاه أوكرانيا لا يمكن تجاوزها”. كما شنّ رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو هجوماً صريحاً على زيلينسكي متهماً إيّاه بالحرص على بمواصلة الحرب، لأنه مفتقد لأي تفويض، ويعلم جيداً أنه لن يعاد انتخابه كرئيس”، مؤكداً أن بلاده لن ترسل دعماً مالياً لنظام كييف “لأن نصفها على الأقل سيسرق”. كما رفض فيكو المشاركة في اجتماع دعا إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأسبوع المقبل لمناقشة إمكانية مدّ مظلة الحماية النووية الفرنسيّة إلى كل أوروبا وقال إن بلاده “لا تريد أن تكون طرفاً في أي محادثات بشأن توسيع الردع النووي الفرنسي”.
ويقول خبراء إن الأوروبيين حتى ولو تمكنوا من التوحد وراء قرارات لتعظيم الانفاق العسكري، فإنهم سيحتاجون إلى خمس سنوات على الأقل لبناء بدائل لبعض الخدمات العسكرية الأساسيّة التي توفرها الولايات المتحدة حالياً، مثل عمليّات القيادة والتحكم الكليّ بساحة المعركة، والأقمار الصناعية العسكرية لجمع المعلومات الاستخباراتية، والقدرة لتوجيه ضربات صاروخية بعيدة المدى، كما الأسلحة الأحدث المعتمدة على الدرونات والذّكاء الاصطناعي، وهو ما قد يجبرهم على الانحناء لمطالبات الولايات المتحدة لدول أوروبا الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بمضاعفة الانفاق العسكري السنوي لكل منهم من المستوى المستهدف حالياً – 2.5 بالمائة من الناتج القومي – إلى 5 بالمائة تطمح واشنطن أن تذهب أساساً لشراء معدات قتل من صناعات السلاح الأمريكية – بحجة الحاجة إلى تناغم منظومات الدّفاع عبر دول الحلف -.
هذا وعلم في بروكسيل بأن كبار مسؤولي المفوضية الأوروبيّة وضعوا العديد من الدّول غير الأعضاء في التكتل – بما في ذلك بريطانيا والنرويج وتركيا – في أجواء القمّة فور انفضاضها.
7 مارس 2025