انهيار الإتحاد السوفييتي – فترة رئاسة “ميخائيل غُورباتشوف”!

الطاهر المعز.
في ذكرى 23 تموز/يوليو 1952 (إقامة النظام الجمهوري في مصر) وفي ذكرى إنهاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري في العراق (14 تموز/يوليو 1958)، وما جرى بين هذين التاريخَيْن من محاولة بناء السد العالي وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي (البريطاني والفرنسي والصهيوني، سنة 1956 ) ضد مصر،

نستذكر دور الإتحاد السوفييتي (رغم الإختلافات معه، ورغم النقد الذي يمكن توجيهه بشأن المسألة القومية وقضية فلسطين، وغيرها)، ونستذكر الدّعم (رغم الشّروط) الذي مَكّن مصر من استكمال بناء السّد العالي، ومساندة مصر سنة 1956، ومن إعادة تسليح الجيش المصري، ليقوم ب”حرب الإستنزاف”، بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967، ونقف على الوضع العالمي، حاليًّا، بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، حيث لا رادع للإمبريالية الأمريكية وحلف شمال الأطلسي، سوى إرادة الشّعُوب، ونضال الفئات الكادحة…

بَدأت عوامل الوَهَن تظهر على الإتحاد السوفييتي، منذ عُقُود، وساهم “سباق التّسلّح” والوضع الإقتصادي (الجفاف وإغراق أسواق العالم بالنفط السعودي الرخيص…)، وحرب أفغانستان، وغيرها في تَسْرِيع عملية الإنهيار، زيادة على نمو فكرة التخريب من داخل الحزب الشيوعي السوفييتي وقيادة الدّولة الإتحادية، وخصوصًا عندما تولّى “ميخائيل غورباتشوف” (كَرَمْزٍ لتيار مُعادي للشيوعية، داخل البلاد) رئاسة الحكومة، بالتوازي مع انهيار أسعار النفط (المورد الرئيسي للعملة الأجنبية)، قبل توليه قيادة الحزب والدّولة…

حصل “غورباتشوف” على العديد من الجوائز، منذ بَدَأ (مع مجموعة من الحزب والدّولة السوفييتِيَّيْن) العمل على تخريب وانهيار الإتحاد السوفييتي، وعلى “إثبات” فشل مبدأ أو فكرة الإشتراكية من أساسها، وليس فشل وسائل تطبيقها، ومن بين هذه الجوائز “ميدالية أونوهان للسلام” (1989)، و”جائزة نوبل للسلام” (1990) التي فقدت من قيمتها عندما مُنِحت للعديد من المُجْرِمين الصهاينة، وللخونة، مثل أنور السادات، وجائزة “هارفي” (1992)، والعديد من شهادات الدكتوراه الفَخْرِية، وشهادات التّقْدِير…

ما الدّاعي لِمَنْحِهِ هذه الجوائز، في حين خان الرجل (الإنسان والزعيم السياسي والرئيس ) بلادَهُ، وباعها بثمن رخيص للإمبريالية الأمريكية وللبنك العالمي، وصندوق النقد الدّولي… يكْمُن سِرُّ هذه الجوائز في مكافأة رجُل نفّذ بإخلاص وتفاني خطط وكالة الإستخبارات الأمريكية، وساهم في تهديم ما بنَتْهُ أجيال من السوفييتيين، وخيانة تضحيات ملايين الشُّهَداء الذين سقطوا دفاعًا عن وَطَن الإشتراكية…

نَشر موقع “إلهيرالدو كوبانو” (كوبا)، يوم الثامن عشر من أيلول/سبتمبر 2017، تعليقًا على بعض الوثائق التي أصبح اطّلاع الباحثين عليها مُتاحًا، بعد إفراج وكالة الإستخبارات المركزية (الأمريكية) عنها وخروجها عن نطاق السرية، واقتصر التعليق على بعض ما نُشِر عن خطط غورباتشوف ومجموعته ( من بينهم زوجته “رايسا” و “شيفرنادزي” و “ياكوفليف”…) “للقضاء على الشيوعية”، بحسب تعبيره في مداخلة علنية، سنة 2000، بالجامعة الأمريكية، في تركيا، كما تكشف هذه الوثائق دعْمَ وكالة الإستخبارات الأمريكية لمجموعة “غورباتشوف”، سياسيا وإعلاميا، لعدّة عُقُود، فيما تكفلت مؤسسات الملياردير “جورج سورس” بتمويل نشاط وإعلام “المُنْشَقِّين” السوفييتيين، وجميعهم يمينيون وصهاينة.

نشر “واين مدسن” (موظف سابق في وكالة أمن الفضاء – إن إس إيه ) من جهته، وثائق تتضمن بعض الوقائع والحقائق، ومنها تصرحات”ميخائيل غورباتشوف”، العلَنِيّة، وكذلك تمويل النشاط والإعلامي السياسي لحكومة “غورباتشوف”، ونشر عبارات “بريسترويكا” (إعادة الهيكلة) و “غلاسنوست” (الشفافية)، على نطاق واسع، والإدّعاء أن “غورباتشوف” ثوري يُكافح ويُجاهد ضد البيروقراطية والجمود، وحصل التمويل والإعلام على نطاق واسع، بغطاء حكومي أمريكي، وبواسطة مؤسسات “جورج سورس” والمنظمات الأمريكية، الموصوفة “غير حكومية”، من 1987 إلى 1991، ومن بينها منظمة “يوس” (أو معهد دراسات الأمن شرق-غرب” )، ونجحت هذه الحَمْلَة الأمريكية في خلق انشقاقات داخل الأحزاب “الشيوعية” التي كانت لا تَحيد قيد أُنْمُلَة عن الخط الرسمي للإتحاد السوفييتي، ولكن عندما يظهر الإنقسام داخل قيادة “الأخ الأكبر”، ينعكس ذلك على بقية الأحزاب التابعة.

أظهرت وثائق الإستخبارات الأمريكية أن ما حصل في المَجَر وبولندا وتشيكوسلوفاكيا، وفي الإتحاد السوفييتي لم يكن بمحض الصّدفة، أو نتيجة صراعات داخلية فحسب، بل كان تتويجًا لمسار طويل، لِخِطّة مدروسة، رغم بعض التّغييرات، وقع تَبَنِّيها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتَمثّلَ دور “ميخائيل غورباتشوف” ومجموعته في تكرار الدّعاية الأمريكية بأن “النظام الإشتراكي” (وليس التجربة السوفييتية، فحسب) فاشل، وغير قادر على حل المشكلات الحديثة للمجتمعات، وبذلك استبق هذا الشق في الحزب الشيوعي السوفييتي “فرنسيسكو فوكوياما”، صاحب نظرية “نهاية التاريخ” والإنتصار النهائي للرأسمالية، و”صامويل هنغتنغتون” المعروف بترويج نظرية “صراع الحضارات”، بدل صراع الطبقات، وصراع الأمم المُضْطَهَدة، ضد الإمبريالية والإستعمار…

قامت وكالة المخابرات المركزية بتصميم وتنفيذ عملية تغيير هيكلي كبرى ، في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، وتم تمويل هذه العملية من خلال شبكة المنظمات الممولة من الملياردير “جورج سوروس”.

فيما يتعلق بالاتحاد السوفييتي، أعلن غورباتشوف في الجامعة الأمريكية في تركيا عام 2000: “استفدت من موقعي القيادي داخل الحزب وفي البلاد ، لتغيير قيادة الحزب والدّولة، في الإتحاد السوفييتي، وكذلك في جميع البلدان الاشتراكية في أوروبا “.

منذ العام 1987 ، قامت وكالة المخابرات المركزية، وشركة الأغذية متعددة الجنسيات “كارغيل” (التي تتعامل تجاريا مع الاتحاد السوفياتي منذ عقود) ، و معهد دراسات الأمن شرق-غرب” أو ( IWSS )، وشبكة سوروس ومنظمات “حقوق الإنسان”، التي تتعامل معها وتمولها، بتشجيع ومساعدة الحركات المعارضة والإنفصالية، والمُنشَقِّين، لإضعاف الاتحاد السوفييتي، ثم الاتحاد الروسي الجديد (منذ العام 1991). كما دعمت، ومَوّلت الصناديقُ والأوقافُ الأمريكيةُ حركاتِ الاستقلالِ، أو الإنفصال، في كوزباس (سيبيريا)، من خلال حركات اليمين المتطرف في ألمانيا، ومولت النشاط والتدريب للقوميين الشوفينيين ( اليمين المتطرف) من ليتوانيا، وتتارستان، وأوسيتيا الشمالية، وإنغوشيا، والشيشان، وفقًا لهذه الوثائق الأمريكية.

أقامت منظمات سوروس فروعًا في جميع البلدان المجاورة لروسيا: في أوكرانيا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وفنلندا والسويد ومولدوفا وجورجيا وأذربيجان وتركيا ورومانيا ومنغوليا وقيرغيزستان وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان… كانت هذه الفروع بمثابة قواعد تدريب لأعضاء الجماعات الإرهابية، منها الجماعات الفاشية الأوكرانية والجورجية والهنغارية والمولدوفية.

في العام 2017، طردت الحكومة الروسية العديد من المنظمات من شبكة سوروس (مثل مؤسسة المجتمع المفتوح) وغيرها من المنظمات غير الحكومية التابعة لوكالة المخابرات المركزية الموجودة على الأراضي الروسية ، مثل NED (المؤسسة الوطنية للديمقراطية)، والمعهد الجمهوري الدولي، ومؤسسة ماك آرثر، ودار الحرية (فريدوم هاوس)، وغيرها، وصنَّفت الحكومة الروسية هذه المنظمات “غير مرغوب فيها وتشكل تهديدًا لأمن الدولة الروسية”. هذه المنظمات نفسها (أو الفروع التابعة لها) هي التي تضع خططًا لزعزعة استقرار بلدان أمريكا الجنوبية (كوبا ، فنزويلا ، بوليفيا ، إكوادور ، نيكاراغوا …) أو إيران والدول العربية، وآخرها “الجزائر”، حيث أوردنا في مقال سابق، بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين للإستقلال، بعض نماذج العمل التّخريبي لمثل هذه المنظمات، والدّعم الذي يحظى به بعض الرموز الرجعية والمُتصهْيِنة، والمُساندة للإستعمار…

رابط الموقع الكوبي:

Se abre paso la verdad sobre la caída de la URSS.
_________

نشرة “كنعان” الإلكترونية 
2020-07-25