نواب الشعر…!

رسل جمال

شهدت بغداد تشييع الشاعر الكبير مظفر النواب وسط هتافات غاضبة، ذلك الذي اشتهر بشعره المزعج للأنظمة الطاغية، و ذاعت قصائده الثورية ذات النبرة اللاذعة ضد الطغاه، وهذا ماجعله مطارد وملاحق من عناصر الخوف، والقامعة لكل جذوة مبدعة متمردة، لذلك كان يتنقل من منفى لمنفى .

المثير ان النواب لم يكن شاعراً ناقم على الطغاة فقط، بل هو شاعر غزلي فلسفي عميق، فهو قادر على خلق الصورة الشعرية الوجدانية من رحم مأساته مع المطاردة، اذ يصف لحظات هروبه الى الاحواز عبر القطار، كيف اصبح يستنشق ارض الوطن الذي يغادره، كحبات هيل مطحون!
من منا لم يتبادر لذهنه ذلك العطر؟ الممزوج بالحنين ويتلمس حروفه بقوه؟

لم يكن الشاعر سياسياً لكنه كان ناقم على السياسة، يبوح بما يخاف الناس من قوله، فتحمل من اجل ذلك، ضريبة كلمته بكل شجاعة وقاسى انواع العذاب من سجن وتعذيب ونفي ومطارده، اذ ان المتتبع لحياة هذا الرجل يجد انه قضى سنوات عمره بين سوريا والعراق ومصر ولبنان ، وقضى بالسجن زمناً حتى حفر له خندقاً في قصة غريبة كغرابته هو ، كان شعره مثقل بالرموز الصريحة والمبطنة التي تخزي السلطة وتنتقدها اشد الانتقاد وتلهب مشاعر الناس، وتدعوهم للثورة ضد الحكام والانظمة القمعية لذلك أنتهى به الامر ان يموت غريبا، لذلك لا يستحق الرجل ان يستغل تشييعه بتلك الصورة، وان يودع بتلك الطريقة!
وقد يتسأل البعض لماذا انتفض المشيعون وعبروا عن رفضهم لما يجري في تلك اللحظة بالذات،اذ لا نقول ان المشهد وردي ولا يستوجب الثورة لكن هل التوقيت صحيح؟

لكن لم يقتصر الامر عن فوضى التشيع فحسب، بل تعالت بعض اصوات المغردين بكلمات قاسية تتهم النواب بالعمالة مرة والتزلف مرة اخرى وكأنهم يتصيدون بالماء العكر ولا يحق للنواب ان يذهب الى مثواه الاخير بسلام !

ان مع كل خسارة لقامة مبدعة، تمضي سنواتها الاخيرة بين معاناة المرض، والفقر والعوز ، لا تقوم الحكومة ازاء ذلك الا كما تقوم به (شركات شحن الموتى) بكل حرفية !
اذ تستذكر الحكومة تاريخ هذا المبدع اوذاك في لحظة وفاته، وتغض الطرف عن مد يد العون له وهو في امس الحاجة للرعاية والاهتمام!
ان ماحدث اليوم من صراخ في تشييع النواب، يعد قمة الفوضى واللانسانية بحق هذا الشاعر الكبير، الذي يستحق مشهداً ختامياً اكثر وداً واحترامً ودفئ كشعره الخالد،
في ذات الوقت لا ننكر ان تلك الاصوات لها الحق في التعبير عن رفضها لكن عليها اولا ان تتعلم ان هناك فرقاً في التوقيت، وان التوقيت كان خاطئ

جنازة مظفر النواب “للشعب مو للحرامية”
‎2022-‎05-‎22