الأحداث على الحدود الروسية الأوكرانية , والموقف المحرج ..!
عماد قطنية
إستطاعت أمريكا أن تجر الأوكران الى الخانة التي افترضت أنها ستساعد في تحجيم وتعطيل عودة العالم الى التعددية القطبية , من خلال توريط الروس في حرب تستنزف جزءا من إمكانياتها وصعودها الإقتصادي والعسكري . مستغلة رواسب الإنقلاب على الرئيس الأوكراني ماقبل السابق وما تركه من انقسام مجتمعي تطور الى حرب داخلية .
لكن ما بعد التوريط تبدأ حسابات جديدة , أساسها مفاجأة الخصم وسلوكه بعيدا عن حساباتهم وتحضيراتهم واستعداداتهم , سواء في التوقيت أم في الأسلوب وربما الجدية ايضا .
قد تكون الإدارة الأمريكية فكرت بجس نبض الروس في موضوع تمدد حلف الناتو الى حدودهم , وليس بعيدا عن هذا توتير الوضع لجر اوروبا لتضييق الحصار الإقتصادي , وخاصة ضرب مشروع خط الغاز , وذلك للإبقاء على مسافة تباعد روسي اوروبي من ناحية , ومن ناحية ثانية تعميق اجواء القلق من بعبع الأمن الذي زرعته تاريخيا في عقول الأوروبيين ولا سيما اوروبا الشرقية .
لكن الرد الروسي القوي جاء عابرا للإختبار وجس النبض , ومصرا على حماية أمنه الإقتصادي والسياسي والعسكري . وهذا لا يندرج في ردة الفعل وإنما ضمن قراءة استراتيجية , وحسابات اقليمية ودولية في مختلف المجالات . وهي على ما يبدو حسابات عميقة ودقيقة بما يكفي لقراءة الردود النظرية والعملية للدول الغربية عموما وعلى راسها الموقف الأمريكي الذي لا يستطيع ان يتورط في شراكة مباشرة في مواجهة الروس الذين يمتلكون تفوقا استراتيجيا في هذه المنطقة .
وبهذا سيحقق بوتين نصرا عسكريا واسترتيجيا في موضوعة الردع أمام تمدد الناتو لحدوده الغربية , من خلال عمل عسكري يلجم التهور الأوكراني وينهي العربدة الغربية في اوكرانيا ودورها في أن تكون خنجرا في الخصرة الروسية .
قد تبدو التفاصيل غير ممكنة القراءة بدلالة عجز الإستخبارات الغربية عن قرائتها , ولكن الأهداف واضحة سواء بالحسم العسكري , أو بالوصول الى مخرج سياسي تحت ضغط الإنجاز العسكري . وفي كل الأحوال فإن مخطط واشنطن بتفجير النزاعات واستثمارها كما في البلقان ومناطق أخرى ستصاب بالفشل , مما سيدفعها الى المقايضة وعقد الصفقات التي تبدو ظروفها محدودة , ومكاسبها شكلية وباهتة .
من هنا يمكن القول أن تفاهمات جديدة قررت موسكو أن تفرضها على أمريكا وحلفائها في موضوع الهيمنة العالمية وإعادة التعدد القطبي الذي سيضمن حماية المصالح المختلفة للأطراف .
وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل الحضور الصيني بقوة من خلال معاهدات سابقة تحالفية تكاملية مع الروس لتحقيق الأهداف السابقة . وهذا ما يعزز الميزان ويصلب الموقف من التعديات والإنتهاكات الأمريكية في العالم , والتي هي في انحدار بدءا من كوريا الشمالية والمشروع النووي الإيراني والفشل في سوريا واليمن وكذلك في فنزويلا وبقية دول أمريك اللاتينية .
لا نريد أن يُفهم من هذا أننا نؤيد المس بحقوق الشعب الأوكراني في الإستقلال, أو حسم الخلافا بالقوة العسكرية مطلقا , ولكن في ظل المعطيات والتدخل الغربي وتحديدا الأمريكي , فإن من حق الدول ايضا أن تدافع عن أمنها القومي والإقتصادي ومصالحها السياسية أيضا , والتي يجب أن تبدأ بالحوار واستنفاذه .
لكن النفوذ الأمريكي وسيطرته على القرار الأوكراني ووعود الحماية , أوهم القيادة هناك ودفعها للتصلب وعدم المرونة للوصول الى اتفاقات تحمي حقوق الطرفين , بعيدا عن العسكرة . وهنا سيدفع الشعب الأوكراني ثمن الإرتهان للأمريكي الذي لن يجازف , ولن يقدم الخسائر في الأرواح دفاعا عن مشروع فاشل خرج عن السيطرة .
قد يتسائل البعض عن القدرة الأمريكية في إدامة النزاع بين الطرفين خدمة لأجندتها , وهذا تساؤل محق . ولكن الأمر الواجب أخذه بالحسبان هو نزق الروس وإمكانية الحسم النهائي بتصفية النظام وهو الممتلك كل قدرا الحسم النهائي . وحين تحدث المفاضلة بالخيارات لن يكون سوى خيار أقل لأضرار وهو قبول الترويض والتنازل لصالح الأمن الروسي .
وبهذا أصبح الموقف محرجا لأمريكا ولحلفائها في الغرب والشرق الأوروبي وايضا الكيان الصهيوني , وحتى للحلفاء الدوليين الذين بغالبيتهم انظمة رجعية . كما واصبح الموقف محرجا لبعض القوى الإقليمية كتركيا وغيرها . وهذا ليس سوى تأكيد على ميلاد توازنات جديدة أبرز معالمها بداية أُفول النجم الأمريكي .
فمن جهة سنسمع إداناة و لكنها ستبقى ضمن سقف محدد , ومن جهة أخرى سنسمع إشادات ولكنها ايضا ضمن سقف محدد . لكن من يتحكم بهذه السقوف هو تفاصيل الجراحة الروسية في أوكرانيا والتي في اعتقادي ستكون جراحة دقيقة ومحددة الأهداف بحيث لا تُحدث ندبا عميقة في وعي الشعب الأوكراني الجار , وفي ذات الوقت ستحجّم القدرة العسكرية بعيدا عن المساس الإقتصادي والإجتماعي قدر المستطاع .
أما نحن كفلسطينيين فعلينا أن نستخلص العبر في كيفية معالجة الصراع من أجل نيل الحقوق من كيان مغتصب .
2022-03-02