نداء وحدة الشُّيوعيين الأردنيين وبيان حزب الشَّراكة والإنقاذ!
سعود قبيلات كانت الأحزاب المرخَّصة، حتَّى المدَّة الأخيرة، تراوحُ عند حدود انتقاد الحكومة أو «الحكومات المتعاقبة»، كما لو أنَّ البلاد تنعم بنظام حكمٍ ديمقراطيّ، والولاية العامَّة كلّها للحكومة، ولا يشوب حياتنا السِّياسيَّة سوى بعض الممارسات غير السَّليمة لبعض الحكومات. بيد أنَّ الحياة الحزبيّة قد بدأت تتحرَّك مؤخَّراً إلى الأمام، كما نأمل؛ ففي النِّداء الَّذي صدر عن مبادرة وحدة الشُّيوعيين، والَّذي شارك في التَّوقيع عليه عددٌ مِنْ أعضاء قيادة الحزب الشُّيوعيّ الأردنيّ المرخَّص.. بالإضافة إلى آخرين ليسوا أعضاء في الحزب، كلامٌ واضحٌ يرفضُ تعزيز «سلطة الحُكم المطلق في البلاد» بخلاف «حركة التَّاريخ» وبالتَّناقض مع «المادَّة الدّستوريَّة القائلة إنَّ “الأُمَّة مصدر السُّلطات”». وثمَّة كلام آخر، في النِّداء، عن «توريط البلاد باتفاقيَّات مُذلّة مع الإمبرياليّة الأميركيّة والعدوّ الصّهيونيّ، وجرِّها إلى أحلافٍ مشبوهةٍ تتعارض مع مصالح الشَّعب وتُؤدِّي إلى التَّفريط بالسِّيادة الوطنيَّة. ومنها: الاتِّفاقيَّة العسكريَّة الجائرة مع الولايات المتَّحدة، واتِّفاقيَّة الغاز مع العدوّ الصّهيونيّ، واتِّفاقيَّة المياه مقابل الكهرباء.. وقبل هذه كلّها، اتِّفاقيَّة “وادي عربة”». ويخلص النِّداء إلى «طرح التَّحرُّر الوطنيّ كعنوانٍ رَئيس لكلّ برنامجٍ جدِّيٍّ يطمح إلى إنقاذ البلاد وإعادة بناء الدَّولة فيها على أساسٍ وطنيٍّ ديمقراطيّ». على أيَّة حال، يشتمل النِّداء أيضاً على بنود أخرى عديدة، وقد تحدَّثتُ (أو كتبتُ) عنه في أكثر مِنْ مقام، وخصوصاً في النَّدوة الَّتي دعاني لتقديمها، منذ مُدَّة قريبة، الرِّفاق في «المنبر التَّقدميّ الدِّيمقراطيّ الفلسطينيّ المستقلّ». ومؤخَّراً، خطا حزب الشَّراكة والإنقاذ خطوةً شجاعةً إلى الأمام في بيانه الَّذي أصدره قبل أيَّام. ويرى البيان أنَّ «إبقاء الملك في منأى عن المساءلة والانتقاد ليس ممكناً في ضوء ممارسته لسلطات تنفيذيَّة مباشرة بعيداً عن كلّ المؤسَّسات الدّستوريَّة». ويؤكِّد الحزب، في بيانه هذا، «ضرورة عدم ممارسة الملك لأيَّة سلطات تنفيذيَّة إلَّا مِنْ خلال وزراء الحكومة الَّذين يصلون لمواقعهم بالإرادة الشَّعبية عبر الانتخاب أو عبر الأغلبيَّة النيابيَّة». ويقول البيان إنَّ «ممارسة الملك لمهامّ السُّلطة التَّنفيذيّة مباشرة وهو في منأى عن المساءلة هي مسألة تتناقض مع المبدأ الدّستوريّ الَّذي ينصّ على تلازم المسؤوليَّة والمساءلة». ويرى البيان أنَّ «الاعتداء الأخير 2022 على الدُّستور (والمسمَّى تعديلات دستوريَّة) جعل للملك منفرداً حوالي عشرين صلاحيَّة تنفيذيَّة مباشرة بعيداً عن ولاية الحكومة وعن أيِّ رقابة شعبيَّة». ويُشير الحزب إلى «التَّسريبات الصّحفيّة الأخيرة في قضيتيْ باندورا وكريدي سويس»، ويقارنها «بالواقع الاقتصاديّ المرير الَّذي يعاني منه المواطن». ثمّ يخلص البيان إلى القول بأنَّ هذا يستوجب «اتِّخاذ إجراءات عاجلة بالكشف عن كافَّة ممتلكات الملك وعائلته ومصادر تلك الثَّروة». ويقول إنَّ هذا يستوجب أيضاً «تطبيق سياسات صارمة تمنع كلَّ من يتولَّى السُّلطة مِنْ ممارسة أيّ نوع مِنْ أنواع التَّجارة، الدَّاخليَّة منها والخارجيَّة، وأن يُعنى موظفو الدِّيوان بشؤون الملك فقط ويكون عددهم محدوداً وبالتَّالي لا يكون الدِّيوان بديلاً عن سلطة الشَّعب، مع ضرورة الإعلان عن المخصَّصات الملكيَّة والنَّفقات ضمن الموازنة العامَّة للدَّولة كما يجري في الملكيات الدّستوريَّة في الدُّول الدِّيمقراطية جميعها». ويُضيف البيان بأنَّه «يجب المسارعة بإعادة كافَّة أموال الأردنيين، الَّتي تسرَّبت إلى الملاذات، إلى خزينة الدَّولة». ويُضيف قائلاً أيضاً إن الرَّدّ على الاستهداف الأميركيّ الصّهيونيّ للأردن، وطناً وشعباً، «لن يكون إلَّا مِنْ خلال استعادة الشَّعب الأردنيّ لدوره الدّستوريّ كمصدر لشرعيَّة السُّلطات الثَّلاث، والكفّ عن تزوير إرادته، وإطلاق الحُريِّات العامَّة، ومنع اعتقال أصحاب الرَّأي والنُّشطاء ومحاصرة الفاسدين بشكلٍ جادٍّ». الرُّوح الَّتي يُعبِّر عنها هذا البيان هي روح بيان 6 تشرين 2018 الَّذي أطلق «لجنة المتابعة الوطنيّة». ولا غرابة في هذا، فعددٌ مِنْ أبرز قادة حزب الشَّراكة والإنقاذ كانوا مِنْ أبرز الموقِّعين على بيان 6 تشرين. كاتب هذه السُّطور لا يتَّفق مع الخلفيَّة الأيديولوجيّة لحزب الشَّراكة والإنقاذ؛ لكن الانصاف يقتضي أن أعترف بأنَّ هذا الحزب حزبٌ حيويّ ديناميكيّ، وصاحب مبادرات ملفتة، ويُعبِّر عن موقف وطنيّ وديمقراطيّ واضح. وهنا، أرجو من «الرِّفاق» (أو «الإخوة») في حزب الشَّراكة أن أختلف معهم في تفصيلٍ ورد في بيانهم، وهو الكلام في مقدِّمة البيان عن «الدَّولة العميقة». أنا، بالمطلق، لا أرى بأنَّ هذا التَّعبير دقيق؛ فالأصحّ أن نتكلّم عن «المؤسَّسة الحاكمة» أو «السُّلطة الحاكمة».. الدَّولة تشمل الشَّعب، والأرض، والنِّظام أو السُّلطة الحاكمة، وليس من الصَّحيح أن نصف أيَّاً مِنْ مكوِّنات الدَّولة هذه بأنَّه «الدَّولة». وفي الأردن، خصوصاً، لا توجد مؤسَّسة حاكمة، يوجد ملك يمتلك كلّ الصَّلاحيَّات وعلى نحوٍ مطلق، وتوجد هيمنة أميركيّة «إسرائيليّة» تقرِّر للبلاد كلَّ شيء بمعزل عن إرادة شعبها. أمَّا إذا كان المقصود الأجهزة والهيئات الَّتي تُطبَّق بوساطتها هذه القرارات، فهؤلاء ليسوا سوى منفِّذين. أخيراً، إذا كان لا يليق بي أن أُحيِّي مُصدري نداء وحدة الشُّيوعيين، لأنَّني أحدهم؛ فإنَّني أجدُ مِنْ واجبي أُحيِّي حزب الشَّراكة والإنقاذ على هذا البيان الوطنيّ والدِّيمقراطيّ الشُّجاع، وأدعو جميع الأحزاب، سواء أكانت مرخَّصة أم لا، أن تحذو حذو بيان حزب الشَّراكة والإنقاذ، هذا، ونداء وحدة الشُّيوعيين الأردنيين؛ فالحزب الَّذي لا يتعامل بصراحة ووضوح وشجاعة مع القضايا الجوهريّة للبلاد والشَّعب ما قيمة وجوده.. برخصة أم مِنْ دون رخصة. 2022-02-27