مفاهيم حضارية!ابو زيزوم
لو خُيّرتَ بين العودة الى الوراء او التقدم الى أمام او البقاء حيث أنت أيها تختار؟. الموضوع هنا ليس شخصياً وانما تاريخي. فعلى الصعيد الشخصي يتمنى الكبار لو تعود أعمارهم الى الوراء ويتمنى الاطفال لو تركض ايامهم نحو المستقبل. أما كمجتمع فهناك مَن يودون الرجوع الى حقب مضت قبل مئة او ألف او ألفَي عام، وهناك من يودون التقدم الى صورة متخيلة في المستقبل مستوحاة من حالة التطور في بلد من البلدان المتحضرة، وطبعاً يوجد مَن لا يثق بالمستقبل وفي نفس الوقت لا يرى إمكانية استرجاع الماضي فيخلص الى ان أسلم الامور في البقاء على ما نحن عليه.
دعاة الرجوع الى الماضي هم الرجعيون، ودعاة المضي نحو المستقبل هم التقدميون، ودعاة الاحتفاظ بالحاضر هم المحافظون. هذه المصطلحات نوردها وفقاً لمدلولها العلمي بعيداً عن المدلولات الاعلامية التي تتخذ منها شتائم او مدائح.
حين نستقرىء واقعنا العربي لا نجد الا قلائل يريدون ديمومة هذا الواقع الذي نعيشه … ربما الحكام وبعض حواشيهم بينما الاغلبية الساحقة من الجمهور ساخطة على احوالها وتهفو الى التغيير بلهفة. فالتيار المحافظ شبه معدوم. والذين لا يعبرون عن موقف محدد بسبب الجهل او الاستسلام لا يمكن إلقاؤهم على الخط المحافظ لأن عدم الوضوح في الموقف يجعلهم نظرياً خارج عملية الفرز. إذن هناك خطان اثنان تقدمي ورجعي، ولك ان تقدر أيهما الغالب حسب استقرائك للتوجهات من حولك. الفرق بينهما ان الرجعيين لديهم صورة محددة للدولة التي يحلمون بالعودة اليها، عباسية او اموية او صدر الاسلام او بعض الحضارات القديمة، في حين يستعير التقدميون صور دولة قائمة لأمة اخرى في امريكا او اليابان او اوربا يتوقون للوصول اليها.
بالنسبة للإنسان الواعي لابد من ادراك ان الرجوع الى الماضي مستحيل، فأن يعود مجتمعنا الى ما كان قبل الف عام محض خيال وضرب من المستحيل، اما ان يتدخل العقل لإبتكار دولة عصرية بقيم الماضي كما يراه بعض الإسلاميين في الحالة التركية او الماليزية فهو توصيف ينطوي على مغالطة مكشوفة لأن هناك من يرى في الحالتين التركية والماليزية حالة تقدمية بامتياز، فكلا الدولتين بلغتْ ما بلغته عبر السير الى أمام وليس الى الخلف.
الاعتزاز بالمآثر الغابرة الذي تورّم عند العرب الى درجة تكبل الحركة، هذا الاعتزاز الممزوج بالحنين الى الماضي مبني على أسس غير صحيحة البتة فهو يقوم على وهم العظمة المتفردة. فأمجاد الماضي ليست حكراً علينا لنستعيض بها عن اقتحام المستقبل. ان للصينيين والاوربيين والاحباش والفرس والاتراك والهنود ماضياً عريقاً يضاهي ماضينا ومع ذلك لم يمنعهم من الاخذ بناصية العلم والانطلاق صوب المستقبل.
ان التراث عندما يصبح عائقاً امام عجلة الحضارة يصبح عاراً على الامة بدل ان يكون فخراً لها. وهنا يتساوى الحكام والمحكومون في الضلال لأنهم على حد سواء عاجزون عن تخيّل الصورة الزاهرة للمستقبل. وعندما يظهر جيل لديه تصور عما يريد بلوغه تتهاوى امام ارادته كل الصعاب ويتحقق الامل.
( ابو زيزوم _ 1186 )
2022-01-31