“أقمارنا مابين الأعرج وسليمة”! أحمد حمدي
فى صمت وهدوء فرك عينيه من بقايا نومة مابعد الفجر، دخل حمامه وخلع ملابسه وترك الماء الفاتر يستكشف تضاريس جسده للمرة قبل الأخيرة، خرج وأرتدى ملابسه وشحذ سكينه للمرة الأخيرة، وخرج الى الشارع يحمل تصميم السنين، ليثب كالفهد على مغتصب صهيونى فيوسعه طعنآ، وعند محاصرته من شرطة العدو لم يجزع أو يتراجع، بل أقبل أليهم بسكينه يريد زيادة حصيلته قبل أرتقائه، لكن الرصاصات سبقت فأحتلت جسده، لتفرشه على أرض فلسطين التى لن تظل محتلة بفضل أمثاله، لينطق آخر كلماته “فلسطين حرة” قبل أن تنفذ قوات شرطة الأحتلال أعدامآ ميدانيآ بحقه، مساء أمس السبت فى قدسنا العربى ..
أنه بطلنا العربى الفلسطينى “محمد شوكت سليمة”، الذى لم يكمل الخمسة والعشرون ربيعآ بعد، ولكن من قال ان البطولة والشجاعة والفداء تحتاج الى عمر متمم، فمنذ بدء الصراع العربى الصهيونى، وشعوبنا العربية تجود بخيرة مافيها ذكورآ وأناثآ وأطفالآ، ومتوسط الأعمار يشهد أنها مابخلت بزهور الشباب، فمادام الثمن هو تحرير الوطن من عار الأحتلال، فيرخص الدم والعمر والحياه ويطيب الفداء، وفى جوهر الصراع وفى فك شفرة التناقض مابين المتسائل عن جدوى العمليات الفردية، وبين الحقيقة والواقع وهما من يفرضون فرضآ أن للحجر أهمية الكارلو، وللدهس نفس أهمية الطعن، وحتى الشماريخ والبالونات الحارقة والمقاليع البدائية، لها أهمية الصاروخ الذى كتبت عليه المقاومة فى الحرب الأخيرة، رسالتها الأشهر قائلة ” هذا الصاروخ كباسل الأعرج لن يضل الطريق ” ..
فالمهم حقآ هو أن نبقى ماحول العدو فى كل مكان، ودومآ بفضل الجدوى المستمرة للمقاومة نبدد شعوره بالأمان، بل فى حقيقة الأمر وأذا أردنا مد الخط على أستقامته، فعار علينا جميعآ أن يبقى الصهيونى مذعور مطارد مهدد دومآ فى فلسطين المقاومة، بينما ينعم بالأمان والأطمئنان فى أى أرض عربية من المحيط الى الخليج، فلو كل عاصمة عربية أنتفض سكانها ضد الوجود الصهيونى فى بلادهم، فلن يوقفهم أمنآ ولامتاريس حراسة، ووقتها سيوقن الصهيونى بالحقيقة التى يعيها جيدآ، أن الشعب العربى بدء فى التطبيق الفعلى لقاعدة صراع وجود لاصراع حدود، وأنه مادام لاأمان له فى أى أرض عربية، ولاأمان له أصلآ فى فلسطين، فليس أمامه سوى الهزيمة أو الأنسحاب من حيث جاء ..
وأخيرآ نختتم بطولة قمرنا “سليمة”، بوصية قمرنا الذى ماكان يومآ أعرج عندما قال ..
” تحية العروبة والوطن والتحرير، أما بعد ..
إن كنت تقرا هذا فهذا يعني أني قد مِت، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلبٍ سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء ..
لكم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة ..
وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد، وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهورٍ طويلة إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله”.