لدغة الأفعى…!
فريد العليبي
بدا راشد الغنوشي مُتنطعا ومُغامرا عندما قال مُهددا قبل أيام إن البرلمان عائد أحب من أحب وكره من كره ، وترافق تصريحه مع تصريحات أخرى صادرة عن هيئة أركانه ، ذهبت في الاتجاه نفسه ، بما في ذلك قول مستشاره السياسي إن “البرلمان سيعود وسنلغي كل قرارات ما بعد 25 جويلية في الجلسة الافتتاحية”.
وكان لافتا أن كلام الغنوشي ذاك جاء بعد حديثه عن إجراءات رئيس الجمهورية يوم 25 جويلية باعتبارها “مُعبّرة عن إرادة شعبية صادقة متعطّشة إلى التغيير ” بل إنه شبهها بجرعة أوكسجين ، و هو ما أثار رفضا حتى لدى حلفائه ، فقد قال نجيب الشابي مثلا إن صفحة البرلمان قد طويت .
وفي الجانب المقابل عقد رئيس الجمهورية اجتماعا بالمجلس الأعلى للجيوش ، بما ذكر باجتماع مماثل يوم 25 جويلية ، وهذا معناه أن أمرا خطيرا بصدد الحصول ، خاصة أنه قال في تلميح لمعسكر الإسلام السياسي إنهم يحاولون اختراق المؤسسة الأمنية العسكرية وهم يستثمرون في الإرهاب وجعلوا منه أداة سياسية ، مما يعني أنهم ينوون تحريكه الآن ،وبرز في خطابه مدافعا شرسا عن الدولة فهى ليست ضعيفة كما تصورها أضغاث الاحلام ، وقوتها من قوة الشعب وأبنائها المخلصين وتاريخها المديد ، كما حرصه على الدفاع عن الشعب ، فهو ليس مغفلا ويعلم الخفايا ، مؤكدا سعيه الى تحقيق أهدافه ، فهو صاحب أمانة وعليه ايصالها الى أهلها ،فضلا عن دفاعه عن القانون الذي يجب أن يسري على الجميع، وأن يجد طريقه الى التنفيذ والا فقد معناه ، وقال عن خصومه إنهم يُتقنون الكذب ، محولين القانون الى كذبة والكذبة الى قانون لتضليل الشعب ، في تلميح الى قانون 38 ، فالقوانين التي وضعوها يعلمون أنها لن تجد طريقها الى التطبيق ، أما هو فإنه إذا سن قانونا أو أصدر مرسوما فإنه يطبقه ، كما حرص على ابراز الطابع الوطني لسياسته ، فالوطن عزيز وسنحميه من هؤلاء الذين ارتموا في أحضان الخارج ، مشددا مرة أخرى على أنه لا يخاف غير الله .
وهكذا رسم قيس سعيد لوحة سوداء لأعدائه ، فهم غربان ناعقة ، ينكرون وجود الحرية بينما ينعمون بها تنقلا وتعبيرا، بل إنهم يتجاوزون الحدود بالدعوة الى العصيان وهم طلقاء ، كما أنهم مهربي أموال ومتلقين لها في الحقائب ، وهم باعة ضمائرهم وقد كشفهم التاريخ وأسقط عنهم ورقة التوت .
والأسئلة التي تطرح في علاقة بالحرب الكلامية بين الطرفين هي هل إن تهديدات الغنوشي حقيقية أم إنها مجرد ضغط لتحسين شروط تفاوض ما ؟ وهل يعني قيس سعيد ما يقوله أم إنه أيضا يواجه الضغط بالضغط ؟ فالضغوط المتبادلة مُرجحة ،وهذا ما يُفسر تصريحات الغنوشي المتناقضة ، أما سعيد فلم يستثن الحوار ولم يغلق الباب دونه كما فعل في السابق ، وانما اشترط تعهد خصومه بالحفاظ على الدولة ، أما اذا عملوا على ضربها وحاولوا التسلل الى القوات الأمنية والعسكرية فإن المواجهة حتمية . وقد يكون معنى هذا أنهم طلبوا الحوار وقبلوا بـهبة25 جويلية ثم انكشفت لهم مؤامرة التسلل الى لأجهزة الأمنية العسكرية فكأنت إحالة كوادر أمنية عليا موالية لهم على التقاعد ، ووقتها غير الغنوشي الخطاب ومر الى التهديد ،و هو ما استقبله قيس سعيد بتهديد أكبر فمن يطلق رصاصة واحدة سيجابه بوابل من الرصاص لا يعد ولا يحصى وهذا يعني ان الضغط وحده لا يفسر تلك التصريحات.
ولكن ماذا يمكن أن يحدث في هذه الحالة ؟ من المرجح أن المواجهة لن تكون في صالح الغنوشي فحركة النهضة لئن كانت تمتلك تجربة تنظيمية طويلة نسبيا وأجهزة يمكن تحريكها في الوقت المناسب ، وتدعمها بعض القوى العربية والدولية فإن شعبيتها محدودة حاليا وحصيلة حكمها هزيلة وصفوفها مفككة .
أما قيس سعيد فقوته مستمدة أولا من شعبيته ، وثانيا من وقوف المؤسستين العسكرية والأمنية معه ، وثالثا من أن القوة الشعبية الرئيسية المنظمة ونعني الاتحاد العام التونسي للشغل تدعمه ، ورابعا وجود قوى عربية ودولية مؤثرة تقف معه خاصة الجزائر ومصر والسعودية ، أما ضعفه فبارز من غياب تنظيم أنصاره اذ لا حزب له، والأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية تعصف بحكمه فضلا عن ضغوط قوى خارجية .
في السياسة هناك تكتيك الأفعى التي تنكفئ على ذاتها عندما يكون الجو باردا ، بينما تستعيد حيوتها وقوتها عندما تشعر بالدفء فتأخذ في الزحف والشرر يتطاير منها وعلى من يود اتقاء لدغاتها إخراجها من جحرها خلال البرد وقتلها قبل أن تقتله.
جريدة الانوار .
2021-12-04