على هامش الأول من أيار/مايو 2026!
الطاهر المعز
فوارق
كان النظام الرأسمالي اقل إجحافًا بعد الحرب العالمية الثانية، وطيلة وجود نظام منافس ( الإتحاد السوفييتي ) حيث كان “الحَراك الإجتماعي” مُمْكِنًا في الولايات المتحدة وأوروبا، وكانت منظومة الحماية الإجتماعية قائمة، وبانهيار الإتحاد السوفييتي وهيمنة النّيُوليبرالية انهارت هذه المنظومة وانفَرَطَ “العقد الإجتماعي” و “المِطَلّة الإجتماعية”، وتعمّقت الفَجْوَة الطّبَقِية وانتهت “دولة الرّفاه” في أوروبا، وفي الولايات المتحدة يملك 1% من المواطنين الأكثر ثراءً نحو 32% من إجمالي الثروة الصافية بنهاية سنة 2025، فيما لا تتجاوز حصة الـ50% الأدنى دخلاً 2,5% من الثروة، وتراجعت حصّة العمل من الناتج المحلي – أي ما يعود إلى العاملين بأجر إلى أدنى مستوياتها منذ 75 سنة، أي إن حصة الأرباح ترتفع على حساب العاملين بأجر، مقابل ارتفاع حصة من يملكون الأصول والأسهم والعقارات، حيث تكسب نسبة الواحد بالمائة الأكثر ثراء نحو 40 ضعف ما يكسبه الـ90% في القاعدة.
في أوروبا ارتفعت النفقات الحربية منذ بداية الحرب في أوكرانيا وتراكمت الديون السيادية، وأعلنت حكومة المستشار الألماني فريدريش ميرز عن خفض كبير في النفقات الاجتماعية والمعاشات والرعاية الصحية اعتباراً من منتصف سنة 2025، واقرّت الحكومة تقشفاً في النفقات مما أضر بالقطاع العام، وعلى سبيل المثال طال انتظار المواطنين للحصوص على الرعاية والعلاج في المستشفيات، وطالت قائمة الأدوية التي حذفت من قائمة التغطية، وتراجعت خدمات الرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية كالمعاشات …
في فرنسا، بلغ الدين العام 3,35 تريليونات يورو، أي ما يعادل 114% من الناتج المحلي بحلول سنة 2025، ومن المُقرّر أن يرتفع الإنفاق الحربي ليبلغ ما بين 4,5% و 5,5% من الناتج المحلي سنة 2040…
أدّى تَخلِّي الدُّوَل الأوروبية عن دورها الاجتماعي إلى ارتفاع شعبية اليمين المتطرّف الذي يعد “بإغلاق الحدود لتقليل المنافسة على الوظائف والخدمات”، ويتّهم المهاجرين والإسلام السياسي بتدهور وضع العاملين والفُقراء ولا يتهم البرامج النيوليبرالية للحكومات، ولا يتطرق إلى مواضيع حرجة مثل خفض الضرائب على الأثرياء وارتفاع النفقات الحربية على حساب النفقات الاجتماعية، وأصبحت أحزاب اليمين المتطرف، وللمرّة الأولى منذ ثلاثينيات القرن العشرين، تتصدّر الأحزاب اليمينية المُتطرفة استطلاعاتِ الرأي في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، فيما تضم سبع دول في الاتحاد الأوروبي (كرواتيا جمهورية التشيك وفنلندا والمجر وإيطاليا وهولندا وسلوفاكيا ) أحزاباً يمينية متطرفة داخل حكوماتها، وأصبح اليمين المتطرف يُساهم في صياغة السياسات الأوروبية، وفي صياغة برامج اقتصادية ليبرالية تتضمن تخفيض الضرائب على الشركات وتقليص الإنفاق الإجتماعي وتقويض قوانين حماية العُمّال والتّعدّدية الإعلامية وتوجيه غضب العاملين والفقراء – جراء سوء ظروف العمل والمعيشة – ضدّ المُهاجرين ومن اعتُبِرُوا “مُسلمين”، مع تمجيد الإستعمار والهيمنة واضطهاد شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية…
من انعكاسات العدوان على الإقتصاد الأمريكي
استغلّت الولايات المتحدة العدوان على إيران وانخفاض إمدادات دُوَيْلات الخليج من النّفط والغاز بسبب تعطّل خطوط النّقل وبسبب قصف المنشآت النفطية الخليجية، لترْفَع (الولايات المتحدة) صادراتها من النفط ومنتجاته والغاز الصّخري المسال إلى مستويات غير مسبوقة، وبلغت صادرات النفط الأمريكية 12,9 مليون برميل يوميًا، وتجاوز التصدير البحري 9,6 مليون برميل يوميًا خلال شهر نيسان/أبريل 2026، وارتفعت الصادرات الأمريكية إلى أسواق آسيا إلى نحو 2,5 مليون برميل يوميًا، أي حوالي ضعف مستويات ما قبل العدوان، وأصبحت محروقات الولايات المتحدة تنافس إنتاج روسيا والخليج وارتفعت قيمة صادرات المحروقات الأمريكية بنحو 32 مليار دولار كما ارتفعت أرباح الشركات الأمريكية والعائدات الضريبية، وإرتفعت صادرات الغاز المُسال الأمريكية من 122 مليار متر مكعب سنة 2024 إلى 154 مليار متر مكعب خلال سنة 2025، وسيطرت على حصة متزايدة من سوق الغاز العالمي، خصوصًا في أوروبا وآسيا…
لم يرتفع الإنتاج المحلي الأمريكي كثيرًا ولكن تستورد الولايات المتحدة النفط الخام الثقيل من كندا والمكسيك وتقوم بتكريره في مصافيها المتطورة، لتعيد تصدير النفط الخفيف الأمريكي والمشتقات النفطية ذات القيمة الأعلى، مما حَوَّلَ الولايات المتحدة إلى مركز عالمي لإعادة التكرير والتوزيع، بفضل البنية التحتية المتطورة والموانئ الضخمة والشبكة التجارية الواسعة.
ترافق ارتفاع الحصة الأمريكية مع تراجع حصة «أوبك» وإنخفاض الإمدادات من السعودية والإمارات والكويت والعراق، لكن ارتفاع صادرات الوقود والأرباح الضخمة التي تحققها شركات الطاقة الأمريكية جعلت أسعار الوقود ترتفع داخل الولايات المتحدة، فارتفعت تكاليف النقل وأسعار السلع ومعدلات التضخم، ما عَمّق التناقض التقليدي بين مصالح الشركات الكبرى ومصالح المواطن العادي.
حوادث العمل في مكان العمل وخارجه والأمراض المهنية
قدّرت منظمة الأمم المتحدة عدد العمال الذين يلقون حتفهم سنوياً بنحو 2,78 مليون عامل نتيجة حوادث العمل والأمراض المهنية، بينما يُعاني 374 مليون عامل آخر من حوادث عمل غير مميتة، وهذا يعني أن ما يقرب من مليوني شخص يموتون سنوياً لأسباب متعلقة بالعمل، وتتجاوز الوفيات المرتبطة بالعمل متوسط الوفيات السنوية الناجمة عن حوادث الطرقات (999,000) والحروب (502,000) والعنف (563,000) وفيروس نقص المناعة البشرية/إيدز (312,000).
تُعَرِّفُ منظمة العمل الدولية بيئة العمل الآمنة والصحية، والمعروفة أيضاً بالسلامة والصحة المهنية، هي “المجال الذي يُعنى بالوقاية من الإصابات والأمراض المهنية، وحماية وتعزيز صحة العاملين”، وتتمثل السلامة والصحة المهنية في تحسين ظروف العمل وبيئاته لضمان سلامة العاملين وصحتهم أثناء العمل، وتوفير التعويضات في حال وقوع إصابة عمل.
غالباً ما تنجم ظروف العمل غير الآمنة وغير الصحية عن مجموعة من الأسباب الكامنة، مثل الثّغرات في الحَوْكَمَة والقصور في الأطر التشريعية ونقص المعرفة والموارد والممارسات التجارية غير المستدامة وغياب ثقافة الوقاية على المستويين الوطني ومستوى العمل، كما تنجم عن عدم اضطلاع الحكومات والشركات بأدوارها الخاصة في مواجهة تحديات السلامة والصحة المهنية.
خلفية
تخضع السلامة والصحة المهنية للوائح على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية، ولا تقتصر السلامة والصحة في مكان العمل على الوظائف الخطرة عادةً، مثل العمل في المرتفعات أو التعامل مع المواد الكيميائية، بل تشمل جميع أماكن العمل، بما في ذلك المكاتب. إضافةً إلى ذلك، تتضمن قوانين ولوائح السلامة والصحة المهنية إلزام أصحاب العمل بتكييف العمل ومكان العمل بما يتناسب مع قدرات العاملين، مع مراعاة صحتهم البدنية والنفسية.
لا يتوزع عبء الوفيات والإصابات المهنية بالتساوي في جميع أنحاء العالم، ولا بين مختلف القطاعات، ولا بين القوى العاملة، وتشير التقديرات إلى أن حوالي ثلثي (65%) الوفيات المرتبطة بالعمل على مستوى العالم تحدث في آسيا، تليها أفريقيا (11,8%)، ثم أوروبا (11,7%)، فالأمريكتان (10,9%)، وأخيراً أوقيانوسيا (0,6%)، كما تُظهر معدلات حوادث العمل المميتة لكل مائة أَلْف عامل تباينات إقليمية واضحة، حيث تزيد المعدلات في أفريقيا وآسيا من 4 إلى 5 أضعاف مثيلاتها في أوروبا.
علاوة على ذلك، تُعدّ الصناعات التحويلية والبناء والنقل والتخزين من أكثر القطاعات التي تشهد معدلات حوادث العمل، وفي هذه القطاعات شديدة الخطورة – كما هو الحال في غيرها – لا تتوزع إصابات العمل بالتساوي بين القوى العاملة، فالعمال الأكثر عرضة لإصابات العمل هم أولئك الذين يعملون في وظائف غير مستقرة (عمال مؤقتون أو عَرَضِيُّون أو بدوام جزئي)، والعمال في القطاع غير الرسمي، والعاملون في الشركات الصغيرة والمتوسطة، والعمال الذين ينتمون لفئات مُعرّضة للتمييز والتهميش (مثل العمال المهاجرين والعمال الشباب والأقليات العرقية والإثنية…)
تتفاوت الإصابات المرتبطة بالعمل في حجمها وتتعدد أسبابها، لكنها ترتبط في المقام الأول بقصور أنظمة السلامة والصحة المهنية الوطنية، بما في ذلك الإطار التشريعي وضعف الرقابة التنظيمية، وغياب ثقافة السلامة والصحة على المستويين الوطني ومكان العمل، وعندما تقع كوارث عمل واسعة النطاق، مثل حادثة رانا بلازا ( بنغلادش) خلال شهر نيسان/ أبريل 2013، فإنها غالباً ما تكشف عن غياب برامج حماية شاملة من إصابات العمل، مما يترك الضحايا ومن يعولونهم دون أي دعم مالي أو طبي أو تأهيلي.
سلامة العاملين جزء من حقوق الإنسان
ينبغي أن ينعكس حق العمال في بيئات عمل آمنة وصحية في مناهج العناية الواجبة بحقوق الإنسان التي تتبعها الشركات، كجزء من مسؤولية الشركات في حماية واحترام حقوق الإنسان، كما هو منصوص عليه في المبادئ التّوجِيهِيّة للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وبينما تُعدّ مخاطر السلامة والصحة المهنية جزءًا لا يتجزأ من جميع أماكن العمل حول العالم، يتعين على الشركات إيلاء اهتمام خاص لأماكن العمل في البلدان ذات الموارد المحدودة والأطر القانونية الضعيفة ووظائف الإنفاذ والدعم غير الكافية.
بلغت وفيات العاملين في أماكن العمل مستوى غير مسبوق سنة 2024، فضلا عن حوادث العمل المميتة الأخرى وحالات الوفاة نتيجة حوادث أثناء التنقل (وخاصةً بين المنزل والعمل)، وحالات الوفاة الناجمة عن أمراض مهنية، وهي أرقام غير مكتملة لأنها تعتمد على البيانات الحكومية الرّسْمية، وتستبعد موظفي الخدمة المدنية والمزارعين وقادة الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة، ويُعَدّ عُمال قطاعات الصيد البحري والمناجم والنقل والمياه والغاز والكهرباء والنشر والاتصالات وقطاع البناء وقطاع الأغذية من أهم ضحايا حوادث العمل وتمثل هذه الفئات أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن الأمراض المهنية أو الحوادث في مكان العمل، ويُشكّل السقوط من أماكن مرتفعة والمناولة اليدوية، وما إلى ذلك ربع الحوادث المميتة…
قبل اليوم العالمي للسلامة والصحة في العمل ( الثلاثاء 28 نيسان/ابريل 2026) وقبل أيام من يوم العمال ( الأول من أيار/مايو 2026)، حذرت منظمة العمل الدولية من أن المخاطر النفسية والاجتماعية الناتجة عن الإجهاد والمضايقة وأيام العمل الطويلة تتسبب فى مقتل 840 ألف شخص، سنويا، فى أنحاء العالم، ، ترتبط في معظمها بأمراض القلب والأوعية الدموية (784 ألف حالة) والاضطرابات النفسية (56 ألف حالة)، وَوَرَدَتْ هذه المعلومات فى إطار تقرير حول الصحة النفسية فى بيئة العمل، وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية التى تستند إلى بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن عوامل المخاطر النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعمل تؤدى إلى وفاة الرقم المذكور، نتيجة أمراض القلب والأوعية الدموية أو الاضطرابات العقلية، ولفت التقرير إلى أن العديد من الدراسات سلطت الضوء على روابط متسقة بين الضغوط النفسية والاجتماعية السلبية فى العمل والصحة العقلية والقلبية الوعائية، ويحدد التقرير خمسة عوامل خطر نفسية اجتماعية رئيسية مرتبطة بالعمل: الإجهاد وساعات العمل الطويلة والتعرض لمضايقات وعدم توازن بين الجهد والمكافأة وانعدام الأمن الوظيفي، وأوصى التقرير بتحسين التعاون بين السلطات المسئولة عن صحة السلامة المهنية ومؤسسات الصحة العامة والشركاء الاجتماعيين، لتحسين الوقاية، وكذلك التعاون فى مكان العمل، لتحسين مراعاة المخاطر النفسية والاجتماعية من جانب المديرين، بالتعاون مع العمال ومُمثِّلِيهم، وتشمل المخاطر النفسية والاجتماعية: الإجهاد والعنف الخارجي (الإهانات وقلة الاحترام والعدوان وما إلى ذلك)، والعنف الداخلي (التحرش الأخلاقي أو الجنسي وتصاعد النزاعات وما إلى ذلك) وتؤدي هذه المخاطر إلى الشعور بالضيق في مكان العمل والإرهاق المهني أو المعاناة النفسية و/أو الجسدية، وتعتمد الأرقام على البيانات العلمية المتعلقة بدرجة الارتباط بين هذه المخاطر والعواقب الصحية الخطيرة، ولا سيما أمراض القلب الإقفارية والسكتة الدماغية والاضطرابات العقلية، بما في ذلك العواقب المتعلقة بالانتحار (…) كما يتطرق التقرير إلى الكلفة الاقتصادية السنوية لأمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات العقلية المرتبطة بالمخاطر النفسية والاجتماعية، والتي تقدر بنحو “1,37% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويؤكد تقديرات منظمة العمل الدولية أن حوادث العمل والأمراض المهنية تستنزف مَعًا حوالي 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يعادل 1,25 إلى 3 تريليونات دولار سنوياً، وتتسبب هذه المخاطر في وفاة ما يقرب من ثلاثة ملايين عامل وحوالي 395 مليون إصابة غير مميتة سنوياً، مما يشدد على ضرورة تعزيز إجراءات السلامة.
من تبعات إغلاق مضيق هرمز: ارتفاع نسبة الفقر وانعدام الأمن الغذائي
يتوقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يُهَدّد العدوان الأمريكي الصهيوني ضد إيران بالتحاق 32 مليون شخص إضافي حول العالم بصفوف الفقراء، خصوصًا في الدول المتضررة مباشرة من العدوان وتلك التي تعتمد على واردات الطاقة، وقد تَكون الآثار طويلة الأمد على أفقر الدول، حتى تلك الأبعد عن ساحة الحرب في الخليج وآسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والجُزُر، حيث تضطر السلطات أما إلى تثبيت الأسعار، أو تمويل الصحة والتعليم والتوظيف، ويتوقع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة انعدام الأمن الغذائي ل45 مليون شخص إضافي سنة 2026 ليتجاوز العدد الإجمالي 673 مليون شخص، لأن ارتفاع أسعار النفط الخام يؤثر على حركة السّلع وعلى تكاليف إنتاج ونَقْل المنتجات الأخرى ومشتقاتها، وعلى الحياة اليومية لمعظم السّكّان، فضلا عن الإحتكار والمضاربة على الأسعار…
تعتمد نسبة تتراوح بين 20% و45% من الصادرات الزراعية الأساسية على النقل البحري عبر مضيق هرمز، وإذا قلل المزارعون من استخدامهم للمدخلات الزراعية، فستنخفض المحاصيل بحلول نهاية العام 2026 وبداية العام 2027، مما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتضخم أسعار الغذاء في السنوات المقبلة، وفقًا للأمم المتحدة.
2026-05-02