فرنسا بين التفكك والتفكيك!

د. عمر ظاهر

عندما يتعلق الأمر بالنظام الرأسمالي فإننا نحتاج أحيانا إلى أن نعيد إلى الأذهان حقائق أصبحت من البديهيات التي لا يتوقف المرء عندها. وأولى هذه الحقائق هي أن الرأسمالية نظام يتمحور في كل نشاطاته، وسياساته، وفلسفاته على شيء مقدس واحد لا تعلو على قدسيته قدسية شيء آخر، ألا وهو الربح. أمام الربح لا قيمة لأي شيء، لا الأخلاق، ولا الحقيقة، ولا حتى الحياة نفسها – حياة الأفراد أو حياة ملايين البشر. وثانيها أن الرأسمالية في جوهرها وحش يسحق كل شيء في سبيل البقاء رابحا، ويستغل كل شيء، وكل كائن حي، أفرادا أو مجموعات، لا يفرق بين غريب وقريب. إنه يعطي البشر فتات أرباحه كي يبقيهم أحياء قادرين على العمل وإكسابه الربح. وثالثها أن النظام الرأسمالي مبرمج حتى في أصغر تفاصيله بحيث لا مجال للصدفة في أي سلوك من سلوكاته، فكل شيء في تفكيره وفلسفته وسياساته واضح؛ وحتى حياته مقسمة بدقة إلى مراحل آخرها المرحلة الامبريالية؛ وأزماته دورية لا تخطئ أبدا مواعيدها. هذه غيض من فيض المواصفات الثابتة للرأسمالية. الرأسمالية التي دعت إلى الليبرالية وإلى الحريات الواسعة ستصبح يوما ما، وأصبحت بالفعل، عنصرية، ودكتاتورية قمعية – وكلما أصبحت العنصرية مصدرا للربح فإن تحول الرأسمالية إليها يصبح أسرع. وعلى ضوء هذ الحقائق نفهم أن الرأسمالية التي بدأت سياستها الاقتصادية على أيام آدم سميث بالدعوة إلى حرية التجارة سيأتيها، وأتاها بالفعل، يوم تنقض فيه على حرية التجارة. ونفهم أيضا أن الليبرالية ستنقلب يوما، وانقلبت بالفعل، إلى انتقائية للأفكار التي تجلب الربح. ونفهم أيضا أن الدعوة إلى جعل “أمريكا أولا” شعارا لرئيس أمريكي لم يكن منقصة اتصف بها دونالد ترامب، بل هي من طبيعة نظام عندما يشعر بانعدام فرصة الربح يتخلى حتى عن حلفائه، بدليل أن جو بايدن الذي جاء إلى الحكم نقيضا لترامب يعمل بنفس ما دعا إليه ترامب “أمريكا أولا”، وليذهب العملاء الأفغان إلى الجحيم، بل وليذهب الحلفاء الأوروبيون الذين وقعوا في مصيدة مكافحة الإرهاب الإسلامي أيضا حيث يشاؤون. بل ولتذهب فرنسا بشكل خاص وفرانكفونيتها إلى الإفلاس فلا مكان لها في حلف أنجلوساكسوني يضم الانجليز والأمريكان والاستراليين.

ولهذا نرى ألا أحدَ غاضب من سلوك أمريكا كما هي فرنسا فكلتاهما في القارب نفسه. إنها هي بدورها تشعر بنهاية الربح السهل عبر نهب ثروات الشعوب، وتتلوى ألما لتخلي حلفاء النهب عنها، أو لإبعادهم إياها من ولائمهم وتحالفاتهم. وكل هذا في وقت يضيق عليها الخناق في الساحات التي ظلت تتبختر فيها منذ أكثر من قرن ونصف القرن. ونحن الذين نعيش في أوروبا، أو في أفريقيا، أو الشرق الأوسط نشعر أن أمريكا صارت ترخي قبضتها على هذه المنطقة لأن مصيرها صار يتقرر بعيدا عنا، في بحر الصين، وفي تايوان. أما فرنسا، فمن حقنا أن نتخوف من وضعها لأنها أقرب ما تكون إلى وحش جريح، وهي لا تخفي تشنجها، وضيقها، ويأسها، وعدوانيتها حتى أنها صارت تهدد بريطانيا علانية لمجرد أن الأخيرة تمنع بضع مئات من الصيادين الفرنسيين من الاصطياد في مياهها الأقليمية. إنها تريد أن تشدد قبضتها على مناطق نفوذها التقليدية التي تقع مناطقنا ضمنها.

لم تعد فرنسا تطلع على العالم بعطرها ووجهها الحضاري الملطخ بمكياج العلمانية والحريات. إنها صارت أكثر ميلا إلى عرض العضلات – هذه المرة حتى على حلفاء الأمس، وبشكل يكشف عن توترها الزائد عن اللزوم. وهذه العضلات لا تستعرضها أمام بريطانيا العظمى وحدها، بل حتى أمام طفلة صغيرة في الخامسة من عمرها، فتجبرها على نزع أقراطها بحجة أن الأقراط فيها رمز ديني مخالف للعلمانية. إن فرنسا تتفكك فكريا، وأخلاقيا، ونفسيا، واجتماعيا قبل أن تتفكك سياسيا. ويبدو أن اليسار الفرنسي الذي كان ذات يوم يعد أقوى حركات اليسار في أوروبا كان يساريا بمعنى التطرف في العلمانية فقد ذاب في موجة الصبيانية التي يركبها الآن اليمين المتطرف.

على أية حال، إن الغرق في الصغائر يدل على أزمة عميقة، أو حتى على حالة عصبية قد تؤدي إلى تصرفات يائسة ليس فقط بحق بريطانيا، والأطفال العرب والمسلمين، بل بحق الجيران، القريب منهم والبعيد. وهذا ما يصبح واضحا بإلقاء نظرة بسيطة على موقف فرنسا ليس من التحالف الانجلو- ساكسوني، بل من الاتحاد الأوروبي ومن حلف الناتو! فقد تفتقت العصبية الفرنسية مؤخرا عن تحالف عسكري بينها وبين اليونان بهدف الدفاع المشترك!؟ أليس هذا غريبا؟ البلدان عضوان في الاتحاد الأوروبي، ورغم أن هذا الاتحاد لم يتحول بعد إلى حلف عسكري مستقل عن الناتو، فإنه كاتحاد ملزم بالدفاع عن أعضائه. ورغم أن علاقة اليونان بحلف الناتو ضعفت منذ عام 1974 إلا إنها ليست متروكة ولا يمكن للحلف أن يتخلى عنها إن هي تعرضت لمخاطر أو تهديدات. إنها دولة أوروبية غربية. وقد رأينا في الفترة الأخيرة تعاضد حلف الناتو والاتحاد الأوروبي معها في أزماتها المتكررة مع تركيا ونزاعهما حول التنقيب عن الغاز والنفط في شرق البحر الأبيض المتوسط. تُرى ألن تدافع فرنسا عن الدنمارك، أو عن هنغاريا، أو بلغاريا إذا تعرضت هذه البلدان إلى الخطر لأنها لا ترتبط بتحالف عسكري ثنائي معها؟

لماذا تُرى تُقدم فرنسا الآن في هذا الوقت على تحالفات ثنائية داخل الاتحاد الأوروبي؟ يبدو واضحا أن فرنسا لا تشعر بالارتياح إزاء الاتحاد الأوروبي أكثر مما تشعر تجاه تحالف الانجلو- ساكسون. إنها لا تستطيع على أية حال أن تحلم بلعب دور قيادي داخل هذا الاتحاد، فالزعامة هنا أصلا ديمقراطية برلمانية وتتميز بالمساواة. لكن حتى لو راودتها مثل هذه الأحلام فإنها تعرف أنها ستصطدم بالأقوياء الآخرين، فألمانيا مثلا لا يمكن أن تقبل بزعامة فرنسا بأي شكل من الأشكال. وعلى هذا فإن وجود الاتحاد من عدمه لا يغير في مقدرات فرنسا شيئا، بل ربما يكون في تفكيك الاتحاد نفع لها، إذ هي ستستطيع جذب بعض من الدول الصغيرة إلى فلكها. ولهذا فإن مثل هذه التصرفات، أي التحالفات الثنائية، ربما تنم عن نية أو رغبة في تفكيك هذا الاتحاد.

هناك في الحقيقة ما يجمع بين اليونان وفرنسا، ألا وهو العداء لتركيا، ففرنسا في الوقت الذي تعيش أزمات وجودية مع أفريقيا، وتلقى خارج الحلف الانجلوساكسوني، فإن مشاكلها مع العالم من حولها لا تتوقف، فهي في تناحر دائم مع تركيا. وهنا فإن العداوة بين البلدين قديمة، لكن الغريب أن فرنسا هي التي تقود الحملة العالمية حول “إبادة الدولة العثمانية للأرمن”، وكأنها ليست فرنسا التي أبادت مليوني جزائري أثناء حرب التحرير في خمسينيات القرن الماضي!

يبدو أن تأثير الصبيان على فرنسا وصل مرحلة خطيرة، فإذا ما قارنا ماكرون، ومن قبله ساركوزي، مع شارل ديغول والقادة الكلاسيكيين من بعده، نفهم لماذا لا تستطيع فرنسا اليوم أن تقوم بتقييمات متوازنة، فتتخبط في سياسات تفتقر إلى الحكمة. لنترك جانبا مسألة تصعيد الصراع مع المسلمين في داخل فرنسا وخارجها، ولننظر في مسألة التوتر مع أمريكا، وفي الوقت نفسه التهور في العلاقات مع بريطانيا وداخل الاتحاد الأوروبي، وكيف يمكن أن تؤثر التغيرات على هاتين الجبهتين على وضع فرنسا مع تركيا.

الاتحاد الأوروبي يعاني أصلا إشكالية تجعل منه اتحادا شكليا. وقد تجلت هذه الحقيقة أثناء استفحال جائحة كورونا، ورأينا كيف أن الروح القُطرية الفردية الأنانية انبعثت على شكل استيلاء دول من الاتحاد على كمامات وأجهزة تنفس مرت في أراضيها، أو في أجوائها وهي في طريقها إلى بلدان أوروبية أخرى. وقبل ذلك فإن الحركات القومية المطالبة بالانسحاب من الاتحاد آخذة في التوسع في كل بلدان الاتحاد بدعوى أن الاتحاد صار يتدخل في شؤون الدول الأعضاء أكثر مما يطاق. صارت الإجراءات التي تفرضها بروكسل، حيث مقر برلمان الاتحاد، على كل الدول تتناول حتى شكل صندوق الرمل في ملاعب الأطفال في الروضات ومواصفاته. وقبل الجائحة كانت شكوك الاتحاد نفسه بالأخ الأكبر، أمريكا، تنمو في ظل سياسات دونالد ترامب الانعزالية، ولم يكد قلقه يهدأ بوصول جو بايدن إلى البيت الأبيض حتى فاجأه هذا بدوره بالانسحاب من أفغانستان دون مشاورة تلك الدول التي سالت دماء شبابها في أفغانستان تحت راية محاربة الإرهاب الإسلامي الأمريكية. الاتحاد الأوروبي بات يخشى أن يبقي دون حماية كافية. لهذا دعت بروكسل إلى إنشاء قيادة عسكرية أوروبية مستقلة عن أمريكا.

وهنا فإن السؤال الذي يجب أن تتمعن فيه فرنسا، وتجد جوابا معقولا عنه، هو: على من سيعتمد الاتحاد في تشكيل هكذا قيادة لحماية أوروبا إذا لم تعد أمريكا، وهي أكبر قوة ضمن حلف الناتو، موثوقة؟ إن القوة التالية لأمريكا ضمن الحلف هي القوة العسكرية لتركيا صاحبة ثاني أكبر الجيوش ضمن الحلف والتي ما تزال حتى الآن تبذل أقصى جهودها لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي، دون جدوى.

هذه التغيرات تعني أن أوروبا ستجد نفسها في حاجة ماسة إلى تركيا، خاصة أنها حامية حدودها الشرقية من عقود طويلة. فهل سيرضى الأتراك بثمن بخس لقاء هذا الانخراط في دور أكبر في حماية أوروبا؟ تركيا تتبع أصلا سياسة برغماتية في علاقتها مع روسيا التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي مصدر الخطر الأول عليه. وغني عن الحديث ما تقوم به روسيا من تحرش علني ببلدان الاتحاد. إن تقارب تركيا مع روسيا هدفه الأول والأخير هو ابتزاز أوروبا، قبل ابتزاز أمريكا. إذا أصبحت أوروبا أكثر اعتمادا على تركيا في الدفاع عن نفسها فإن الثمن الذي سيدفعه الاتحاد الأوروبي قد يكون، بل سيكون بالتأكيد، منح العضوية الكاملة لتركيا فيه قريبا، وقريبا جدا.

ماذا ستستفيد فرنسا من مثل هذا التغير، وهي أصلا (سوية مع الدنمارك) من أشد المعارضين لانضممام تركيا إلى الاتحاد ؟ إنها لن تستفيد شيئا، بل وتتضرر مما سيدفعها إلى العمل أكثر على تفكيك الاتحاد.

في المنظور العام فإن فرنسا بتخبطها وبالعزلة التي تُفرض عليها، والتي تفرضها هي أيضا على نفسها، تشكل اليوم أكبر خطر على أوروبا، أكبر بكثير من الخطر الروسي، فقد أصبحت مصالحها الحيوية تتعارض مع مصالح أوروبا. لقد أصبحت فرنسا مصدرا للطيش والتهور، وأسوأ ما في وضعها هي قيادة ضعيفة، ومغرورة، ويائسة من إيجاد مخرج من أزماتها الخانقة، وترى في تأجيج الصراعات الداخلية، الناتجة عن هزائمها في الخارج، متنفسا لهمومها، فتصعد ضد الأقلية المسلمة فيها. وما قد يكون أسوأ من ذلك بكثير وأخطر أن تبدأ هذه القيادة بإسقاط مشاكلها الداخلية على سياساتها الخارجية، فلتجنب التفكك تحاول تفكيك الآخرين.

أمريكا وفرنسا وصلتا في آخر مراحل رأسماليتهما، الامبريالية، إلى حد ترك إحداهما للأخرى لليأس والقنوط. إنها ليست مصادفة، بل إنه القدر المحتوم. اليوم لا لبرالية ولا حريات حقيقية، ولا حتى تشدق بحقوق الإنسان، بل عنصرية مقيتة في أمريكا وفي فرنسا. وها هما تصرخ إحداهما “أمريكا أولا”، وتصرخ الأخرى “فرنسا أولا”. وكلتاهما تبدوان مقبلتين على التفكك أولا وأخيرا.

‎2021-‎10-‎12