تحالفات فيدرالية اليسار بين الأصوليتين المخزنية والدينية
كمال السعيدي
عندما يعجز حزب ما عن الحصول على أغلبية مريحة تمكنه من تدبير الشأن العام بمفرده لسبب من الأسباب، فإنه يلجأ إلى عقد تحالفات للحصول على هذه الأغلبية المتماسكة والقوية، والأصل أن التحالف إنما يقوم على وحدة أو تقارب البرامج ضمن تشكيلة إيديولوجية منسجمة..
ويتوضح الأمر على هذا النحو خصوصا لحظة الإنتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة لأن الطابع السياسي حينها يكون هو الغالب..
في المغرب لم تعد التحالفات تخضع لأي منطق سياسي وتبدو عبثية لأغلب المتتبعين، وبالنظر إلى بلقنة المشهد الحزبي واصطفاف جل الأحزاب اليوم خلف مشروع الدولة، أصبحنا نرى الحكومة تضم في عضويتها تيارات متناقضة من حيث المرجعية التي تنسب نفسها إليها بشكل صريح أو ضمني (إسلامية ويسارية وإدارية) ونجد في نفس الوقت أن المعارضة هي بدورها مجرد خليط غير متجانس من نفس القوى السياسية، ولم يعد بالتالي هناك أي خط يفصل بين مجمل التوجهات السياسية والحزبية أو يجعلها تنتظم في أقطاب سياسية منسجمة.
من المؤكد أن عدم وجود هذا الخط الفاصل يخدم في المحصلة الجهة الممسكة بالسلطة، لأنه يسهل عليها عملية التحكم في تلك الأحزاب ومصادرة قرارها وترويض البعض منها أو ممارسة الضغط عليها على أقل تقدير.
من باب عقلنة هذه التحالفات و جعلها تصب في اتجاه إرساء أسس تقاطبات سياسية واضحة تسهل على الناخب وعلى المواطن عموما فهم رهانات الصراع السياسي و التنافس الإنتخابي و من تم تحديد موقفه من هذا الطرف أو ذاك، عمدت فدرالية اليسار الديمقراطي التي تضم في تركيبتها ثلاثة أحزاب يسارية (الحزب الإشتراكي الموحد وحزب الطليعة وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي وانفتحت بمناسبة الانتخابات الجماعية الأخيرة على فعاليات من المجتمع المدني المقربة من اليسار) إلى تقديم نفسها للمواطنين على أساس أنها خط ثالث يتخد لنفسه مسافة من أصوليتين اتنثين تكادان تحتكران اليوم الصراع السياسي وهما الأصولية المخزنية والأصولية الدينية، وقررت عدم عقد أي تحالف سياسي وبالتبعية أي تحالف انتخابي مع أي من هذين الطرفين.
على اعتبار أن هذا الخط الثالث الذي تجسده فيدرالية اليسار والذي أصبح اليوم يمتلك مرئية معتبرة ويخلق النقاش حوله خصوصا بعد ما تم الإعتراف بنزاهة حملته الإنتخابية والإشادة بوضوح مشروعه السياسي الذي ما زال جنينيا و لا يحتمل أي ضبابية..
لكن هذا الموقف الذي يبدو للوهلة الأولى موقفا مبدئيا ومنسجما يخلق مع ذلك تحديا مستقبليا لفدرالية اليسار من الناحية التدبيرية والسياسية..
كيف ذلك؟
إذا كانت التحالفات لا تخلق أي مشكل اليوم للفدرالية على مستوى الإنتخابات التشريعية لأن برنامجها السياسي يقوم أصلا على ممارسة المعارضة بالنظر لعدم قبولها بجوهر المضامين السياسية للدستور، وربط مشاركتها في الحكومات بإصلاح سياسي ودستوري جوهري يضمن الإنتقال إلى ما أصبح متعارفا عليه بالملكية البرلمانية، أي تلك التي تضمن الديمقراطية الكاملة في إطار الملكية الديمقراطية..
بالمقابل وعلى مستوى الإنتخابات المحلية والجهوية تجد الفيدرالية نفسها في موقع صعب أحيانا لأن هذه الإنتخابات أصبحت تتخذ هي نفسها أبعادا سياسية بحجم وبارتباط مع نظيرتها التشريعية، وكذلك بسبب التحاق جزء مهم من قوى ما كان يسمى الصف الوطني الديمقراطي بالمشروع السلطوي، وانفتاح هذه الأخيرة على فئة الأعيان القادمة إليها من اليمين الإداري والتي تحمل معها أحيانا تاريخا طويلا وعريضا من الفساد والإفساد، وهو ما اضطر قيادة الفدرالية إلى دعوة المرشحين الفائزين عنها إلى الإكتفاء بالتحالف الإنتقائي مع الشخصيات النزيهة والديمقراطية داخل تلك الأحزاب و ليس عبر عقد تحالف رسمي مع هياكلها المسيرة..
رغم مبدئية وانسجام هذا التوجيه مع مفهوم الخط الثالث الذي تسعى أحزاب الفدرالية لبلورته على أرض الواقع إلا أنه من الناحية الإجرائية يبقى صعب التحقق..
فما هي الآلية التي ستسمح بالحكم على ديمقراطية هذا الشخص دون غيره من المنتمين لنفس المشروع السياسي؟ وكيف يمكن عقد تحالف مع شخصيات فازت لوائحها وهي تضم إلى جانبها عددا من الفاسدين أو غير الديمقراطيين؟
ثم إن حصر التحالفات على اليسار الديمقراطي يعني عمليا أن لا يتم تسيير أي جماعة ترابية إلا بالحصول على الأغلبية المطلقة وهو ما ليس بالأمر الواقعي قياسا إلى حجم وجنينية هذا الخط الثالث. وكيف تتصرف عندما تحصل لوائحها على أغلبية نسبية كبيرة في غياب إمكانية عقد تحالف طبيعي؟
نعم علينا أن نفكر في المستقبل.. في آلية واضحة تحدد كيفية عقد تحالفاتنا السياسية دون الإخلال بالمبادئ المؤسِّسة لخطنا، ودون السقوط في نفس الأخطاء التي طبعت تحالفات غيرنا والتي لم نتوقف عن انتقادها وفضح عبثيتها، وعلينا أن نعلن تلك القواعد للعموم من باب الوضوح قبل الإنتخابات، وليس بعدها، احتراما للمواطنين أولا، ثم تشجيعا لثقافة التعاقد في السياسية ثانيا، وتسهيلا للدفاع عن اختاياراتنا السياسية كذلك وفي قلبها قضية التحالفات.
2015-09-18