الفرق بين عقلية المختبر وعقلية اليانصيب !
د. صلاح حزام.
سوف أقارن بين نوعين من العقليات التي تبحث عن التقدّم والتطوّر وتحسين الحال.
الاولى هي التي تذهب بصاحبها الى المختبر للبحث عن شيء جديد ينفع صاحبه وينفع المجتمع.
اما الثانية فتدفعه لشراء بطاقات اليانصيب لعله يفوز ويتغيّر حاله.
في الستينيات، كان هناك اكثر من سحب على بطاقات اليانصيب التي تبلغ جائزتها الاولى عشرة آلاف دينار عراقي او سبعة آلاف دينار.
كنت استمع الى أحاديث الكبار وهم يتبادلون الاخبار عن الفائزين والمفارقات العجيبة التي حصلت لهم.
أحدهم روى حكاية الزبّال الذي التقط بطاقة من الشارع ، سقطت من أحدهم، ووَضَعَها في جيبه ونسى امرها تماماً ، الى ان علِم ان الجائزة الاولى لم يتقدم لها أحد لحد الآن . حينها نبش جيبه ووجد البطاقة التي اتضح انها الفائزة بعشرة آلاف دينار.
وهذا المبلغ كان ثروة كبيرة في تلك الفترة تشتري بها عشرة بيوت.
فاشترى قصراً وذهب الى الحَج واستقال من عمله الخ…
وهنا تبدأ الدعوات بأن يمُنَّ الله على الحاضرين بنصيب مثل نصيب الزبّال.
طبعاً لم يكن هناك وجود لفكرة الحرام والحلال مع ان الكل كانوا يصلّون !!! وكانوا يطلبون الفرَج من الأولياء لجعلهم من الفائزين بتلك البطاقة..مع انها مقامرة يفترض ان تكون محرّمة اسلامياً!!
تحدثوا عن زيارات الاولياء لبعض الفائزين في الاحلام وتبشريهم بالفوز.
بعضهم ادمن اليانصيب وصار مقامراً يشتري بكل مالديه من اموال بطاقات يانصيب على حساب معيشة اطفاله.
ويتحدثون بروح النكتة عن قصة الشرطي الذي فاز بالجائزة الاولى ولكن اول شيء فعله هو مطالبة زميله بمبلغ خمسين فلس كان قد اقرضه له !!
مقابل ذلك ، اثرى أثرياء العالم لم يربحوا اموالهم باليانصيب بل عن طريق مختبرات وورش افتتحوها في مرآب السيارات في بيوتهم وتوصلوا الى اختراعات غيّرت وجه العالم.
الشركات الكبرى التي تُنفِق مبالغ طائلة على البحث والتطوير تتوقع ان اكتشافاً جديداً قد يدرُّ عليها المليارات.
حدّثني صديق محترم كان يعمل في الولايات المتحدة لسنوات كاستشاري في أحدى الشركات الكبرى للصناعات الكيمياوية .
قال ، ان تلك الشركات تُرسل موظفين متخصصين الى اقسام الكيمياء في أفضل الجامعات الامريكية
للبحث عن الطلبة المتفوقين وتتعاقد معهم برواتب مغرية وجلبهم للعمل في مختبراتها للبحث والتطوير.
قال له مدير تلك الشركة ، مهما دفعنا لهم من رواتب فأن اختراع مادة جديدة او تركيبة معينة او التوصل الى مُنتَج جديد من قبل أحد هؤلاء الطلبة، سوف يجلب الملايين ويُغطّي تكاليف تشغيلهم اضعافاً.
لازال تفكيرنا أسير فكرة وفلسفة اليانصيب ، أي الغنى المفاجيء والسريع والمجاني..ومن هذا الباب يأتي الفساد والجشع والنهم المرضي.
ولذلك نحن كما نحن والآخرون اصحاب فكرة المختبر كما هم عليه من تقدّم..
انهم يؤمنون بالعقل والحكمة والمعرفة ، اي يتّبعون ماقاله الله بدون قصد :
(وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).
قال احد الكتّاب الكبار ذات مرة بعد ان زار اليابان : وجدتُ لديهم الاسلام ولدينا المسلمون ..
انهم يستخدمون عقولهم من اجل التطور ، اما اصحاب ثقافة اليانصيب فأنهم يتبعون الخرافات والاوهام ولايتبعون العقل كما أمرهم ربهم الذين يعتقدون انهم مؤمنون به.
يقول الله : “وليس للانسانِ الّا ماسعى” .
لكنهم يريدون التطور بدون سعي !!
اي اسلامٍ هذا الذين يعلنون ايمانهم به ؟
2021-07-27