الصحافة الاقتصادية!
د. صلاح حزام.
في السبعينيات عندما كنت أحضّر لكتابة رسالة الماجستير ، عرضتُ بعض المواضيع المقترحة على استاذي المرحوم الدكتور محمد سلمان حسن ، وكان قد أُحيل على التقاعد حديثاً بدوافع انتقامية تافهة ، حين التقيته في المكتبة المركزية وكان يحضّر لاعداد الجزء الثالث من كتاب الاقتصاد السياسي لاوسكار لانگة.
لازلت اذكر كيف تصَفّح واستعرض تلك المقترحات ثم سألني عن اي المواضيع التي أميل لدراستها اكثر؟
أخبرته عن أحد هذه المواضيع .. نظر اليه وبعد دقائق قال : اذا تناولت هذا الموضوع بهذا الشكل الواسع وضمن الوقت المحدود الممنوح لك للدراسة، وضمن عمرك المحدود ، فأنك سوف تخرج بنوع من الصحافة الاقتصادية !!
عبارة الصحافة الاقتصادية بقيت عالقة في ذهني الى اليوم .
لايعني ذلك استهانةً بوظيفة الصحفي الاقتصادي، حيث ان طبيعة تناول الصحفي لموضوع اقتصادي تختلف عن تناوله من قبل شخص متخصص في الاقتصاد ويخاطب متخصصين.
الصحفي يخاطب عموم الناس ولايخاطب متخصصين ، فهو يحاول نقل فكرة او تصوّر عام للقرّاء وليس شرحاً للتفاصيل والعلاقات الفنية بين الظواهر الاقتصادية..
وهذه هي وظيفة هذا النوع من الصحافة العامة . ولكن حتى في عالم الصحافة ، هنالك صحافة تخصصية تنقل وتكتب وتحلل على مستوىً عالٍ من الخطاب الاقتصادي ..
صحيفة نيويورك تايمز ، فيها عمود يكتبه ” پول كروغمان” وهو من ابرز الاقتصاديين المعاصرين وحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد..يتناول فيه القضايا الاقتصادية الجارية ويحللها بأسلوب مفهوم الى حد كبير من عموم القراء المثقفين.
صحيفة الفاينانشال تايمز ، تعتبر مصدراً مهماً جداً للمعلومات والتحليلات الاقتصادية والمالية.
هذا الحديث وهذه الامثلة ، أثارتها مشاهداتي المستمرة وقراءاتي لبعض
الاشخاص الذي يقدّم نفسه كأقتصادي او خبير اقتصادي أو دكتور في الاقتصاد، لكنه يجترُّ مجموعة من العبارات العامة المكررة والمملة وعديمة الفائدة ..
لغة مملوءة بعبارات : من الضروري ، ويجب وينبغي اتخاذ الاجراءات وضرورة انطلاق التنمية واهمية تنمية الانسان الذي هو مركز التنمية وحان الوقت لوضع الخطط والبرامج الخ …..
لكنهم لم يخبرونا كيف تنطلق التنمية وكيف يتقدم الانسان ووفق اي معايير وادوات !!
اذا كان حامل الدكتوراه في الاقتصاد يطلب من غيره تقديم الحلول الاقتصادية ، فماذا يحمل من شهادة ذلك الذي نعوّل عليه ؟؟
انها شكل من اشكال الصحافة الاقتصادية الهابطة والمبتذلة والخطيرة في نفس الوقت لانها تؤلب الرأي العام وتخلق لديه تصورات واوهام غير حقيقية ، وتُحرج السلطات.
اصبح اغلبية الذين يتصدون للشأن الاقتصادي والمالي ، يتحدثون بلغة الصحافة الاقتصادية الهابطة المليئة بالانشاء والسفسطة اللغوية البائسة التي تسبب الصداع..
2021-07-15