رواية. اغتيال ريحانة !

بقلم .الاسير محمد عدنان سليمان مرداوي.متابعة وأعداد: ربى  يوسف شاهين .
عرابة ـ جنين ـ فلسطين المحتلة:
معتقل منذ 17/8/1999

محكوم 28 عاما

بسم الله الرحمن الرحيم

اغتيال ريحانة قصة حقيقة حدثت في سجن النقب بتاريخ 21\6\2019

{الأديبة السورية نهلة سوسو “ريحانة” “محمد المرداوي” ستُنبت غاباتٍ ومروجاً وبساتينَ يانعةَ الخضرة، حيثما لامستها يدُ قارئ! ريحانةٌ ستقاوم الجفاف والقحط الذي يسعون إليه لتُطمَس فلسطين من الخرائط والذّواكر!,}


كل ما كُتب من الأدب العالميّ، يدين لملحمة “جلجامش” بإبداع الصورة الشعرية، التي صاغتها الروح البشرية التوّاقة للخلود، المتّقدة بدافع بقاء الصداقة النبيلة فوق الفَناء، وإذ مضى “أنكيدو” إلى مصيره المحتوم، خلّدته أناشيدُ الملحمة في الذاكرة الإنسانية إلى الأبد، ولعلّ الأدب العربي والإنساني سيدين لحكاية “ريحانة” الأسير “محمد المرداوي” بنفس التأثير!
سيعدُّ القارئ أنفاسه وهي تتسارع وراء “محمد” حين يستنشق الهواء في “فورة” السّجن (الباحة، المسموح للشمس بزيارتها) ويسمع مناجاته للحرية وحلمَه بكائن حيٍّ يأتي من عالمه الدافئ البعيد، يعيش معه ومع رفاقه بين الجدران الشاهقة التي صبّها العدوّ دونهم والعالم ليذيقهم نمطاً خاصاً من الموت، هو البارع، المتفنّن باختراع طرائق الموت، وستنحبس أنفاس القارئ حين تطلع من خيال “محمد” بذرة الريحان ثمّ تنبت وتبرعم وتخضرُّ وتنشر الشذى، بديلاً عن طائر مغرّد يستحيل إحضارُه من فضاء فلسطين إلى الزنزانة، حيث تُقَصّ حتى أجنحة الضوء والزرقة والبشر!
رواية قصيرة، لكنها بحجم ملحمة! وإني قرأت في سطورها جلالة كلّ قطرة دم شهيد منذ قيامة فلسطين، ودواوينَ شعر “إبراهيم طوقان” و”عبد الرحيم محمود” وروايات “غسان كنفاني” وغُرَزَ الثوب القاني الذي مازال يقاوم الروايات الكاذبة عن الوعد التلمودي ل “شعب الله المختار”.
“ريحانة” “محمد المرداوي” ستُنبت غاباتٍ ومروجاً وبساتينَ يانعةَ الخضرة، حيثما لامستها يدُ قارئ! ريحانةٌ ستقاوم الجفاف والقحط الذي يسعون إليه لتُطمَس فلسطين من الخرائط والذّواكر!

الاستاذ محمد حسين لمع “ريحانة” “محمد المرداوي” {فلسطين اليومَ، صار لي فيها قطعةٌ من قلبي، في صحراء النقب، وفوق رمالها الحارّة، تخفق هناك في زنزانةٍ مظلمةٍ، فيجيبها ما بقيَ في صدري. هكذا صار لي قلبان، أو قلبٌ بنصفين.}

إلى أخي.
إلى الجرح الذي نزفَ.
واليد السمراء التي أدماها القيد.
إلى الصدر الذي يحتوي قلبًا ما توقّف عن النبض، رغم ازدحام الاوجاع.
إلى ابن الارض الاسيرة، فلسطين المظلومة.
إلى ابن الشعب المقهور المتروك ليواجه الطواغيت باللحم العاري.
إلى أخي محمّد، الذي لم أرَه من قبلُ، ولم أسمع صوته، لكنّ له في فؤادي اليومَ عاطفةً ما كانت لغير إخوتي الشهداء الذين سبقني العشراتُ منهم على درب التحرير الطويل، درب ذات الشوكة الصّعب والمعبّد بأنياط القلب.
أنا ابن الجنوب، كنت أفتح نافذة غرفتي الصغيرة وأرمي ببصري ناحية فلسطين، فأتنسّمَ هواءها، وأحبسه في صدري كي لا يضيع.
فلسطين الحبيبة الاسيرة المعذّبة، قضيتي التي شربتها مع لبن أمّي، فعشقتها وأفنيتُ العمرَ طلبًا لحريّتها.
فلسطين اليومَ، صار لي فيها قطعةٌ من قلبي، في صحراء النقب، وفوق رمالها الحارّة، تخفق هناك في زنزانةٍ مظلمةٍ، فيجيبها ما بقيَ في صدري. هكذا صار لي قلبان، أو قلبٌ بنصفين.

إلى أخي محمّد عدنان المرداوي، محمّد الذي أحببته، كما أحبّ النبيَّ صاحبُه اليماني الذي لم يرَه. وصلتني ريحانتك، شممت فيها رائحة قميصك المبلّل بعرقِ الكرامة، ومسحت به وجهي، علّه يباركني كزيت الكنيسة المقدّس وكزيت سراج وقناديل الاقصى

عشرون عامًا، بل عشرون ربيعًا كان لك من العمر يوم أسروك، وأكثر من عشرون خريفًا مضى من العمر خلف القضبان.
هكذا صار عمرك نصفين. ربيعٌ واحدٌ وخريفٌ عساه لا يطول.
لسنيّ العمر الآتية، لا يساورني، شكّ بأنها ستكون مزهرةً، وسيعوّض الرحمن ما فاتك بسبب قهر الظالمين العتاة المجرمين.
البطل محمد عدنان المرداوي واخوانه الاسرى، بذرة الامل بالتحرير، التي تنمو كما نمَت ريحانتك داخل أسوار السجن وسط الصحراء.
لا تضيع فلسطين وفيها رجالٌ رجال. لا تضيع القدس وعيناك ساهرتان تحلمان ببيت العائلةِ في عرّابة. كما أرانا الله جنوبنا المحتلّ، يرينا غدًا تراب فلسطين، كلّ فلسطين، من بحرها إلى نهرها، ومن لبنان إلى أرض الكنانة. حينها أكون ضيفك في بيتك في جنين وتكون دليلي في رحلة الشوق إلى بيت المقدس. هناك سأصلّي بإمامتك، ولحظة صلاتك سآخذ من تحت قدميك كمشة ترابٍ مقدّسةٍ تكون لي موضعًا للسجود أعفّر بها جبيني فأسمو.
إنهم يرونه بعيدًا، وأراه قريبًا.
أخوك محمد
الأول من حزيران 2020
عربصاليم -إقليم التّفاح -جنوب لبنان

اغتيال ريحانة

الموت، كما لم يرَه من قبل

خرج محمّد إلى الفَورة ( ساحة الشمس في المعتقل؛ المكان الوحيد الذي يُسمح فيه بالتّجول)، و على غير عادته، نظر طويلًا في الجدران التي تحيط به من أربع جهات، و كأنّه يراها أوّل مرةٍ، ثم غرق في بحرٍ من الأفكار. لم يعد يسمع أصوات الأسرى يتحادثون بقربه، وقد سكن الهواء و غابت الشمس، حتّى أنّ كلّ شيءٍ من حوله صار جمادًا. توقّف عن المشي الذي يحتاجه جسده، ثمّ أغلق عينيه، و عاد بالذاكرة إلى ثمانٍ وعشرين سنةً خلت، يوم توقّفت ساعة الزمان عن الدوران، ليحلّ مكانها عدّاد الموت البطيء: عدّاد الأسر.

لا للموت

فتح عينيه و راح يتفحّص المكان بطريقةٍ لم يَعتَدْها: أبراج المراقبة و فوّهات البنادق الموجّهة إلى صدور الأسرى كانت الخطر المحدِق في كل لحظة، الأسلاك الشائكة و الجدران المرتفعة، الحائل بينهم و بين من يحبّون؛ سنتيمترات قليلة من الإسمنت المسلّح كما كلّ شيءٍ هنا، حجبت عنه دفء حضن أمّه. السجّانون: في الزاوية الأولى جنديٌّ أسمرُ عساه من فلاشا أثيوبيا، و في الزاوية الثانية جنديٌّ أبيض من روسيا، و في الثالثة آخرُ حنطيٌّ من المغرب، و في الزاوية الرابعة ألمانيٌّ أو نمساويٌّ أشقرُ ضخم الجثّة.
أفرَجَت شفتا محمّد عن ابتسامةٍ ساخرةٍ و هو يرى أسوار المعتقل الأربعة و قد جمعت مرتزقةً من أربع دولٍ، لا يمتّون إلى هذه الأرض بِصِلة، و لا ينتمون إليها بخيطٍ رفيعٍ، لكنهم يسجنون ابنَ التراب الأصيل، الذي تمتدّ جذورُه فيه أبعد من كلّ التاريخ. كذا كان المشهد في الفَورة؛ أرضٌ تحتضن ابنها الأصيل، ويحيط بهما غرباء يحاولون أن ينزرعوا في ترابها، لكنها لا تُنبِت إلا بذرةً بلديةً تعرفها متى لامست وجهها، فتنشقّ لها و تحتضنها.

تابع محمّد جولته بعينيه، و صار يرى الأشياء بمنظارٍ مختلف عن الذي شاهدها به منذ وطئت قدماه أرض المعتقل.
اللون الأحمر! لماذا يطغى اللون الأحمر على المكان؟ كاميرات المراقبة حمراء، و الأرض تحت قدميه حمراء أيضًا. إنّه لون الموت حتمًا، فكّر محمّد، يريدون لِلَوْنِ الدم أن يحيط بنا، و لو استطاعوا لَحَجبوا زرقة السماء هي الأخرى و صبغوها بلون الدم. لا يريدون لنا أن ننسى أن كيانهم قام على دمنا المسفوح في دير ياسين و قرى فلسطين من بحرها الأزرق إلى نهرها الزُّلال عند حدود الأردن. يريدون لرائحة الدم أن تستوطن أنوفنا لننسى رائحة زهر ليمون يافا. يافا يافا، وليس تل أبيب! لن يغيّروا الأسماء في وجداننا ولو صبغوا كل لافتات الدنيا بحروفهم العبرية؛ تبقى الأرض “بتتكلّم عربي”.

الحياة.. الحياة.. استفاق محمّدٌ من جولة تأمّله و صاح: الحياة في مقابل الموت! نحتاج هنا للحياة، لنهزم الموت الذي يزحفون به علينا. وسط كل هذا اليباس وهذه الوحشة في صحراء النقب، و بين جدران الموت العالية، نحتاج إلى الحياة كي يحيا فينا الأمل ولا ننهزم من الداخل.

الاخضر

رأى محمّدٌ زملاءه في المعتقل و قد اجتمعوا في زاويةٍ من زوايا الفَورة، فمشى إليهم، و من بريق عينيه عرفوا أنّه يحمل خبرًا، فسكتوا دون أن يطلب ذلك، و بدأ يحدّثهم بما جال في خاطره.
الحياة.. نحتاج الحياةَ هنا. ختم كلامه ثم سكت وانتظر ردّهم عليه.
لم يدم صمتهم طويلًا، و قد رأى في انفراج أساريرهم مباركةً لكلّ ما قال.
الحياة موجودةٌ، في الإنسان و الحيوان و النبات. أمّا الإنسان فلا مجال لإحضاره، و نحن بالكاد نستطيع رؤية أهالينا و منهم نأخذ الرمق الذي يُبقينا أحياء. الحيوان لا مجال لتربيته؛ فالقطط و الكلاب حتمًا ممنوعةٌ، أما الطيور، فالأسلاك الشائكة بالكاد تسمح بمرور خيوط الشمس و نسمات الهواء.
لم يبقَ غير النبات.
ليمون؟ هذا رمز فلسطين، و يافا التي ضاعت عام 48. أو زيتونة من الخليل الأسيرة منذ العام 67؟ هذه رمز مقاومة الاحتلال، و صورة المرأة تحتضن جذعها بإزاء الجرّافة صارت أيقونةً لكلّ حرٍّ في العالم، هي هنا منذ عهد المسيح و الشجرة المباركة في القرآن.
لكن الليمون و الزيتون، أشجارٌ كبيرةٌ، تنمو ببطءٍ شديدٍ و لا يمكن انتظار نموّ بذرتها، و متى كبرت سهل اكتشافها.
فلنفكّر بنباتٍ أصغر: وردةٌ، ياسمينةٌ.. لا يمكن أيضًا؛ ستكبر و ينكشف أمرها.
البَراري، فكّروا بالبراري. النرجس مثلًا، الذي ينمو بين صخور فلسطين، كنا نُمضي فتراتٍ طويلةً نبحث عنه و نحاول اقتلاع بصلته من جذورها لننقلها إلى أحواض الدار.
النرجس لا ينبت إلا أيامًا معدوداتٍ. نحتاج نبتةً عطريةً فيها رائحة الأرض و البيت و التاريخ؛ نبتةٌ تعبق بأريج فلسطين، و تكون لنا مصدر حياةٍ.

الريحان! صاح محمّد. هذه النبتة التي تزيّن مداخل منازلنا، لا يخلو حوضٌ منها، بل تراها عند طاقات المنازل القديمة، كلُّ من يمرّ بها يحرّك يديه فوقها ليطيّب الهواء و يزكّي رائحة بدنه. تجدها بين الملابس، وفي الرفوف الخشبية، و في المأكولات تعطي نكهةً زكيّةً لا تكون لغيرها، أما قصفةٌ صغيرةٌ مع كوب الشاي، فليس مثل مذاقها شيء. و تمتاز هذه النبتة كذلك باعتدال حجمها بما يسهّل عملية إخفائها، و بِطُول فترة حياتها التي تصل حدّ الأشهر الستّة.
ثم إنّ اسم بلدة الريحانية مشتقٌّ منها. تلك البلدة الصغيرة الجميلة قرب حيفا، التي دمّرَتها العصابات الصهيونية عام 48، و هجّرت أهلها و بنَتْ على أنقاضها مغتصَبةً (مستوطنةً) للغرباء الآتين من خلف البحار، ليسكنوا أرضًا لا تحبّهم و لا يحبّونها، بدل أبنائها الفلاحين الأصليين الذين يعرفهم التراب من دعس أقدامهم. ستذكّرنا رائحة نبتة الريحان بشذا البيوت القديمة و حكايا سهرات الصيف في قرى فلسطين، عندما كان الجيران يتسامرون على ضوء القنديل أو نور القمر بعد نهارٍ أمضوه ينقّبون في الأرض و يحرثونها و يحصدون غلالها تحت حرّ الشمس. فيأتي الليل باردًا منعشًا، يجتمعون فيه فيأكلون ممّا جنت أياديهم، و الريحان يتراقص في الأحواض، كلّما هبّت نسمةٌ حمَّلَها عطرَه الفوّاح إلى الساهرين.

ستكون نبتة الريحان هذه رمزَ انبعاثنا من جديد: كما ينهض الورد الجوريّ الآن من تحت أنقاض بيوت الريحانية و غيرها، ستنهض هذه الريحانة بنا من تحت الموت البطيء الزاحف نحونا، إلى قيامةٍ جديدةٍ تأخذنا صوب حياةٍ جميلةٍ تنتظرنا. كما أرادوا قتل أحلامنا، سنكسر آلة جريمتهم بورق الريحان الأخضر، و بدل رائحة موتهم النّتنة، سننشر ضَوع حبق الحياة في الأرجاء.

بذرة الأمل

بعد أن اجتاز الرفاقُ مرحلة التخطيط واستقرّ رأيهم على نبتة الريحان، بدأوا يعدّون آلية التنفيذ.
– نحتاج بذرةً أو شتلةً، و ترابًا نزرعها فيه.
– الشتلة تنمو بسرعةٍ أكبر، لكن تهريبها صعبٌ؛ فهي خضراء و تحتاج جذورُها الماءَ أثناء التهريب. أما البذرة فتهريبها سهلٌ جدًّا، لكنّ نموّها بطيء.
– بذرةٌ إذن. سأطلب من أهلي إحضارها في موعد الزيارة القادم، وهكذا تكون معنا في مطلع الشتاء فنزرعها لتنبت في آخِره. كانت رياحين الدار تلقي بذورها في الأرض متى أينعت مع الخريف لتنبت من جديدٍ أوّل الربيع، و لا يأتي الصيف إلا و قد صارت رياحينَ صبيّةً تحلّ مكان القديمة التي تكون قد يبست. هكذا يبقى الريحانُ في الحوض جيلًا بعد آخر، و كذا ستكون في السّجن هنا؛ ستملأ هذه النبتة الزنزانة حياةً و أملًا.
– بقيَ أمرُ التراب. من أين نأتي به؟ فالترابُ ممنوعٌ هنا. لا يريدون لنا أن نلمس شيئًا من أثر فلسطين أو أرضها. يُبقوننا أسرى كتل الإسمنت و اللون الأحمر، بَعيدِين عن كلّ أشكال الحياة.
– ماذا لو جَمعنا الغبار النّاتج من كنس الغُرَف؟
– لا أظنّها تعيش في الغبار؛ فجذورها تحتاج التراب.
– إذنْ نجمع بقايا التراب العالق بحبّات البطاطا و البصل و الثوم التي يحضرونها إلينا في الزّنازين. سنجمع أرض الريحانة حبّةً حبّة، كما نصون تراب فلسطين من الأبيض المتوسّط إلى الميّت. نحن الأسرى خيرُ مَن يعرف قيمة الأرض و ترابها.

انفرط جمع الإخوة، و نامَ كلٌّ في سريره، لكنّ جمعًا منهم لم يَغمض له جَفن، وكان محمّد أحدهم. بات ليلته يحلم بالريحانة، فتارةً يمرّر يده فوقها ثم يشمّها، و أخرى يحمل إبريق الماء ليسقيها. صارت الريحانة قضيّته التي اختزلت كلّ القضايا التي ناضل و أسِر من أجلها، قضية الرُّوح التي يريد المحتلّ خنقها فيخنقَ معها فلسطين كلّها. لم يرِد محمّد أن يخسر فلسطينَهُ فقاتل لأجلها و قبع في المعتقل لأجلها، و اليوم يجعل من الريحانةِ خيطَ الحياةِ الذي يُمِدّه بأسبابها. هي الحبل الذي يُبقي عليه معلّقًا بالأرض الأمّ فيتغذّى منها لبنًا سقته بعضًا منه أمُّه يومَ كان رضيعًا، ثمّ أدمَن شربَه فصار يأخذه من تراب فلسطين بعد أن جفّ صدرُ أمّه.
بات محمّد ما بقي من ليلته و في أنفه عبقُ الريحان، و في قلبه خفقةُ رُوحٍ كان قد نسيَها مذ وطئت قدماه أرضَ النَّقب. تلك كانت انتفاضةً أسماها “قيامة الريحان”.

ترابٌ

بعد زيارة الأهل الثانية، كانت في الزنزانة مَحرُمةٌ صغيرةٌ تحملها كَفَّا يدٍ بعنايةٍ أين منها العنايةُ المشدّدة؛ فلو حَملت تِلْكُمُ الكفّان جوهرةً لَمَا كانتا حذِرتيْن كحَمْلِهما هذه الورقة.
تحلّق الرفاق حول الطاولة الخشبيّة، فمدّ محمّد يدَه و وضع حمله في وسطها، ثم جعل يفتحها ببطءٍ شديد. كانت الرؤوس تقترب من المحرمة كلّما فتحها محمّد، فتوقّف قليلًا و كأنّه تنبّهَ لأمرٍ عظيم، ثم قال: احبسُوا أنفاسكم. لا تجعلوها تطير!
حبس الجمع أنفاسهم، فأكمل فتح المحرمة حتى صارت مستويةً مع سطح الطاولة.
مساحةٌ بيضاءُ فيها تجاعيد من أثر الضمّ، فتَح محمّد إحداها، فبانت فيها كُرَةٌ سوداءُ صغيرةٌ، بدَت له كألماسةٍ نادرةٍ أو كلؤلؤةٍ مكنونةٍ في صَدَفةٍ.
“ها هيَ.” صاح محمّد، و قد انفرج فوهُ عن ابتسامةٍ عريضةٍ، بل عن ضحكةٍ أظهرت بياض أسنانه. ها هيَ ريحانتي، فلسطيني، أمّي، رائحة جدّتي، بندقيّتي، دار سيدي (جدّي باللهجة الفلسطينية)، رفاقي، بيتي، سريري… ها هيَ!
كانت العيون قد اتّسعت ملء الوجوه لرؤية البذرة السوداء، و سرَت في الغرفةِ فرحةٌ قلّ أن خبرَتْها، و لولا الخوف من السجّان لقامت لأجلها حلقات الدبكة. لقد كانت رؤية تلك البذرة كقمر شوّال؛ يأتي معها العيد.

لفّ محمد محرمته بعنايةٍ بعد أن تأكّد من وجود بذرة الريحانة داخلها. ثم دسّها في جيبه و نظر إلى أترابه فقال:
حسنًا، أمّا و قد و صلت البذرة، فسيكون علينا جمعُ التربة لها. من اليوم سنحتفظ بكلّ ذرّةِ ترابٍ تعلق بالخضروات التي يأتون بها إلينا. البطاطا و البصل أكثرُ ما يَعلق به التراب.
و على مدى أيامٍ طويلةٍ، كان في زاويةٍ من زوايا الغرفةِ كيسٌ يكبر كلّ صباحٍ، بعد أن يرميَ السجانون كيس الخُضَر و يغادروا. كان محمد و رفاقه ينظّفون ما علق من ترابٍ و يجمعونه بحذرٍ شديدٍ و كأنّه كنزٌ، حتّى صار التراب العالق بالبصل و البطاطا أغلى منهما.
و كان على محمدٍ أيضًا أن يحجب الكيسَ عن نظر العدوّ المتربّص بالريحانة و ترابها، كما يتربّص بتراب فلسطين. فراح يتفنّن في اختراع الطُّرُق لتمويه الكيس و الحفاظ على التراب.
و مع بداية شهر شباط، كان الوعاء البلاستيكيّ (أدوات المطبخ) قد امتلأ بكميّةٍ كافيةٍ من التراب اللازم للزراعة.
وضعه محمد أمام الرفاق، فمدّ يده إلى التراب و جعل يذروه فوق الوعاء، ثم قال:
لعلّ التربة هنا قد تجمّعت من كلّ فلسطين: البصل من الجليل، و البطاطا من الضفّة، و الليمون من يافا، و من يدري ربّما بين الخضروات ما هو من غزّة و القدس! ها إنّ تراب فلسطين قد اجتمع في هذا الوعاء. فلسطين التي قضموا أرضَها على مراحل، منذ التخطيط في مؤتمرات أوروبا، مرورًا بالوعد المشؤوم، ثم النكبة فالنكسة، كان تراب الأرض ينتقل من أصحابه الأصليين الذين جبلوه بعرَقهم، إلى المرتزقة الآتين شراذمَ مِن كلّ الأصقاع.
تراب فلسطين، حبيبتي، عاد ليجتمع اليوم هنا في سجن النقب وسط الصحراء، ليكون واحةً تنبت فيها ريحانتي التي ستمِدّنا بأسباب الحياة لمواجهة هذا الموت الزاحف علينا.

أخذ محمّدٌ (كمشة) التراب، فشمَّها و قبّلها، ثم أعادها إلى الوعاء، و قد نزلت من عينيه قطرتان فقط، سالتا فوق خدّيه. كانتا مثل الندى على وريقات الريحان في صباح يومٍ صيفيٍّ حارّ، يتساقط فوق تراب الأحواض فتبعث تلك الرائحة العجيبة، حيث ترابُ الأرض يعانق غيثَ السَّماء.
“لقد حانت اللحظة التي انتظرناها.” قال محمّد، و قد أخرج من جيبه المحرمة و فتحها أمام رفاقه: ستنام بذرتنا في الأرض منذ الآن، و ستخرج لنا ريحانةً فلسطينيةً كما نريد، و ستكون لنا حياةٌ ثانيةٌ يُزهِر بها ربيعُ أعمارنا التي كادت أن تذوي.

وضع محمّد البذرةَ في التراب، كما يستودع الأبُ المفجوع ابنَه، ثم غطاها بقليلٍ من التراب، و سقاها شربةَ ماءٍ، و بالطبع دمعتَيْ عينيه، على أمل قيامتها مع بشائر الربيع.


الحياة

نامت البذرة في تراب فلسطين، و نام الرفاق على حلم قيامتها. مضى شهرٌ أو أكثرُ منذ بداية شهر شباط، المعروف في بلاد الشام أنّه مهما عصف و (شبَط و لبَط)، تبقى فيه رائحة الصيف. و في هذا الشهر تعود الحياة إلى النباتات فيمكن زراعتها دون جذور (تفسيخها)، و السبب هو امتلاء الأرض ماءً بعد فصل الشتاء و كثرة الأيام المُشمِسة التي تعطي الدفء فيَسري الماء في الجذوع و تنمو الجذور الجديدة. وطالما كانت الأمهات و الجدّات يزرعن الورود و النباتات العطرية في شباط، فترى الأحواض و قد امتلأت بالنعناع و الريحان و القرنفل و الفلّ و الياسمين، و النّساء يرجعن إلى منازلهنّ يحملن في أيديهنّ قصفاتٍ من وردةٍ أعجبتهنّ عند جارةٍ أو صديقةٍ.

تذكّر محمد هذه التفاصيل الحميمة و المؤلمة في آن، ثم فتح عينيه و أدار وعاء الريحانة صوب خيط الشمس الذي يدخل الزنزانة بضع دقائقَ في اليوم، ليُدفئ التراب و يسرّع عملية النمو. كان خيط الشمس هذا، الوحيد الذي يمرّ من بين قضبانهم ويكسر حواجزهم و يذكّرهم كلّ يومٍ بأنَّ نهارًا جديدًا قد بدأ، و شمسًا جديدةً قد طلعت، و أملًا جديدًا بحُريّةٍ تحملهم إلى النور قد عاد مع الصَّباح.

هكذا أمضى محمّد شهر شباط من العام 2018. في الصّباح يُخرج الوعاء من مخبئه، يتفحّص أرضه ليبقيَها رطبةً فيسقيها إذا ما جفّت، ثم يلاحق خيوط الشمس ليرفع من حرارة التراب، و بعد ذلك يعيدها حيث تأمَنُ شرَّ حملات التفتيش المفاجئة أو الروتينية. و طالما جلس قبالة الوعاء، يضع يده عليه ثم يكلّم البذرة و يناغيها و يناجيها: أن اخرُجي يا جميلتي؛ فهناك من هو بانتظارك و يحلم برؤيتك. تمامًا كما يكلّم الأب ابنه الذي ما زال جنينًا في أحشاء أمّه، كان محمدٌ يسامر ريحانته في رحِم التراب.
و في صباحِ يومٍ مشمسٍ من أيام آذار، أوّل شهور الربيع، كان محمّد نائمًا، فرأى ضوءًا ساطعًا يُبهر البصر. حاول ستر عينيه بيديه اتّقاءً، لكن النور كان يتسلل من بين أصابعه، و كأنّه يتعمّد إيقاظه. أفاق من نومه، و ظنّ لِلَحظاتٍ أنّه يحلم لولا أنْ رأى الغرفة و قد أنارتها الشمس، ثمّ رمى بطرفه صوب رفاق الزنزانة فوجدهم يغطّون في نومٍ أشبه بالسّبات. نهض من فراشه و اقترب من طاقة السجن الوحيدة، فسمع صوت العصافير و أسراب اللقلق المهاجرة بحثًا عن وطن تضع فيه بيوضَها. عجيبٌ أمر اللقلق هذا: يولد في أوروبا، و لمّا يزورها البرد، يهاجر إلى إفريقيا، حيث يُمضي الشتاء الدافئ هناك، ثم يعود مع نسائم الربيع إلى حيث وُلِد؛ إلى الوطن، ليتكاثر و يموت هناك.
حتى اللقلق (البَجَع في بلاد الشام)، محفوظٌ له حقّ العودة إلى وطنه، و ما أكثر الجمعيات الأوروبية التي تدافع عن سلامة رحلة هذا الطائر، و حِفظِ حقّه بالعودة إلى وطنه. وحدَهُ الشّعب الفلسطيني لا حقّ له بالعودة ولا بالوطن، فلا جمعياتٍ تناضل لأجله ولا مَن يَحمِل همَّ قضيته. آهِ من أوروبا؛ لم يأتِنا منها إلا وعدُ بلفور و الاحتلال الإنكليزي الذي وَهب فلسطين إلى الصّهاينة. لو كُنّا طيورَ لقلق، لدافعوا عنّا و أعادونا إلى بيوتنا. نحن شعبٌ متروكٌ يواجه مصيرَه وحده، إذ وضعَنا إخوتنا في العروبة في عين العاصفة تمامًا مثل إخوة يوسف الذين رمَوا أخاهم في بئر كنعان، هنا في هذه الأرض أيضًا. وحدَها البندقية مَن يعيد الأرض إلى أهلها، وحدَها الأمل المتبقّي. و ها نحن اليوم في هذا السجن لِيقتلوا هذا الحلمَ فينا قبل أن يكبر و ينتقل إلى الأجيال الآتية. ولكنْ هيهات! هيهات يكونُ لهم ذلك؛ نموت ألف مرّةٍ و الحلم إرثٌ نتناقله. و الأمل.. سنحيا بالأمل، و الأمل اليوم، هنا في صحراء النقب، هو تلك البذرة النائمة في تراب فلسطين، تنتظر قيامتها.
تُرى لماذا تزيَّنت الدنيا اليوم؟ نورٌ و عصافيرُ و سُكونٌ رهيب. لماذا أيقظني ضوء الشمس و تسلّل من بين أصابعي؟

حَمَل محمّدٌ تساؤلاته. غسل وجهه فشعر بانتعاشٍ غريب يَسري في جسده. و على عادته كلّ صباح، أخرج الوعاء من مخبئه و راح يتفقده.
جعل يقرّب عينيه من التربة و يُبعدهما. رأى شيئًا غير اعتياديٍّ فكاد أن يصرخ، لولا أن حَسِبَه وهمًا و خاف أن يُصاب بخيبةِ أملٍ هو و رفاقه، ففضّل التأكّد ممّا رآه. جعل يده تتحسَّسُ سطحَ التراب، فكانت فيه نتأةٌ لم تكن في اليوم الذي سبقه. رفع الوعاء و قرّبه من ضوء النافذة ليرى بوضوحٍ أكثر. صمت قليلًا ثم صرخ: “الله أكبر، الله أكبر!”، فأفاق كلّ مَن في الغرفة و قفزوا مِن أسِرَّتِهم، ثمّ هرعوا إليه.
– ماذا هناك؟ لماذا تكبّر؟ هل سمعتَ بعملية تبادُلٍ تحرّرنا؟
– لا، لكنّي رأيتُ بشائر التحرير. انظُروا!
و أشار إلى الوعاء حيث الريحانة المولودة.
– انظروا إليها: ما أجملها تخرج من ظلمات البذرة، إلى ظلمات التربة، ثم إلى النور! تمامًا كما نحن: كنّا في ظلمات الاحتلال، ثم في ظُلمات السّجن، و غدًا نخرج إلى النور، مثل هذه الريحانة.
انظروا كم هي جميلةٌ و رقيقةٌ. ريحانتنا قامت من سُباتها، و معها نقوم لنقف في وجه هذا الموت الزاحف علينا من أربع جهات، و من فوقنا و من تحتنا. مع كلّ برعمٍ يتفتّح، سيكبر الأمل بتحريرنا، و مع عبق شذاها الأول، سنشمّ رائحة مناديل جدّاتنا و الخزانات العتيقة في البيوت الطينية. ستكون هذه الريحانة فلسطيننا التي سنُنشِئها داخل الزنزانة. تمامًا مثل جمهورية دلال المغربي في الحافلة عند طريق يافا. هي رفعت علم فلسطين، و نحن نرفع أوراق الريحانة..

تحلّق الرفاقُ حول محمّد، و راحوا يفتحون أعينهم علّهم يرَون ذاك المولود الجديد، و جعل كلّ واحدٍ منهم يصرخ “إي والله شفتها، ما أجملها!”. تمامًا مثل هلال شوّال مِن على مداخل القرى، كانت رؤية القمر تأتي بالعيد على الصّائمين، محمَّلةً بوعد الله لهم: “طوبى للصائمين، هداياكم اليوم مغفرةٌ و رحمةٌ و عتقٌ من النار”. كذلك رؤية الريحانة أتت بالعيد إلى الزنزانة محمّلةً بالحياة و الأمل و الرّجاء، و بوعد الله و المقاوَمة: “غدًا تتحرّرون و تخرجون من أسركم كما انعتقتْ هذه النبتة من بذرتها القاسية”. سيكون لكلٍّ منّا من اليوم تاريخَا ميلاد؛ الأوّلُ هو المُسجَّل في بطاقة الهويّة، و الثاني ميلادُنا جميعًا يوم ميلاد هذه الريحانة!

أعاد محمّد الوعاء إلى مخبئه، و بعنايةٍ أكبر هذه المرّة. كان يحمله كالأب الذي يحمل طفله المولود حديثًا، يقبّله ثم يضعه في سريره خوفًا عليه و حنانًا له.
نام الرفاق ليلتهم يحلمون بالحرّية. وحدَه محمّدٌ عَقد يديه تحت رأسه، و راح يتذكّر الريحانة. صار كلّ شيءٍ حوله جميلًا، حتى البطّانية التي طالما خدشتْ وجهه، صارت ناعمة الملمس كأوراق الحبق، و رائحتها العفِنة صارت شذا ريحانٍ طيّبًا. أمّا الزنزانة الضيّقة، فغَدت رَحبةً واسعةً. هكذا صارت الدنيا في عينيه؛ جميلةً طيّبًا ريحها. و عمّ الدنيا كلَّها ربيعٌ ما كان ليدخل السجن من قبل.
منعونا من فلسطيننا، فجئنا بها إلى هنا. فلسطين حبيبتي تنام بقربي اليومَ، أستطيع شمّ رائحتها. غدًا سأعرُج بالبُرَاق إلى غزّة فأسلّم على بحرها، و أرشّ قليلًا من عطر ريحانتي فوق مخيّمات اللاجئين ليشمّوا رائحة أحواض بيوتهم الأسيرة منذ العام 48، فيكونَ ذلك أول خطوات عودتهم. بعدئذٍ سأطير فوق يافا، يافانا لا تل أبيبهم؛ سأتنسّم زهرَ برتقالها، و بعدها سأقطف زيتون الخليل و أجلس قليلًا عند مقام إبراهيم أبي الانبياء، و في بيتَ لحم سأمكث قليلًا في مهد المسيح وأهزّ بجذع نخلةٍ هناك فيتساقط عَليّ رُطبًا جنيًّا فآكلَ و تقرّ عيني. و من فوق الجليل و الجولان سألقي التحايا على جنوب الأبطال في لبنان، هناك حيث البندقية التوأَم تسهر عند الحدود و تنتظر دخولَ المسجد. أمّا ختام جولتي ففي القدس زهرةِ المدائن، حيث ترحل العيون كلّ يوم لِتدُور في أروقة المَعابد، تعانق الكنائس القديمة و تمسح الحزنَ عن المساجد.
موطني، موطني.. السَّناء و البهاء في رُبَاك.. في رُبَاك..
سنرجع يومًا إلى حيّنا، و نغرق في دافئات المُنى..
سنرجع مهما يمرُّ الزّمان و تنأى المسافاتُ ما بيننا..

لم تبقَ أغنيةٌ عن فلسطين و العودةِ إلا و مرّتْ في خيال محمّدٍ تلك الليلة.
“موطني، موطني..”. أغمض عينيه ونام.
حبيبتي

كالعاشق الولهان يروح ويجيء تحت نافذة حبيبته، يختطف منها لمسةً أو يسمع كلمةً، أو يحظى بنظرةٍ تكفيه، وهو أقلّ العشق. كذا كان محمّدٌ مع ريحانته، فمتى خلا له الجوّ و اطمأنّ إلى ابتعاد عيون السجّانين، أخرج ريحانته مِن خِدرِها، ليجالسَها و يسامرَها. كان يحدّثها عن فلسطين، معشوقته الأولى و الأكبر، فلسطين جذوره و جذورها. فلسطين التراب و القمح و فلّاحون يزرعون درب العين وردًا و مووايلَ، و عند بيادرِ قراهم يدرسون سنابلَ الخير لتخرجَ منها الحبّة المبارَكة فتطحنها أيادي الجدّات السمراءُ بلون الأرض، ثم تأخذ طريقها إلى تنّور البيت الطينيّ، لتُغادرَه رغيفَ خبزٍ أوّله عرقٌ و أوسطه تعبٌ، و آخِره لقمةٌ حلالٌ لم يُخالِطْها دَنَسٌ.
حدّثها عن صندوق الذكريات في غرفة بيته في عرّابة في الضفّة؛ ذاك الصندوق فيه أغاني أمّه التي كانت تهدهد له لينامَ، و فيه عباءةُ جدّتِه المطرّزةُ باليد الفلسطينيةِ الأصيلة، و صوتُ “سِيده” (جدّه) يتنحنح عند عتبة الدار عائدًا من حقله، أنْ قد عُدتُ فحضّروا لنا الزادَ لنأكل. توفيَ جدّه و في يده مفتاح البيت العتيق، أعطاه له و أوصاه بأن لا يُضيّعه. مات و الحسرة على دار أبيه تملأ قلبه؛ وضع المفتاح في الصندوق، يفتح به دارهم العتيقة أو يورثه ابنه فلا يموت الحقّ و يبقى المفتاح شاهدًا. و في الصندوق الذي بقيَ من فلسطين أيضًا، رسائلُ الحبّ الأوّل: أوراقٌ عليها خربشاتٌ و قلوبٌ كتبها لزميلة الدراسة عندما كان في الإعدادية و هرّبها مِن درب معلّمته، لكنّ الاحتلال دمّر المَدرسة قبل أن تصل رسالتُه إلى حبيبته، و اليومَ لا يعرف أين هيَ، ربّما في الشتات كحال أكثر أهل فلسطين، و ربّما كبرت و تزوّجت و أنجبت بينما هو فرّ من درب السّنين، و ظلّ عُمرُه مثلَهُ أسيرَ الزنزانة فرَفض أن يَشيخ إلا في الحرّية. و في الصندوق عريشةٌ يتدلى منها فانوسٌ فوق مصطبةٍ كانت لسهرات الصيف، و قمرٌ يطلع من ناحية غَوْر الأردن، و نسائمُ عليلةٌ تهبّ مِن طبريّا.
كان محمّدٌ يحدّث ريحانته عن البندقية ثاني حبٍّ له: يوم ضاع حبّي الأول فلسطين، عشقتُ البندقيّة؛ فهي التي تعيد إليّ معشوقتي. و مع أنّي لا أحبّ إلا رائحة الياسمين و الرّيحان، صار البارودُ يُزكّي أنفي برائحته، و لن يَفكّ أسري و أسرَك و أسرَ فلسطين إلا البندقية. و بعد عودة فلسطين، سأرجع إلى أزهاري. هذا وعدٌ منّي.

هكذا في كلّ ليلةٍ، يسهر محمّد قرب ريحانته، فيسقيها، و يلامس أوراقها فيزيل ما علِقَ بها من غبار الأسر، و يَعُدّ أوراقها الجديدة. و لمّا بَلغتْ شهرَها الثالث، لمح فيها أزهارًا بيضاءَ صغيرة، ففرحَ قلبُه أيّما فرحٍ! لقد نضجتْ ريحانته و أوشكت أن تصير أمًّا؛ صار باستطاعته رؤية أحفاده.

النكبة

نيسانتي أنتِ، ربيع عمري الذي كاد أن يذوي، ريحانة قلبي أنتِ. هل تعلمين أنّهم استأصلوا قليلًا من رئتي بسبب المرض، فصرت أعاني من ضِيقٍ في النَّفَس، حتى رأيتكِ تطلّين من تحت التراب، فشعرتُ بالهواء العذب يملأ صدري و يشحن قلبي طاقةً لم أَخبرْها مِن قبل؟
جلس محمّد قرب نبتتِه الخضراء يُحدّثها.
اليوم تُنْهين شهرَك الثالث، و غدًا بداية أيّار. آه من أيّار و ما كان فيه! في ليلةٍ كلّها ليلٌ أتتِ الأيادي السّوداءُ المُجرِمة و خطفتْ منّا فلسطين، فأسماها العربُ نكبة أيّار. و الله يا ريحانتي، لقد كانت نكبةَ العرب و ليس فلسطين. تصوَّري أنّ شِرذِمةً من أربع أطراف العالم، لا يجمعُهم لغةٌ ولا وطنٌ و لا لونٌ ولا ثقافةٌ، وإنّما أكذوبةٌ تقول إنّ جميعهم من دينٍ واحدٍ يَعِدُهم بأرض فلسطينَ في التوراة، فلسطين التي لم يرَوها في حياتهم، و بعضُهم لم يسمع بها مِن قبلُ. بعضُهم أشقر وُلِد في أوكرانيا و روسيا و ألمانيا، و بعضهم أسمرُ ولد في المغرب و تونسَ، و بعضهم أسودُ ولد في إثيوبيا و إريتيريا. جاؤوا بهم من كلّ بقاع الدنيا، ليكونوا عُصارة الشرّ الذي اغتال عُصبةَ الخير و أخرَجَها من ديارها. تخيّلي يا ريحانتي، أنّ هؤلاء الملوّنين، أتَوا ليحلّوا مكانَ الفلسطينيّ الحِنْطيّ، الوحيدِ الذي يأخد لونه من الأرض.
و ما أحدّثكِ عن أيّار يا ريحانتي؟ يقول أميرُ الكلام عليّ بن أبي طالب في إحدى خطاباته لائمًا جندَه و مناصريه المتخاذلين: “العَجَب تفرّقكم عن حقّكم و اجتماعُ القوم على الباطل.” هكذا اجتمع الصهاينة على الباطل، أمّا العرب، فقد اشتغلوا ببعضهم، تناحروا و تصارعوا و تخاذلوا و خانوا، تحت و فوق الطاولة، حتى تمكّن العدوّ من اغتصاب فلسطين. و لمّا وقف شعبنا يدافع باللحم العاري و الحَجَر و بندقية الصّيد، جاؤوا بخديعة الهُدنة ليُعِدّوا جيشًا يعيد أهلَ الأرض التي ضاعت في الـ 48، فقام الصهاينة باحتلال ما بقيَ من التراب الفلسطينيّ، و صار اللاجئ لاجئًا مرّتين؛ فمنّا مَن هرب إلى لبنان، و منّا من هرب إلى سوريا و الأردن و العراق، و المَحظِيُّون فرُّوا إلى الكويت و دول الخليج.
أنا أهلي بَقُوا في الضفّة في عَرّابة قربَ جنين، اختاروا الاحتلال على الغربة القسريّة. يبقى العيش فوق تراب الوطن أهونَ من العيش في الشّتات، و إنْ كان تحت الاحتلال! هناك، كلّ شيءٍ يطاردك، و يقول لك: لاجئ لاجئ لاجئ. و النكبة عندما يطلبون منك جواز السفر؛ نحن الذين نملك بلدًا كان عقدة الوصل للسّفر بين أوروبا و الشرق، صرنا لا نملك جوازَ سفرٍ نطير به خارج الحدود. أمّا الأشقّاء، آهٍ منهم يا ريحانتي؛ فقد وضعونا في مخيّماتٍ و منعوا عنّا مدنهم و قراهم، و قالوا إن ذلك يساعد قضيتنا؛ ما أكذبهم! كم يتفطّر قلبي لرؤية المسنّين يموتون في مخيّمات اللجوء، فلا يجدون مدفنًا لهم، و أرضُهم في فلسطين أكَلَها العشبُ البرّيّ.

آه من أيار و نكبته! ليته لم يأتِ يا ريحانتي. أشعر لسيرته بانقباض القلب.
أرجَعَ محمّد ريحانته إلى مخبئها، ثمّ خرج إلى الفَورة يطلب شمس الربيع مع رفاقه.
راح يذرع الساحةَ ذهابًا و إيَابًا، بخُطىً صغيرةٍ متعجّلة، و كأنّه يسعى قلِقًا كما سعتْ هاجَرُ خائفةً لتروِيَ ظمأ ابنِها إسماعيل. كان قلبُه منقبضًا يترقّب خبرًا مفجعًا.
و كان كذلك: رأى مجموعةً من حَرَس السّجون الصهاينة، ينتشرون في الباحة و يتأهّبون لدخول الزنازين لتفتيشها. لم تكن تلك المرة الأولى التي يأتي فيها العسكر دون موعدٍ دوريٍّ؛ فقد أصبح التفتيش المفاجئ جزءًا من روتين السجن وَجَبَ التحضُّرُ له بإخفاء كلِّ ما يجب إخفاؤه بشكلٍ دائم لأنّ المداهمة قد تحصل في أيّ وقت. الأجهزة الخلوية هي أكثر ما يبحث عنه السجّانون؛ فهو صلة الوصل بالأهل، يأتي بالأخبار و المعنويّات، و يُطفئ لهيب الشّوق و يُبرّد نارَ القلب. لكنّ هذه المرّة بدتْ مختلفةً لناحية العدد و النوعية. أما عددُ الجنود فكبيرٌ، و نوعيّتهم مختلفةٌ. تشعر أنّهم أكثر تخصّصًا، لذلك خاف محمّد أيّما خوف.
و من مكانه في الفَورة سَمِعَ ضجيج جهاز “المخشير” (للتواصل بين السجّان و حَرَس الأبراج). و بوضوحٍ تامّ، استطاع تمييز ما يقوله أحد حرّاس الأبراج: هناك نبتةٌ في إحدى الزوايا، تدبّ فيها الحياة، و باتت تمدّ الأسرى بالأمل و الرّجاء. هذه النبتة الخضراءُ عدوٌّ لنا، وَجَبَ سَحقُه.
الأغلب أنّ هذا السجّان قد استرق السَّمعَ عندما كان الرفاق يتحدّثون عن الريحانة أثناء التجوال في الفَورة، و قد انتظر حتى تكبر و يتيقّن مِن أمرها قبل طلب العسكر لِقتْلها.
بعدئذٍ دخلَت القوّةُ الزّنزانة، فوقف كلُّ الأسرى و توقّف قلبُ محمّدٍ عن النّبض، و جفّ الدم في عروقه.
“أين الوردة؟”، صاح ضابط الأمن.
“لا ورورد هنا.” أنكَرَ الجميع.
– أين النبتة الخضراءُ التي تمِدّكم بأسباب السّعادة و الحياة؟
– لا نبات هنا.
ثبت محمّد و رفاقه على الإنكار.
– إذنْ، نفتّش..
كانت الريحانة تَسمع من مخبئها، و تصلّي كي لا يصلوا إليها، مثلَ طفلةٍ ظنّت أنها ناجيةٌ من مذبحة دير ياسين باختبائها تحت السرير. شاهدتْ أهلَها يُذبحون مثل الأضاحي، قبل أن يجدها السفّاحون و تلحق بهم. أو كعجوزٍ في مخيّم شاتيلا، كانت مقعدةً، فلم يستطع أهلُها حملها عندما بدأ إطلاق النار، فبقيتْ في سريرها تحمل سُبْحةً، و تسمع الموتَ و هو يقترب؛ أصوات طلقات النار يتلوها صرخةٌ صغيرةٌ، تلك كانت جارتَها المحظوظة حيث ماتت بالبندقية. أما هيَ، فقد دخلوا عليها، أهانوها و ضربوها، و لم تشفع لها سِنِيُّ عُمرِها و لا مَرضُها، ثم تقدّم منها أشقى رفاقِه و أراها الموتَ الأبيض بخنجره، و كان ما كان…
كان الجندُ يبعثرون محتوياتِ الغرفةِ، و محمّد و الرّيحانة يصلّيان بقلوبٍ تأكلها النار.
ليتني زرعتُ وردةً غيرَ الريحانة؛ سيكشفها عطرُها. ليتني لم أزرعها و ليتها لم تنمُ، و ليتني لم أتعلّقْ بها.
و بعد ساعةٍ من الزمن مرّت كقرنٍ على الأسرى، كان أحدُ الجنود يحمل الوعاءَ الذي فيه الريحانة، و يضعه على الأرض بفخرِ مَن أنجَزَ مِن المَهَامّ أقدَسَها، أمام ضابط الأمن.
صارَت الريحانة الصغيرةُ بمستوى حذاء الضابط الأسود الكبير. وكان الأسرى واقفين كُلٌّ بإزاء سريره: بعضُهم كتّف يديه، و الآخَرُ عقدَهما خلف ظهره، و لكنّ رؤوسهم كانت منكّسةً و أبصارهم مسمّرةً على الوعاء و النبتة.
كمَن لا حول له ولا قوّة، راح محمّدٌ يَرمُقُ ريحانتَه بنظرةِ الأب العاجز يخاطب ابنته البريئة المُوقَفةَ على خشبة المشنقة:
بنيّتي، فلذة كبدي، يعزُّ على أبيك أن لا يُغنِيَ عنكِ شيئًا. أنتِ ترَيْنَ العسكر يُحيط بي. كنتُ لِأَفديَك برُوحي لو أنّها تفكّ أسرَكِ أو تُجنّبُكِ شُربَ كأس الموت الواقف أمامك. لكنّي أعلم أنّ القوم يريدونكِ أنتِ لا غيركِ، فحسبيَ الله، حسبي الله، و المُلتقى في الجَنّة، بين يدَي الرّحمن الذي لا يَضيع عنده حقٌّ فيَجزيكِ جميلَ الجَزاء و يُبْدِل عُمرَكِ الذي قضى عليه المُجرِمون، عُمرًا أبديًّا هانئًا، و يُعوّض عليَّ جميلَ ما صبرتُه على فراقِك، أجرَ الصّابرين المحتسِبين.

“هذه هي إذنْ، النبتةُ التي تمدّكم بكلّ هذه الرُّوح و الأمل و السعادة. هذه الريحانة الحقيرة الإرهابية، تأتيكم بالقوّة و الحياة! أنا هنا لأدمّر حياتكم، و لو قدِّرَ لي لَقَطعتُ عنكم الهواء و الضوء. الآن ترَون ما أنا فاعلٌ بريحانتكم”. خرَقَ صوتُ ضابط الأمن خيالَ محمّد، و أرجعَه إلى الغرفة.

و بإشارةٍ مِن عينِ الضّابط إيّاه، اندفع سجّانٌ هرِمٌ ذو جسمٍ ممتلئٍ، و رَكل الوعاءَ بقدمِه، فاصطدم بالباب الحديديّ و تكسّرتْ أجزاؤه و تناثر التراب في الغرفة.
سَدّ محمّدٌ أذنيه، و أشاح بنظره بعيدًا عن المشهد، و حَبَس دمعَ عينيه كي لا يراه المجرمون فيفرحوا و يشمتوا.
أكمل الجنديُّ البدينُ مهمّته القذِرة، و راح يركل ما تبقّى من الوعاء و التراب بقدمه، حتى أجهز على الريحانة و سَحَقها تحت حذائه الضّخم. أنهى مهمّته و نظر إلى الضّابط كأنه يقول: اشهدوا لي عند الأمير؛ لقد كنتُ أجرأ النّاس على قتل الأبرياء.
نظر الضّابط إلى محمّد و ابتسم ابتسامةَ المنتصِر السّاخر، و قال له: كما اقتلعناكم من بيوتكم اقتلعتُ لك ريحانتك. هذه الأرضُ لم تعُدْ لكم؛ عليكم التوقّف عن الحلم و العيش في الأوهام.
قال كلامه و حدّقَ في عينَيْ محمّدٍ الذي بادله التركيزَ في العينين، فدار بين النظرات حوارٌ صامتٌ انتهى بانكسار الضابط و خروجه مغاضِبًا بعد أن فهمَ رسالة عينَيْ محمّد المَلأيَيْنِ بالتّحدّي و الغضب، و المتوعّدتيْن بانتقامٍ آتٍ. لكنّ أكثر ما هزم الضابط بريقُ الأمل الذي رآه فيهما؛ هو جاء ليقتله، بَيد أنّه ظلّ حيًّا. لقد فشِلت المهمّة!

قيامة

سمِعَ محمّدٌ صوت آخِر الأبواب و هو يُغلق بالجنازير و الأقفال. كان ذلك أذانًا بأنّ السجّانين قد غادروا، و أنّ الغارة التي استهدفت الريحانة قد انتهتْ، تاركةً إيّاها شهيدةً في أرض الغرفة.
لم ينبسْ أيٌّ من الأسرى ببنت شَفة؛ كان المُصاب أكبر من أن يحتملوه، و كأنّ المحتلّ كسب المباراة النهائيّة، فأوى كلٌّ منهم إلى فراشه، تاركين محمّدًا المفجوع يودّع ما بقي من ريحانته. كانت تلك علامة احترامٍ للخصوصيّة التي بينهما.
جلسَ محمّد إلى الأرض، و أسند ظهرَه إلى الحائط، ثم مدّ يده نحو أوراق الريحانة المسحوقة. كانت مبعثرةً كفلسطينيّي الشتات. هكذا نحن، و هكذا شعبُنا، و كذا ريحانتي: شتاتٌ بشتات.
حاول رفعَ ورقةٍ التصقتْ بالأرض بعد أن سَحَقها حذاءُ المجرم، فتلوّنت أصابعُه باللون الأخضر. كان ذلك دمَ الرّيحانة، فقرّبه من أنفه و شمّه، ثم قبّله و بكى.
أغمض محمّد عينيه و أرخاهما بالدُّموع، و يدُه على أنفه. ذكّرَتْه ريحانتُه الشهيدة بأمّه التي غادرَت الدنيا دون أن تراه. تلك كانت غصةَ عمره، و ستبقى كذلك. يوم أخبره السجّانون بخبر وفاتها، لم يبكِ لأنّهم كانوا يضحكون، لكنه بلّل وسادته عندما نام الجميع تلك الليلة.
وجهُ أمّه و عطرُ الريحانة، لا فرقَ بينهما؛ فهُما شهيدا الإجرام.

مدّ يدهُ ثانيةً نحو جذر الريحانة، فرآه ما زال يعانق التراب. التراب الذي جمعه من كلّ أنحاء فلسطين. تقول هذه الريحانة إنّ التراب واحدٌ، من البحر إلى النهر، و مِن رفح إلى الجليل، و هو الأرض التي ينبت فيها الفلسطينيّ متى وُلد، و فيها يَرقد متى مات.
وضع محمّدٌ آخِرَ ورقةٍ وجدَها قرب الباب أمام عينيه، فرأى فيها زهرةً بيضاءَ صغيرةً. قرّبها مِن وجهه أكثر، فلمح فيها شيئًا أسودَ لمسه بيدهِ فوجده قاسيًا، فنهضَ دفعةً واحدةً من مكانه مُسرِعًا و وقف تحت المصباح الكهربائيّ، ثم صاح: بذرة، بذرة! الله أكبر، الله أكبر!
قفز كلُّ المَساجين من سُباتهم و التفّوا حوله كما فعلوا يوم نبَتَتِ الرّيحانة، فأمسك محمّد البذرة و قال ضاحكًا:
– القيامة القيامة، بعد الصَّلب، قامت الريحانة، حقًّا قامت!
رَوْحٌ و رَيْحانٌ، قالها الله تعالى في كتابه المجيد، حيث قرَنَ الرَّوْحَ بالرّيحان.
أيا بذرة الأمل: غدًا يعود شتاءُ الخير فنزرعك في أرضٍ نعيد جمعَها من اليوم، و غدًا تُزهِرين في الرّبيع و تنتجين البذرة الجديدةَ فنزرعها آخِرَ المَطاف في أرض فلسطين، أو نورثها مَن يزرعها.
هيهات، هيهات أن يَهزمونا و أنتِ معنا! أيا بذرةَ الخير. رَوحٌ و ريحانٌ، رَوحٌ و ريحان..
و شَمسَ اليوم التالي، كان في الفَورةِ أسرى يضحكون و يُمازحون بعضَهم بعضًا. وعند برج المراقبة سَجّانٌ كئيبٌ، ينظرُ إليهم ويقول: مِن أين يأتون بالحياة؟ ألم نقتلها يومَ أمس؟
-النهاية-

شكر خاص من الاسير محمد عدنان مرداوي *
لكل من ساعد على خروج هذا العمل من ظلام السجن إلى الحياة….
الأديبة نهلة سوسو من سوريا الحبيبة….
والأخ الغالي محمد حسين لمع الذي كان له الفضل بصياغة اغتيال ريحانة وتنقيحها لينتشر شذاها خارج اسوار السجن رغما عن الاحتلال….
والمناضلة عاشقة فلسطين الحبيبة سيلفيا أديب عمون بنت جنوب لبنان الغالي….
 جميع الحقوق محفوظة

‎2021-‎07-‎14