سعدي يوسف قامة شعرية و وطنية شيوعية!
محمد جواد فارس.
كنت وطنيا وعندما أصبحت شيوعيا أصبحت أكثر وطنيتا
يوسف سلمان يوسف
(فهد )
عندما يجري الحديث عن الشعر الحديث في العراق يجب ان نذكر من هم واضعي البنات الأولى لهذ النوع من الصياغة الشعرية والتي نشطت في القرن العشرين في أوساط الشعراء الشباب ، نذكر الشاعر بدر شاكر السياب و نازك الملائكة و عبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة و سعدي يوسف .

سعدي يوسف ولد في البصرة الفيحاء ثغر العراق الباسم و ميناءه الرئيسي ، ولد سعدي عام 1934 في مدينة أبي الخصيب ، درس في مدارسها وبعدها انتقل الى بغداد ليكمل دراسته فيها ، تخرج من دار المعلمين العالي ببغداد عام 1954ومن ثم عمل في التدريس و الصحافة ، وكتب القصيدة الشعرية الملتزمة في النهج الذي سار به وهو الفكر الوطني المعادي للاستعمار البريطاني و انظم الى الحزب الشيوعي العراقي بقناعة انه السبيل الوحيد لإقامة الاشتراكية العلمية و تخليص الشعب العراقي من الجهل و المرض و الفقر المدقع لدى السواد الأعظم من المواطنين العراقيين . سعدي لم يدخر وسعا في العمل الثقافي حيث شارك في الكتابة في الصحافة العراقية ، وبعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 عندما صدرت مجلة المثقف كتب فيها سعدي يوسف و كان احد أبرز كتابها أضافة الى الروائي غائب طعمة فرمان و الشاعر عبد الوهاب البياتي وعلي الشوك و مظفر النواب واخرين من الشعراء والادباء ،و بعد عودة صدور عودة الثقافة الجديدة ( فكر علمي وثقافة تقدمية ) بعد أغلقت في الخمسينيات من القرن الماضي بعد صدور عد دين منها ، وكان رئيس التحرير صلاح خالص وتناوب على رئاسة التحرير من الشيوعيين و الماركسيين ومن ضمنهم سعدي يوسف . ناضل سعدي يوسف في صفوف الحزب الشيوعي العراقي وكانت معاناته لم تقل عن معاناة رفاقه من التعذيب والسجون والمعتقلات ، تغنى سعدي يوسف بالعراق الوطن الام كما تغنى به الشعراء من أمثال بدر شاكر السياب و الرصافي ولميعة عباس عمارة و عبد الرزاق عبد الواجد و الجواهري و حميد سعيد و الزهاوي ومظفر النواب و محمد صالح بحر العلوم ويوسف الصايغ و شيركو بيكه سي واخرين ، وفنانين منهم جواد سليم وفائق حسن ونوري الراوي ومحمود صبري ، قدموا للوطن في فنهم الكثير ، لم يكن سعدي شاعرا فقط وانما كان يترجم لكتاب عالميين مثل غارسيا لوركا و كفافي و يانيس ريتوس ترجم من اللغة الإنكليزية إلى العربية كما ترجم نحو 12 رواية لكبار الروائيين الأجانب مثل النجيري وولي سوينكا و الإنكليزي جورج اويل و الياباني كينز ايورو اأوي رافدا المكتبة العربية بالادب العالمي : حاز على جوائز كثيرة منها ، الجائزة الإيطالية العالمية وجائزة كافافيمن الجمعية الهيلينية و جائزة فيرويتا الإيطالية لأفضل مؤلف أجنبي عام 2005 ، وجائزة المتيروبولس في مونتريال كندا 2008 ، وحصل على جائزة نجيب محفوظ ، وكتب سعدي 40 مجلدا من الشعر ، تنقل سعدي بين مدن كثيرة -بلغراد ونيقوسيا باريس و بيروت وعدن والجزائر ودمشق و الرباط وأخيرا أستقر في لندن ، قال سعدي يوسف في لقاء صحفي والله أنا بلدي محتل وانا ناقم على الاحتلال لا احد ينقم على بلده ، وإن كنت أسعى إلى شيء فإلى تحرير بلدي ، وعلاقتي مع المثقفين العراقيين جيدة ، يبعثون الي بكتبهم وابعث لهم رأي ، لكن موقفي السياسي واضح وثابت لأي انسان بسيط . هكذا كان موقفه من الاحتلال الغاشم للوطن ولم يلتحق بجوقة الخونة في تشكيلة مجلس الحكم والدستور والمحاصصة الطائفية المقيتة .
ومن شعره في الحنين إلى الوطن :
قلت الطريق طويل
وأخرجت من كيس الخيش خبزا وقطعة جبن
و إذا لمى أراك
تقاسمني الخبز و الجبن !
كيف أنتهيت إلي ؟
وكيف أنقضضت علي كما يفعل الصقر
سعدي صنع الحرف و الكلمة لينطق بها في قصيدة معبرة ودالة ، وسعدي كما عرفته في مواقفه الشجاعة عام 1982 في حصار بيروت عندما جاء لتويعنا نحن الفصيل المشارك في التصدي للاحتلال التابع للحزب الشيوعي العراقي وكانت معه المناضلة الفنانة المصرية نادية لطفي ، والتقيته في 1997 في جنازة الشاعر محمد مهدي الجواهري في مقبرة السيدة زينب وتحدثنا عن حيدر وقال لي انه في الفلبين و عندما كان يستقبل المعزين وصله خبر وفاة الدكتور حيدر ، والمرة الأخيرة التقينا في لندن بدعوة من المناضل عبد الله الركابي كان سعدي وزوجته وانا وزوجتي والمناضل الشيوعي عدنان عباس وكان هذا اللقاء الحميمي قبل جائحة كرونا . تبادلنا همومنا المشتركة بما حصل ويحصل لبلدنا العزيز بلد الحضارات ، وفي احدى مقالاته لجريدة الاهرام المصرية كتب : لو كنت في العراق لا ا حرقوني مع كنبي لا أتصور أني سأمشي في شوارع البصرة مرة أخرى ، فرنسا تريد احتلال الجزائر عن طريق الاسلامين .
وهذه اخر قصيدة للشيوعي الأخير سعدي يوسف
يردد حفيدي شهاب مقولته كل مساء
حين تهدا غرفته ويكف ضجيج الممرات
ما من بيت بنيناه يدوم والفراشة ما ان تخرج
من شرنقتها حتى تموت
بعد أيام يوارى الثرى
لندن اقرب لي من بيوت الطين في حمدان
معلقة على سعف النخيل
ما زالت عذوقها محملة بالرطب
وما زال الفتى سعدي يقطع شوارعها
المغبر في عز الظهيرة
ما ذا تريد أيها الأخضر و قد ذويت
الجزائر بحر لا تسعه السماوات
والبصرة سماء اطبقت على اليم
لن ترتوي بعد هذا النأي بماء شط العرب
في اول الليل زارني امرؤ القيس
وخلفه كان ريتوس يقرأ معلقته
قفا نبكي ….
لماذا البكاء يا صاحبي ؟
الفجر منطلق القصيدة
والذكريات الجميلة
امرها اجمل من ساعة منفى
و انا مثلكم
تائه ربما ، لكني اذكر علامات الطريق
قد نلتقي مرتين
مرة في القصيدة وأخرى عند مصب النهر
هل أدرك السياب قنطرة على نهر بويب
ام ظل في منتصف الطريق
يصحح آخر بيت من قصيدته
انت الغريب على الخليج يوما
وانا الغريب سنوات عمرك كلها يا بدر
هل نلتقي تحت السدر ام تحت النخيل ؟
قريبا سينبلج الفجر
وترحل روحي في هدوء
هل تسقط الراية الحمراء
ام تبقى يدي معلقة بها
وترحل في سماء الفجر
آه يا لوني المفضل
بغداد تمر بخاطري
حمراء هذا الفجر
مثل اليمامة
مذعورة ، تحيط صغارها
يكفي
فقد تعبت من لون الوسادة والشراشف
خلف الستائر ينتظر الأحد
هيا … هيا الى مرعى السماء
لندن 3-6- 2021
وفي الثالث عشر من حزيران 2021 توفي شاعرنا الكبير في حبه للوطن الام و المبادئ مجدا وخلودا لسعدي يوسف
‎2021-‎06-‎29