ربع قرن على مجزرة قانا الاولى وعقد ونصف على مجزرة قانا الثانية،!* اعيد نشر مقالي هذا للتذكير والذكرى..
قانا وقانا … وما بعد قانا..
كاظم الموسوي.
السبت5/8/2006
لم يتعظ الكثيرون من القادة العرب والأجانب من كل صنف وحدب، من دروس قانا الأولي، ولاسيما من معرفة طبيعة الكيان الصهيوني المنتهكة لأية قوانين دولية أو أعراف أو اتفاقيات أو مقرات ومنظمات إنسانية ودولية، وأريد التحدث هنا فقط عن هذه الكارثة المروعة إنسانيا وقانونيا ودوليا، ولا أتحدث عن الجرائم الاخري التي هي أساس قيام واستمرار هذه القاعدة الاستراتيجية الإمبريالية في قلب العالم العربي. وللأسف الذي لم يعد مؤثرا قوله في مثل هذه الحالات، لم تقف الأمم المتحدة، كما هو وضع أعضائها ومجالسها الاخري، موقفا حازما من الجريمة المروعة التي أصابتها هي ومصداقيتها في الجوهر، ومن خلالها الأبرياء اللبنانيين الذين صدقوها واحتموا بمقرها وعلمها الازرق، رغم أن امينها العام حينها دفع ثمنا من جراء ما كان يتوجب عليه القيام به والاستمرار بفضح خلفياته ونشر وثائقه ومراسلاته للحقيقة والتاريخ ولمن لم يسمع بها بعد من الذين رشحوه لهذا المنصب، وبالتأكيد بعد مرور عقد من الزمان عليها، ومرور هذا الزمن كفيل بوضع الكثير من علامات الاستفهام عن إمكانيات الاستفادة من الدروس والعبر والأسباب التي أجلت أخذها بالاعتبار ودعمها بشكل قانوني وإنساني وغياب عزيمة صادقة لتحقيق التوازن الدولي علي إدانة العدوان وتحميل المسئولية الإنسانية والقانونية إلي مرتكبي الجريمة وإحالتهم إلي محاكم دولية ووضع العدالة الإنسانية والدولية موضع التنفيذ وقدوة تمنع التكرار وإعادة إنتاج المأساة، وعدم التفرج عليها وعليهم والسماح دوليا لتمرير منحهم جوائز عالمية للسلام وغيرها من المكافئات المدروسة باعتناء واهتمام صهيوني وحسابات متفق عليها أو مسكوت عنها. ويصبح صارخا وواضحا السؤال، لماذا حصلت مرة أخري؟، وهل سيتعظ منها بعد تلك التجربة والخبرات التي تولدت منها كما هو مفروض؟. وماذا تعني بيانات الأمم المتحدة بشأنها الآن؟ وهل حقا أصابتها الصدمة منها أم من تكرارها بالوحشية نفسها وبالأساليب الإجرامية ذاتها وتحت بصرها ومشاركتها؟ وهل يعني بعد ذلك ما تقوم به أم ستبقي هذه المأساة وصمة عار عليها وعلي ميثاقها ومجلس أمنها؟. وكالعادة تحول التخاذل الرسمي العربي خصوصا إلي رافعة وعامل مشجع لاستمرار المجازر، وتراجع المساندة وتقاسم الاتهامات. وهنا أريد التأكيد علي النظام الرسمي العربي الذي يستمر في مواقفه المخجلة والمعبرة عن تواطئه الصارخ مع أعدائه أساسا، ولو _ وليس لهذا الحرف محل من الأعراب هنا _ أدرك ما يبيّت له، لما وقف هذه المواقف ولما تحول إلي ناطق رسمي باسمهم قبل أن يدافع عن نفسه ومكانته ومستقبله الذي لم يعد بعد مستترا وخافيا، وكأن درس العراق اصبح بعيدا عنه وان ما يقدمه بسخاء ودون حساب وحكمة سيعفيه من ذلك المصير. فالمشاريع الصهيو أمريكية قادمة ومستعجلة وصريحة ولا تخجل من التصريح بها أدوات العدوان حتي في العواصم العربية قبل عواصمها المعروفة. وهنا يتساءل أي إنسان: لماذا هذا التخاذل والتحايل والتغابي والمشاركة في مثل هكذا جرائم ومجازر، لا تحتاج بعد الثورة التكنولوجية والفضائية والرقمية إلي ما يوصلها له ويشرحها إلي مداركه؟. وإذا كان الأمر غير ذلك فما هو السر الكامن وراء قانا الأولي وقانا الثانية وما بعد قانا؟ واذا لم يتعظ من الدروس والعبر ومن الأيام وما تحمله من مفاجآت فمتي تصير الأمور عقلانية ومحسوبة باتزان وعقل ومصالح وطنية أو قومية، حتي ولو بالألفاظ التي باتت غير مفهومة.
بعد مجزرة قانا الثانية، وهي واحدة من عشرات المجازر المصاحبة لها والمتوالية معها وقبلها وبعدها، الآن بلبنان وغدا بمن سيأتي دوره بعد لبنان، لا يمكن ولا يجوز الصمت ولم يعد ممكنا، لان الخطر ليس علي النظام وحده الآن، بل أن شراره وصل إلي الآمنين والمحميين بكل الاتفاقيات والقوانين، ولم ينفع التغاضي واختفاء النعامة بالكلام المعسول والشعارات البراقة والتراجعات التكتيكية التي تتصور أنها زوبعة وتمر أو كما سميت ببيانات وتصريحات علنية أنها مغامرة غير محسوبة وانتهت أبعادها. إن قانا عنوان كبير لما يأتي وما يحمله أعداء الأمة العربية من مشاريع ومخططات جديدة لإعادة رسم خارطة المنطقة وتشكيل نظام يتفق مع الهيمنة الإمبراطورية الصهيو أمريكية، وما قانا إلا إشارة واحدة أو مؤشر بارز منها، وما حدث بفلسطين والعراق عربيا إلا بدايات أولي لما هو مطلوب ومرسوم ومن لا يقرا ذلك اليوم سيندم عليه غدا، ولا مناص من اخذ العبرة عاجلا وبمسئولية عالية وعدم الانتظار إلي ضحي الغد. فكل يوم يمر هو خسارة كبيرة إنسانية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتي زمنية لتاريخ يكتب ولحسابات لا ترحم ولا تنتظر قرارات أخري.
بالعودة إلي مجزرة قانا وما حصل معها من تحركات، وترددت من أصداء هنا وهناك، يمكن القول أنها حركت بحيرة الانتظار والصمت المريب ومنحت العمل السياسي محركا جديدا يدخل من خرم إبرته إلي العلن والكشف عن أبعاد الجريمة والمأساة كلها، ويحشد لها محليا وعربيا ودوليا، وتتحول قانا من موقع جغرافي ومؤشر سياسي إلي منطلق لوضع حد للصلف الإمبريالي والعدوان المستمر بالآلة العسكرية الوحشية الصهيو أمريكية والتغاضي الأوربي والمصاحب لها وبالأطماع الاستعمارية المعلومة منه، ورد الاعتبار لدماء الشهداء ومعرفة حقائق ما حصل بقانا رمزا وبقانا إطارا واسعا لجمع اكبر قدرات عربية لصد العدوان وإدانته مباشرة وبالأسماء والعناوين له، وعدم الاكتفاء بالتراضي الموقت والاعتماد علي حل جزئي يحول القضية برمتها إلي مدخل للمخططات العدوانية الأكبر منها من زاوية أخري، والسماح لها بالهروب من الباب لتعود من الشباك العريض، وتمكين العدو تحت مسميات أو عناوين أخري، باسم قوات أطلسية أو اتفاقيات استسلام معروفة ووعود استعمارية مغطاة بورق سلوفان بريطاني وعطور فرنسي وشرائط إيطالية وغيرها من الدول المتشابهة والمتفقة معها وبأموال عربية مرصودة سلفا.
ما بعد قانا يتطلب من الجميع إدانة العدوان الصهيو أمريكي، والإقرار بفشله وخيبة أمل مؤيديه علنا أو سرا، والاعتراف الصريح بحق الشعوب بالمقاومة وعدالة قضاياها ومصالحها وكرامة الدماء الزكية التي عبدت دروب الانتصار وأضاءت فجر الحرية والديمقراطية والسلام حقا وفعلا، ليس بلبنان وحده، وإنما في كل ارض مظلومة وعند كل شعب لم يبت علي ضيم وليست من ديدنه الذلة، بل العزة والكرامة والشهامة والصدق في الأقوال والأفعال، والأيام حبلي، فليست مأساة قانا وأخواتها إلا الدرس والإنذار التي يجب ألا تتكرر بعد الآن، وتتحول إلي نصب تاريخي يذكر الأجيال بها ويدفع إلي الاعتبار منها، ترفع دوما لها القبعات احتراما ووقارا.
2021-04-18