في محاكمة قانون إطالة اللسان القروسطيّ!
سعود قبيلات.
ربَّما تكون الشَّابَّة آثار الدَّبَّاس (35 سنة) أوَّل امرأة تُحكَم بالسِّجن بموجب قانون «إطالة اللسان» سيِّئ الصِّيت.
هذا الحُكُم لا يُعيب هذه الشَّابة، بل إنَّه يجعلها تستحقّ الإعجاب والاحترام والتَّقدير في نظر غالبيّة النَّاس؛ لأنَّها اضطرّت أن تدفع هذا الثَّمن الباهظ مقابل قولها إنَّ أباها، في نظرها، أحسن من الدّنيا كلّها.
هل كان يجب أن تقول غير ذلك، كي لا تُحاكم؟!
أمَّا المعيب حقّاً (وجدّاً) فهو هذا القانون الَّذي ينتمي إلى العصور الوسطى.. أي إلى الزَّمن الَّذي كان فيه الحاكم يتصرَّف بوصفه ظلّ الله على الأرض، ما يجعل «إطالة اللسان» عليه نوعاً من الكُفر يستحقّ العقاب!
هذه القضيَّة أعادت هذا القانون المتخلِّف إلى الواجهة بقوّة وبأسوأ صوره، وسلَّطت الضَّوء عليه. ونسأل هنا: إذا كانت «آثار» أوَّل امرأة أردنيّة تُحكَم بموجب قانون «إطالة اللسان»، فكم عدد الأردنيين عموماً الَّذين لحق بهم الأذى بسببه؟ لا أعني هنا الَّذين حُكِموا به فقط؛ بل ذويهم أيضاً وأُسرهم وكلّ مَنْ له علاقة وثيقة بهم.
من المفيد أن يقوم أحدٌ بإعداد إحصائيَّة موثَّقة عن الآثار السَّلبيّة لتطبيق هذا القانون، بما يشمل مجموع السِّنين الَّتي أُهدِرَتْ مِنْ أعمار الأردنيين في السّجون بسببه، والخسائر المادِّيَّة والمعنويَّة الَّتي ترتَّبتْ على ذلك.. خصوصاً أنَّ القوم يحتفلون هذه الأيَّام بـ«مئويَّة الدَّولة» و«الإنجازات» الَّتي حقَّقوها خلال المئة سنة الماضية!
عندما كنتُ سجيناً في سجن المحطَّة، أذكرُ أنَّه جيء بمحامٍ شابٍّ إلى السِّجن، وقُدِّمَ للمحكمة العسكريّة، وحكم عليه بالسَّجن لمدَّة سنة، بموجب قانون «إطالة اللسان» هذا نفسه، على كلامٍ قاله في سهرةٍ خاصَّة مع عددٍ محدودٍ من معارفه وأصدقائه!
في مفاهيم العصر الحديث وقيمه ومبادئه، كلّ صاحب مسؤوليَّة يجب أن يكون خاضعاً للنَّقد والمساءلة. هذا واجب على الحاكم وحقّ للمواطن؛ فكيف إذا كان الأمر يتعلَّق بحقّ المواطن في أن يقول إنَّه يفضِّل أباه على الحاكم وعلى الدّنيا كلّها! هنا، يصبح الأمر كاريكاتيريّاً تماماً.
المرأة الَّتي اشتكت على الشَّابة آثار الدَّبَّاس وتسبَّبت بالحكم عليها بالسّجن لمدّة سنة، تبلغ من العمر خمسين عاماً ووُصِفَتْ بأنَّها «إعلاميّة وسفيرة سلام»! لن نذكر اسمها، كي لا يُقال إنَّنا نشهِّر بها. ولكن، كيف لشخصٍ يوصف بأنَّه إعلامي أن يقبل بأن يكون سبباً لملاحقة النَّاس ومعاقبتهم بالسِّجن على كلمة قالوها؟! والأعجب أنَّ هذا الشَّخص يوصف بأنَّه «سفير للسَّلام» أيضاً؟!
لا بدّ من التَّوقّف وقفةً جادَّة وحازمة عند هذا القانون السَّيِّئ المسيء وغيره من القوانين المماثلة، والخلاص منه ومنها، كي ندخل عتبة العصر ولا نظلّ واقفين أمامها كما كان حالنا طوال المئة سنة الماضية الَّتي بها يحتفلون.
2021-04-15