!تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (32)
د. عمر ظاهر.
الزمن اللازم لتطور الأنواع الجديدة من أنواع قديمة: داروين لم يكن معنيا بالحقيقة، بل بصحة النظرية بأي ثمن.
يظهر جليا من مراجعة كتابه عن أصل الأنواع أن داروين يتهرب على الدوام من الإجابة عن السؤال بخصوص الوقت اللازم للتطور. والتهرب لا علاقة له بمدى الإمكانية الواقعية لمعرفة ذلك الزمن، بل له علاقة بحساب احتمالات العثور في طبقات الأرض على الحلقات الوسطى بين الأنواع الجديدة وبين الأنواع القديمة التي يرى داروين أن الجديدة انحدرت منها عبر تلك الحلقات. قال في البداية:
ومجرد مرور الوقت وحده لا يؤدي إلى شيء من أجل أو ضد الانتقاء الطبيعي. وأنا أعلن ذلك لأنه قد تم التأكيد بطريق الخطأ على أن عامل الوقت قد تم اعتباره بواسطتي على أساس أنه يلعب دورا له كل الأهمية في تعديل الأنواع، كما لو كانت جميع الأشكال الموجودة من الحياة من الضروري أن يحدث فيها تغيير من خلال قانون فطري. ومرور الوقت شيء مهم بالطبع، وأهميته فيما يتعلق بهذا الموضوع كبيرة، وذلك لأنه يعطي فرصة أفضل للتمايزات المفيدة لكي تنشأ ولكي يتم انتقاؤها، وتكديسها وتثبيتها. وهذا العامل يميل بالمثل إلى زيادة التأثير المباشر المادية للظروف للحياة، فيما يتعلق بالتركيب الخاص بكل كائن حي. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 192). (الأخطاء في نهاية الاقتباس من أصل الترجمة)
ماذا قال داروين في الكلام المقتبس؟ قال أولا أن مرور الوقت وحده لا يؤدي إلى أي شيء لصالح عمل الانتقاء الطبيعي أو ضده. ماذا يعني مرور الوقت وحده؟ من قال له مثل هذا الهُراء؟ إن منتقدي داروين لم يكونوا أغبياء حتى يقول الواحد منهم “إن مرور الوقت بحد ذاته يكفي لحصول شيء، أو يؤدي إلى شيء لصالح الانتقاء الطبيعي أو ضده”. لا أحد يقول إن مرور الزمن وحده يغير كل شيء، لكن من المعلوم أن مرور الزمن ملازم لأية عملية مادية، سواء أكانت حيوية أو غير حيوية. وحسب المذهب المادي الذي ينتمي إليه داروين، فإن الزمن هو مقياس حركة المادة. وفقط في الفراغ الخالي من المادة لا يعني مرور الزمن شيئا لأنه لن يكون هناك، أصلا، زمن بدون حركة مادية. لكن بمجرد وجود المادة فإن مرور الزمن يعني شيئا حتى لو تحدثنا عن صخور جرداء لا حياة فيها، فهي داخليا في حركة دائبة، وما حولها في حركة متواصلة أيضا، لذلك فهي تتآكل مع الزمن وتتحول.
إن الانتقاء الطبيعي يجب أن يُفهم على أنه تعبير عن عمليات (process) حياتية، لا بد أن تأخذ زمنا، قصر أم طال. والعمليات الحياتية هي بطبيعتها مبرمجة، وترتبط بزمن محدد لكل خطوة في البرنامج؛ وبالتالي لا بد أن يكون هناك زمن محدد لإنجاز البرنامج. عندما يزرع الفلاح بذرة نبتة معينة، فإنه يعرف متى ستعطي النبتة ثمرا، دون أن يشغل باله بالتمايزات أو التغيرات، وعددها، وسرعتها أو بطئها. وهناك زمن معلوم بين تلقيح أنثى حيوان وتكوّن جنين في بطنها وبين ولادة الكائن الجديد – فبين التلقيح والولادة تجري سلسلة من العمليات المبرمجة في زمن معلوم. وقد عرف الإنسان من قديم الزمان، ودون أن تكون لديه فكرة عن طبيعة العمليات المبرمجة، أن هذا الزمن يختلف من حيوان إلى آخر، لكنه ثابت لكل حيوان ضمن حدود معروفة، ففترة الحمل بالنسبة للإنسان هي تسعة أشهر مع احتمال أسبوعين، زيادةً أو نقصانا. السؤال حول العمليات الحياتية ليس عن أهمية الزمن فيها، إذ هو عامل أساسي ملازم لهذه العمليات، ولا بد منه؛ السؤال هو عن طول هذا الزمن اللازم لحدوث تلك العمليات في الطبيعة وإتمامها. الناس لا تسأل: هل مرور الوقت ضروري أم لا لظهور التمايز؟ بل تسأل: كم من الوقت يستغرق ظهور التمايز الواحد؟ وكم تمايز يلزم لإظهار ضرب جديد من نوع؟ وكم تمايز يلزم لنشوء نوع جديد من نوع قديم؟ وفي المحصلة ما هو الأفق الزمني للتطور عبر عمل الانتقاء الطبيعي؟ وهذا السؤال ليس فقط عن تحول الحيوان الرباعي الأرجل الآكل للحشرات إلى خفاش، بل أيضا عن التحولات التي حصلت من زمن الأصل الأبوي القديم له، والشبيه بالسمك، وما قبله حتى أول نوع.
إن البشر عامة، وليس العلماء وحدهم، يعرفون الأفق الزمني للعمليات الحياتية التي تخص النباتات والحيوانات بالخبرة المتراكمة، حتى فيما يتعلق بالزمن اللازم لاندمال جرح. عندما تكون هناك حالة جديدة وغير معروفة بالخبرة الإنسانية، ننتظر أن يتدخل العلماء المختصون، فيعطونا تقديرات، إما عن طريق البحث التجريبي، أو بحسابات منطقية مقنعة. العلماء يقدرون، مثلا، عمر الكون بـ 13.6 مليار سنة. قد لا يكون هذا الرقم دقيقا، لكن العلماء لم يخرجوه لنا بضرب الودع، بل بحسابات معقدة في دراسة تكون الغازات، ومختلف العناصر الكيمياوية التي تتألف منها المجرات وما تحوي من نجوم، وحسابات عن طريق أجهزة تحليل مختلفة، وبرامج كومبيوترية متطورة لتأثيرات مختلف القوانين الفيزيائية.
وعندما لا تكون هناك وسيلة لمعرفة شيء، مثلا الزمن اللازم لإتمام عملية حياتية، أو غيرها، فإن العلماء يقولون بأمانة: “لا نعرف الآن”. وهم لا يتحايلون، أو يختلقون بيانات خرقاء لإيجاد جواب من كل بد، وكأن منزلة العلم والعالِم ستنهار لعدم امتلاكهما جوابا فوريا عن كل سؤال. وماذا فعل داروين؟
داروين ليس معنيا بالحقيقة، بل بصحة النظرية بأي ثمن، وهو ما دأب على إثباتها بالتخيل، والتخمين، والاحتمالات، وعلى ما بدا له، وأيضا بإلقاء مسؤوية أي استنتاج مهم على عاتق أبحاث يقوم بها الآخرون.
ونحن ما نزال نناقش كلامه المقتبس في أعلاه.
ينفي داروين أن يكون قد أكد أن عامل الوقت يلعب دورا له كل الأهمية في تعديل الأنواع. ما معنى “كل الأهمية”؟ هذه مراوغة سخيفة، فلا أحد يدعي أن داروين يدعي أن النوع المعين يتحول إلى نوع جديد، أولا وأخيرا، بفضل مرور الوقت. الكل يعرف أن داروين لا يقول ذلك، بل يقول إن التحول من نوع قديم إلى نوع جديد يحصل عبر تكدس تعديلات أو تمايزات طفيفة، وعديدة، وبطيئة في كيان الكائن الحي. هذه الوحدات الثلاث تشكل، في الحقيقة، أحد طرفي معادلة رائعة يمكنها، إن هي كانت تحمل أية قيم كمية أو رقمية، أن تعطينا في الطرف الثاني رقما معقولا عن الزمن الذي يستغرقه التحول من نوع إلى آخر.
هل يعطي داروين قيمة كمية أو رقمية لكلمة “طفيفة”؟ لا. وهل يعطي قيمة عددية لعبارة “عديدة”؟ لا. وهل يبين مدى بطء التعديل؟ لا.
عندما تكون عناصر طرف من معادلة مجرد وحدات افتراضية بلا قيم كمية أو رقمية (وهنا فحتى العدد الذي هو تعبير رقمي نراه مجهولا)، فإن المعادلة لا تدخل ضمن علم الرياضيات، بل تدخل كعبارات جوفاء في نطاق الفلسفة. لا يمكن تقدير الزمن اللازم لتحول نوع من الكائنات الحية إلى نوع آخر باستخدام ثلاثة مجاهيل في طرف واحد من معادلة.
في الحقيقة يُعذر داروين، وغيره، إن هو لم يجد جوابا عن الزمن الذي يستغرقه تحول نوع ما من الكائنات الحية إلى نوع آخر، وذلك لسبب في غاية البساطة، وهو أنه لا سبيل إلى معرفة القيمة الكمية أو الرقمية لأي من الوحدات الثلاث في الطرف الأول من هذه المعادلة بدون أبحاث تجريبية. البشرية كلها ليس لديها خبرة متراكمة عن الزمن الذي يستغرقه هكذا تحول؛ إنها لم تشهد ولا حالة واحدة منه. كذلك لا يمكن التوصل إلى جواب بمجرد افتراض وحدات أو عناصر مجهولة القيم في الطرف الأول من المعادلة، حتى لو بدا الافتراض منطقيا. المسألة الأساسية هنا هي مسألة الأمانة العلمية، والاعتراف بالحقيقة، بأن ذلك غير ممكن، خاصة عندما يدور الحديث عن عمليات حياتية افتراضية يتخيل داروين أنها حدثت، وتكررت قبل ملايين، أو عشرات الملايين، أو حتى مئات الملايين من السنين.
ثم يقر داروين بأن مرور الوقت شيء مهم. لكنه يرى هذه الأهمية في أن مرور الوقت يعطي فرصة أفضل للتمايزات المفيدة لكي تنشأ ولكي يتم انتقاؤها، وتكديسها وتثبيتها. داروين متحدث بليد لا يعي معنى ما يقوله. ماذا تعني عبارة “يعطي فرصة أفضل”؟ هل تعني أن هذه التمايزات المفيدة لها فرصة لتنشأ ويتم انتقاؤها، وتكديسها وتثبيتها بمرور الوقت وبدون مروره، لكن مروره يعطيها فرصة أفضل؟
تعابير داروين مراوغة، وغبية، وتنتهي بأنه لا يجيب حتى عن السؤال بخصوص الزمن الذي تحتاجه كل عملية تحول، سواء إلى ضرب، أو إلى نوع جديد. داروين لم يكن ينظر إلى جانب الأمانة العلمية، فقد كان همه أن يظهر النظرية متماسكةً، وصحيحة، حتى لو تطلب ذلك منه، كما يقول المثل، أن يبري قدميه كي تناسبا الحذاء، أي يطوّع البيانات كي تناسب النظرية. لذلك يبقى مصرا على إظهار البعد الزمني للتطور، ويبقى أيضا محافظا على الحذر الشديد كلما تعلق الأمر بتقدير ذلك البعد. إنه يؤكد مرارا، وعند الحاجة، على أهمية مرور زمن طويل كي يحدث شيء ما. خذ مثلا:
وأخيرا، فأنا أعتقد أن الكثير من الأشكال المتدنية في التعضية موجودة حاليا في جميع أنحاء العالم، نتيجة لأسباب مختلفة، ففي بعض الحالات، من المحتمل أنه لم يحدث أية تمايزات أو اختلافات فردية ذات طبيعة ملائمة، لكي يقوم الانتقاء الطبيعي بالتأثير عليها وتكديسها. ومن المحتمل أنه لا توجد حالة واحدة كان الزمن فيها كافيا للوصول إلى أقصى كمية ممكنة من التطور. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 219)
الاقتباس أعلاه هو في سياق وجود كائنات بدائية في وقتنا هذا، والسؤال هو: لماذا لم تتطور تلك الكائنات مثل غيرها؟ داروين لا يجد حرجا في الانحراف عن قاعدته حول ظهور التمايزات نتيجة الصراع على البقاء، ويقول إن هناك احتمال لعدم ظهور تمايزات لكي يقوم الانتقاء الطبيعي بالتأثير عليها وتكديسها.
بالنسبة لجميع الناس تقترب صحة النظرية من الإثبات بقدر انطباقها بشكل منهجي على حالات أكثر وأكثر، هذا إذا لم نقل على كل الحالات. أما بالنسبة إلى داروين، فالنظرية تثبت حتى إذا أورد هو نفسه بيانات تناقض مبادئها ومنطقها. إن التطور في نظرية داروين يبدأ بالصراع على البقاء. وهذا يولد تمايزات طفيفة، وعديدة، وبطيئة يقوم الانتقاء الطبيعي بالحفاظ على المفيدة منها، وتكديسها حتى حصول معجزة التغير إلى ضرب جديد، ثم نوع جديد. لكن فجأة يقول داروين ” ففي بعض الحالات، من المحتمل أنه لم يحدث أية تمايزات أو اختلافات فردية ذات طبيعة ملائمة، لكي يقوم الانتقاء الطبيعي بالتأثير عليها وتكديسها”. كيف؟ ألم تكن تلك الكائنات الحية تعيش صراعا من أجل البقاء؟ إذا كان الأمر كذلك، فالتمايزات يمكن أن تظهر أو لا تظهر، سواء كان هناك صراع أم لم يكن.
وماذا يعني قوله “ومن المحتمل أنه لا توجد حالة واحدة كان الزمن فيها كافيا للوصول إلى أقصى كمية ممكنة من التطور”؟ للتأكد من أن غموض هذا الكلام لا علاقة له بالترجمة، انظر في النص الأصلي:
In no case, probably, has time sufficed for the utmost possible amount of development [Paragraph 1000].
هل يعني أنه لم يكن هناك وقت كاف لتحقيق أقصى قدر من التطور؟ إن كان هذا هو المقصود، فداروين يناقض نفسه بنفي أن يكون عامل الوقت يلعب دورا له كل الأهمية في تعديل الأنواع.
ثم يعترف بأهمية استمرار نفس الظروف لفترة طويلة من أجل أن ينتج الانتقاء الطبيعي تأثيرا ملموسا:
وأخيرا فإن الانتقاء الطبيعي هو عملية بطيئة، ونفس الظروف الملائمة يجب أن تستمر لفترة طويلة، من أجل أن ينتج من جراء ذلك أي تأثير ملحوظ. وإذا لم نحدد مثل هذه الأسباب العامة والغامضة، فإننا لا يمكن أن نفسر لماذا لم تمتلك الحافريات ذوات الأربع المنتشرة في ربوع كثيرة من الأرض، أعناقا غاية في الاستطالة أو أيا من الوسائل الأخرى للرعي على الأغصان العالية للأشجار. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 356)
وهو يشك في حدوث التغيرات المفاجئة، فكما قلنا لا يمكن أن يتفاجأ حيوان رباعي بأنه أصبح خفاشا، أي لا بد من المرور من القديم إلى الحديث عبر حلقات وسطى:
وأسبابي الخاصة بالشك فيما لو كانت الأنواع الطبيعية قد تغيرت بهذه الصورة المفاجئة كما يحدث أحيانا لبعض الأعراق المدجنة، وفي عدم التصديق التام في أنها قد تغيرت بالأسلوب العجيب الذي يشير إليه السيد ميفارت، هي كالتالي: بناء على خبرتنا، فإن التمايزات الفجائية وذات العلامات القوية في منتجاتنا المدجنة، تحدث بصورة فردية وعلى مسافات زمنية طويلة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 389)
لكن داروين لا يشير في الاقتباس أعلاه، إلى الخفاش، بل إنه يحاول نفي الظهور المفاجئ للحيوانات في العصر الكمبري، الذي يعتبر ضربة ماحقة لنظرية داروين في الانتقاء الطبيعي.
والاقتباس الآتي يستحق الانتباه لأنه، كما سنرى بعد قليل، يوضح مأزق داروين في مسألة الزمن اللازم لظهور الضروب والأنواع الجديدة. الأمر يتعلق بالبقايا الأحفورية:
بشكل مستقل عن عدم عثورنا على بقايا أحفورية لمثل هذا العدد اللانهائي من الحلقات الرابطة، فإنه قد يثور اعتراض أن الزمن لا يمكن أن يكون كافيا لحدوث مثل هذه الكمية الهائلة من التغيير العضوي، فإن جميع التغييرات قد تم إحداثها بشكل بسيط. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 497)
لكن داروين يحتاج فجأة إلى إبراز أهمية مرور زمن خرافي لحصول بعض التطورات .. غير الحياتية:
وبهذا الشكل فإن الكوم الشامخ من الصخور الرسوبية الموجودة في بريطانيا لا يعطي إلا فكرة غير وافية عن الزمن الذي قد مر في أثناء تكديسه. والتفكير في هذه الحقائق العديدة المختلفة يترك تأثيرا على العقل مماثلا بنفس الطريقة تقريبا، لما تفعله المحاولة غير المجدية للتشبث بالفكرة الخاصة بالأبدية والخلود. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 502)
ويقول إن الزمن اللازم لحصول بعض التطورات يمكن أن يكون خرافيا حتى أننا نخطأ في تصور هذا الطول عندما نعبر عنه بعدد السنوات:
وبالرغم من ذلك، فإن هذا الانطباع خاطئ في جزء منه. فقد علق السيد كرول في بحث مثير، على أننا لا نخطئ في تكوين تصور كبير جدا فيما يتعلق بالطول الخاص بالفترات الزمنية الجيولوجية، ولكننا نخطئ في تقديرها بالسنوات. وعندما ينظر علماء الجيولوجيا إلى مسألة كبيرة ومعقدة، ثم بعد ذلك إلى الأرقام الممثلة بعدة ملايين من السنوات، فإن الاثنين يحدثان تأثيرا مختلفا تماما على العقل، ويتم الإعلان على الفور بأن الأرقام صغيرة إلى حد بعيد. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 502)
والآن، ما علاقة الحديث عن الزمن اللازم للتحول من نوع إلى آخر بالزمن اللازم لحدوث التغيرات الجيولوجية؟ هذا نفهمه بالتأمل طويلا، أولا في بداية الاقتباس الآتي، ثم في نهايته:
بالرغم من أن كل تكوين كان يمثل مرور سنوات طويلة جدا، فإنه من المحتمل أن كل تكوين منها كان قصيرا بالمقارنة بالمدة اللازمة لتغيير واحد من الأنواع إلى نوع آخر. وأنا على علم بأن اثنين من الخبراء في علم الإحاثة اللذين تستحق آراؤهما الكثير من الاحترام، هما برون Bronn وودورد Woodward، قد توصلا إلى استنتاج أن متوسط الفترة الزمنية الخاصة بكل تكوين أطول مرتين أو ثلاث مرات من متوسط الفترة الزمنية الخاصة بالأشكال الحية النوعية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 513)
إنه يتعلق بالعثور على البقايا الأحفورية. في البداية يقول داروين عن التكوينات الجيولوجية أنه “بالرغم من أن كل تكوين كان يمثل مرور سنوات طويلة جدا، فإنه من المحتمل أن كل تكوين منها كان قصيرا بالمقارنة بالمدة اللازمة لتغيير واحد من الأنواع إلى نوع آخر”، أي إن تغيير نوع إلى آخر يأخذ زمنا أطول بكثير من طول الزمن الذي يصعب علينا تصوره بخصوص التكوينات الجيولوجية. أما في النهاية، فيقول مستندا إلى رأي خبيرين “أن متوسط الفترة الزمنية الخاصة بكل تكوين أطول مرتين أو ثلاث مرات من متوسط الفترة الزمنية الخاصة بالأشكال الحية النوعية”، أي إن تغيير نوع إلى آخر يأخذ زمنا أقصر كثيرا من الزمن اللازم للتكوين الجيولوجي.
أي التقديرين سنعتمد عليه؟ يجيب داروين مستطردا:
ولكن كما يبدو لي، فإن هناك بعض الصعوبات التي لا تقهر تمنعنا من الوصول إلى أي قرار صحيح يتعلق بهذه الموضوع. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 513)
وهذا يُفهم منه أن داروين يقول أن من الأفضل أن يُترك هذا الأمر دون حسم نهائي. لكنه، وحرصا على صحة النظرية، يضيف بربط الموضوع مع عقدته مع العصر الكمبري:
وبالتالي، فإنه إذا كانت النظرية صحيحة، فإن الشيء الذي لا يقبل الجدل أنه قد مرت فترات زمنية طويلة قبل أن يتم ترسيب الطبقة الكمبرية السفلى، وقد كانت على نفس القدر من الطول، ومن المحتمل أنها كانت أطول بكثير من الفترة الزمنية الفاصلة بين العصر الكمبري إلى العصر الحاضر، وأنه في هذه الفترات الشاسعة فإن العالم كان يعج بالكائنات الحية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 530/531)
داروين لن يهدأ له بال حتى يجد طول الزمن الذي استغرقته عمليات التحول من نوع قديم إلى ضروب، ومن ثم إلى أنواع جديدة منذ انبثاق فجر الكون، حتى لو تطلب ذلك دمج المجاهيل الثلاثة في المعادلة المذكورة أعلاه في كل واحد تساوي على الطرف الآخر من المعادلة قيمة متخيلة تتكون بدورها من عوامل افتراضية.
يتبع ..
2021-03-28