تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (26)!
د. عمر ظاهر.
هل ظهر العقم عن طريق الانتقاء الطبيعي؟ داروين في ورطة، سواء أجاب بـ “نعم” أو بـ “لا”.
إن أجاب داروين عن هذا السؤال بـ “نعم”، فهذا يعني أن العقم لم يكن موجودا منذ بدء الخليقة، أو منذ بداية نشوء الأنواع – حسب تعبير داروين، وأنه ظهر بفعل الانتقاء الطبيعي الذي حافظ على تمايزات (اختزالات) أو تعديلات طفيفة، وعديدة، وبطيئة طرأت على الكائنات الحية نتيجة الصراع على الغذاء، فأصيبت تدريجيا بالعقم، لأن الانتقاء الطبيعي وجد أن العقم مفيد للأنواع. أي، إن العقم ظهر، وتطور وفق نفس مسار التراكيب العضوية، والغرائز – كما ادعى داروين في الباب الثامن. وهذا يعني، بعبارة أخرى، أنه كانت هناك في حياة الكائنات الحية على الأرض، قبل ظهور العقم، مرحلة – لا أحد يعرف طولها، كانت فيها أنواع الكائنات تتهاجن بحرية تامة، فلم يكن هناك ما يعيق التزاوج والإنجاب بين أي نوعين منها. في هذه الحالة لا يبقى معنى لتصور نشوء الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي، فقد كان التهاجن الحر هو الذي يولد باستمرار أنواعا جديدة – أو أن غياب العقم كان، على الأقل، عاملا أساسيا من عوامل ظهور الأنواع الجديدة وبسرعة لا يُقارن بها عمل الانتقاء الطبيعي البطيء جدا، كما يصوره لنا داروين. لنتصور أن أي حيوانين مختلفين، أي لا ينتسبان إلى نفس النوع، يتهاجنان. ماذا يحصل؟ بعد وقت قصير، ربما أسابيع أو أشهر (أي جيل واحد)، يولد حيوان جديد يحمل مزيجا من صفات أبويه وخصائصهما، وربما خصائص جديدة لنوع جديد. إن التهاجن الحر يُنتج مع كل تزاوج بين مئات، أو آلاف الأنواع، أنواعا جديدة بسرعة قياسية. ويمكن أن نتخيل (اقتداء بداروين) أن بعض الأفراد من مختلف الأنواع، ذكورا وإناثا، لم تكن تكتفي بالتهاجن مع نوع واحد مختلف، بل تتهاجن كل يوم، أو كل أسبوع، أو كل شهر مع نوع جديد في محيطها. بينما الانتقاء الطبيعي يكون في تلك الأثناء، افتراضيا، منهمكا بالمحافظة على كل تمايز أو تعديل طفيف يظهر على كائن حي، وعليه انتظار ظهور تمايزات طفيفة وعديدة وبطيئة أخرى حتى ينتج ضربا من نوع. ثم يمر بنفس العملية الطويلة حتى يجعل الضرب يختلف أكثر، وأكثر، وأكثر ويصبح ذات يوم نوعا جديدا. كم من مئات آلاف السنين، أو ملايينها، كانت ستمر قبل أن يُنتج الانتقاء الطبيعي نوعا جديدا من نوع قديم؟ التهاجن الحر كان لينتج سلاسل من ملايين الأنواع الجديدة قبل أن يفلح الانتقاء الطبيعي في إنتاج نوع واحد جديد من نوع قديم. بل، إن الانتقاء الطبيعي لم يكن يتسنى له من الوقت ما يكفي للحفاظ على تمايز مفيد واحد في كائن حي معين قبل أن يكون ذلك الكائن قد ولّد، عن طريق التهاجن الحر، أنواعا لا حصر لها. ناهيك عن أن الهجائن نفسها كانت على مر الزمن تتهاجن فيما بينها، فتنتج أنواعا عجيبة وغريبة.
لذلك فإن الإجابة بـ “نعم” ستكون ضربة قاصمة إلى التصورات عن ظهور الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي.
أما إذا أجاب داروين عن السؤال بـ “لا”، فإن الناس ستسأله لماذا يناقش هذا الموضوع، إذن، في نطاق نظرية التطور عن طريق الانتقاء الطبيعي؟ إن الانتقاء الطبيعي الذي قاتل داروين لإثبات تأثيره على التطور العضوي – ولم يفلح في ذلك، انكشفت تناقضاته، وانفضح عجزه في موضوع الغرائز. وإذا تبين هنا أنه لا علاقة له بالعقم أيضا، فإنه يكون قد سقط من زمن بعيد كنظرية لتفسير التطور في الطبيعة. إذ كيف سيثبت داروين أن هذا الانتقاء المهزوز أصلا، والذي اهتزت مصداقيته أكثر في مجال الغرائز، والذي يتكشف الآن أنه لا تأثير له على العقم والخصب أيضا، يمكن أن يكون له تأثير على جوانب أخرى من الحياة أكثر تعقيدا، مثلا الوعي، والفكر، والحس والشعور؟
طبعا، نحن نناقش أفكار داروين وحججه في إطار نظريته العقيمة. ولكن لا ينبغي لنا أن نتردد في طرح سؤال واقعي فيما يتعلق بالعقم بين الأنواع في الطبيعة، وفي ظل التدجين أيضا، وهو: هل هناك، أصلا، نزعة عامة أو ميل شائع بين الأنواع المختلفة للتهاجن أو التزاوج المتبادل أو غير المتبادل فيما بينها – حتى بين تلك القريبة من بعضا البعض في الميزان الطبيعي؟ هل هناك بيانات عن تهاجن بين الكلاب والقطط، أو الأسود والغزلان، أو الثعالب والأرانب؟ أو الفيلة والحمير الوحشية؟ هل يعرف داروين حالة غير الحمار/الفرس – الحصان/الأتان؟ هل حاول داروين دراسة تزاوج جمل مع بقرة؟ لا. داروين لم يقم بأي بحث في هذا المجال، ويعترف بشحة الأبحاث عن الحيوانات حتى في ظل التدجين. ويستورد أفكاره عن تهاجن الحيوانات والعقم بينها من أبحاث العالمين الجليلين كولرويتر Kolreuter وجارتنر Gartner في مجال النباتات. وداروين انتقدهما، بكل وقاحة، لأن أبحاثهما لا تجري تحت ظروف طبيعية.
ما لم يقدّم لنا داروين أو غيره بيانات من أبحاث تجريبية موثقة، فإنه من نافل الكلام الادعاء بأن تهاجن دب مع قردة /أو قرد مع أنثى دب يُنتج، أو لا يُنتج، ذرية. إن الإنسان العادي، أي الذي لم يتلوث فكره بهلوسات داروين، يعرف بداهة أن الأسد يتزاوج مع لبؤة، فتنتج ذرية. وقد يكون أحدهما، أو كلاهما، يعاني من مشكلة، فلا ينجبان. ونفس القانون يسري على الذئاب، والخراف، والأرانب، والزراف، والكنغر. كل صنف من الحيوانات يتزاوج/تتزاوج مع شريكة/شريك من نفس الصنف. ومناقشة موضوع العقم والخصوبة تقع قطعا ضمن اختصاص علم التشريح وعلم الوراثة؛ داروين كان جاهلا حتى بأبحاث غريغور مندل العلمية الرصينة، مع أن مندل كان معاصرا له. إنه لم يكن أصلا مؤهلا لإعطاء رأي في هذا الموضوع.
وداروين كان جاهلا بمناهج البحث التجريبي، وإلا لما سمح لنفسه بإطلاق أحكام في هذا الموضوع أبدا. ما لم يثبت العلم (وهو قادر على ذلك اليوم) أسبابا واضحة وقطعية للعقم بين الأنواع، تنطبق بشكل شمولي، فإن الحديث في هذا العقم يكون فوق مستوى العلم الذي يستعرضه داروين. لم يكن داروين قادرا على التوصل إلى نتيجة حتى لو اتبع وسائل التجريب، ذلك لأنه لو أخذ الثدييات كمثال، فإن البحث التجريبي كان يتطلب منه زمنا غير محدود للتوصل إلى نتائج شاملة، فهو يتطلب إجراء تجارب تزاوج بين كل حيوان من الثدييات وكل الثدييات الأخرى، القريبة منه على الأقل – في الطبيعة، وليس في ظل ظروف التدجين. وإلا من أين كان ليعرف إن كان التزاوج بين أرنب وقطة يؤدي، افتراضا، إلى إنتاج ذرية، بينما التزاوج بين أرنب وسنجاب لا يؤدي إلى ذلك؟
داروين أطلق أحكاما فجة بهذا الخصوص. قال:
والأنواع النقية تكون أعضاؤها التكاثرية بالطبع في حالة مثالية، إلا أنها عندما تتهاجن بشكل متبادل فإنها تنتج إما القليل من الذرية أو لا ذرية على الإطلاق . (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 444)
لم يقل من أين عرف ذلك. ولم يذكر أي التهاجنات تُنتج القليل من الذرية، وأيها لا تنتج ذرية على الإطلاق. إنه يعمم قانونا على ملايين الأنواع من الكائنات الحية في الطبيعة على أساس معرفته بمثال واحد، الحمار/الفرس أو الحصان/الأتان. لكن الحق يقال: ألا يقول الرجل شيئا يشبه الحقيقة، إما ذرية قليلة أو لا ذرية؟ هل هناك احتمال ثالث؟ وهل يحتاج هذا الاستنتاج إلى أبحاث علمية لإثباته أو دحضه؟
لهذا يجوز لنا، بكل بساطة، أن نفترض أن غرض داروين من مناقشة هذا الموضوع العقيم ليس موضوعيا، بل هو لمجرد حشر اسم الانتقاء الطبيعي فيه. وإذا هو فشل في ذلك، يكون، على الأقل، قد ترك في لاوعي القارئ انطباعا بأن الانتقاء الطبيعي قد مرّ من هنا أيضا.
داروين حافظ حتى الآن على موقف مؤقت بأن الانتقاء الطبيعي لا علاقة له بموضوع العقم، لكنه يخشى أن يقول ذلك صراحة، فيقوله كناية. إنه يستعيض عن ذكر عبارة الانتقاء الطبيعي مباشرة بذكر طريقة عمل هذا الانتقاء “الحفاظ على درجات متتالية مفيدة من العقم”! نتذكر قوله:
وهذا الموضوع مهم لنا بطرق عديدة، وبالأخص لأن العقم الخاص بالأنواع عندما تتهاجن لأول مرة، والعقم الخاص بالأنغال من ذريتها، لا يمكن أن يكون قد تم اكتسابهما، كما سوف أبين، عن طريق الحفاظ على درجات متتالية مفيدة من العقم. فإن هذا العقم ما هو إلا نتيجة عابرة لاختلافات تحدث في الأجهزة التكاثرية الخاصة بالأنواع الأبوية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 444)
إذن، فالانتقاء الطبيعي الذي يحشر أنفه في كل صغيرة وكبيرة في الطبيعة، بما في ذلك تدبير اقتصاد الطبيعة، لا علاقة له بموضوع العقم، فالعقم، كما يقول داروين، مجرد نتيجة عابرة لاختلافات في الأجهزة التوالدية. كيف يقال نتيجة عابرة عن واحدة من الظواهر الخلقية التي يشترك فيها عالم النبات وعالم الحيوان؟
القوانين التي تتحكم في العقم الخاص بالفئتين الهجائن الأولى والأنغال
يعود داروين إلى تناول القوانين التي تتحكم في العقم في فئتي الهجائن الأولى والأنغال (ويقصد على ما يبدو نفس الحالتين الأولى والثانية اللتين تحدث عنهما سابقا). وهو ما يزال يلمّح إلى براءة الانتقاء الطبيعي من حصول الظاهرة، في نفس الوقت الذي ما يزال فيه معترضا على أن هناك غاية في الطبيعة من منع تهاجن الأنواع وامتزاجها مع بعضها بشكل فوضوي. وآراء داروين وأحكامه ما تزال محكومة بقلة معرفته عن الظاهرة بين الحيوانات. لذلك فإنه يبقى مستندا على أبحاث جارتنر في مجال النباتات، ويسعى إلى معرفة ما إذا كانت استنتاجات جارتنر، والتي انتقدها، كما أسلفنا، لأنها تجري في ظروف غير طبيعية، تنطبق على الحيوانات أيضا. ويعبر داروين عن دهشته لمدى عمومية تطبيق نفس القواعد على كلتا المملكتين! كيف اكتشف ذلك؟
هذه إشكالية منهجية خطيرة لا يستطيع داروين إخفاءها: من جهة يقر بقلة الأبحاث في مجال العقم بين الحيوانات – والمقصود قلتها في مجال التدجين، ناهيك عن الطبيعة. ومن جهة أخرى ينتقد نتائج أبحاث علماء نباتات يصفهم بأرقى الأوصاف العلمية لأن أبحاثهم تجري في ظروف التدجين، وتفتقر إلى شروط الظروف الطبيعية. ومن جهة ثالثة، يسمح لنفسه باستيراد تلك النتائج من الأبحاث النباتية في ظل التدجين، والزعم بأنها تنطبق على الحيوانات في الطبيعة. هل هناك أحد، غير داروين، يسمح لنفسه بالتورط في هكذا “تخبيصة”؟
داروين يستغبي القارئ، ويسخر من العلماء لأنه كان يعرف أن هناك آذانا تصغي إلى هذيانه، ولا تبالي بأبحاثهم التجريبية. إنه يفصّل، كعادته، في الحديث عن النباتات، لكنه عند التعرض إلى عالم الحيوان يشير إلى قلة المعلومات، ويذكر الأمور بشكل مقتضب. مثلا، ينتقل، بعد أكثر من ثلاث صفحات من التفصيل في أبحاث جارتنر في النباتات، إلى عالم الحيوان، فيقول:
وعند استخدام مصطلح التهجين التبادلي بين اثنين من الأنواع، فأنا أعني على سبيل المثال، الحالة الخاصة بأنثى حمار التي يتم تلقيحها لأول مرة بواسطة حصان ذكر، وبعد ذلك فرس بواسطة حمار ذكر، فإن هذين النوعين من الممكن أن يقال إنهما قد تهاجنا بشكل تبادلي. وفي كثير من الأحيان فإنه من الممكن أن يكون هناك أوسع اختلاف ممكن في مدى السهولة التي تتم بها التهاجنات التبادلية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص458)
مرة أخرى نسجل أن داروين لا يعرف في موضوع العقم في مجال الحيوانات غير حالة واحدة، ومن مجال التدجين، وهي حالة الحمار مع الفرس أو الحصان مع الأتان، وذريتهما، البغل. لا يمكن لباحث جاد اتخاذ هذا المثال لوحده أساسا لنظرية في التطور الذي يمس موضوع العقم. نحن ننتظر أن يُطلعنا داروين على أمثلة أخرى بين الحيوانات. النظرية لا يمكن تحميلها على حمار وحصان.
كان حريا بداروين، إن هو كان عالما، أن يقصر دراسته على هذه الحالة، فيخرج إلى اسطبل ويجري تجارب لسنة، ويكتب عن تهاجن الحمار/الفرس، والحصان/الأتان، وماذا ينتج عندما يغير مواصفات الحيوانين المتهاجنين كل مرة، مثل اللون، الضخامة، وماذا يحدث عند تهاجن حمار مع فرس قوية، ومع فرس سريعة، إلخ. وذلك بدلا من التطفل على أبحاث كولرويتر وجارتنر والموقر و. هيربرت، وتعميم ما يقولانه عن النباتات على الحيوانات في الطبيعة كلها. من يدري ماذا كان سيحدث لو أقام داروين في اسطبل لمدة سنة.
لكن داروين يتشبث بهذا المثال، ويريد أن يفصّل في تبيان أهمية هذه الحالات التبادلية. يقول:
وذلك لأنها تثبت أن القدرة الموجودة في أي نوعين لكي يحدث تهاجن بينها هي في كثير من الأحيان مستقلة تماما عن صلاتهما التصنيفية، وهذا يعني عن أي اختلاف في تركيبهما أو في بنيتهما، فيما عدا الموجود في أجهزتهما التوالدية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 458)
ها قد وجدنا أخيرا ما كنا نفتقده في كتاب داروين، التعريف الخاص به للنوع (ليس النوع عبارة اعتباطية من أجل راحة البال)، بل إنه يقول إن القدرة على التهاجن بين نوعين مستقلة عن الصلات التصنيفية المتعلقة بالاختلاف في تركيبهما أو بنيتهما؛ المهم هو الاختلاف الموجود في أجهزتهما التوالدية. كلام خطير. ولكن حبذا لو أعطانا داروين مثالا على ذلك من عالم الحيوان، غير الحمار والفرس. إنه يعطي أمثلة من أبحاث كولرويتر عن النباتات.
هنا يثير داروين، من حيث لا يشعر، مسألة جانبية في هذا السياق، غير أنها في غاية الأهمية في السياق العام لنظريته؛ إنه بهذا الحديث – عما هو مهم وما هو غير مهم في القدرة على التهاجن، يخلق ارتباكا في أذهان من يتابعون كلامه عن كثب. داروين يعتمد على الصلات المتعلقة بالتركيب والبنية في ادعائه عن السلف، أو الجد المشترك الأعلى، لأنواع عديدة، تتجمع تحت طائفة واحدة، الثدييات مثلا، زاعما أن هذه الصلات التركيبية البنيوية دليل على أنها جميعا تنحدر عن ذلك الجد الأعلى المشترك. خذ مثلا الأطراف والذيل، والهيكل العظمي، وحتى الأعضاء الداخلية، بل وحتى الأمراض التي تصاب بها هذه الأنواع. ويركز أيضا على ارتباط الإنسان مع الثدييات الأخرى ضاربا عظم العصعص كمثال على عضو مشترك اختفى في الإنسان وبقي منه أثر – الذيل. إنه يتعمق في هذا الموضوع أكثر في كتابه الآخر “نشأة الإنسان”. لكن هنا، في هذا الكتاب أيضا، تعرض لهذا الموضوع مرارا – انظر مثلا قوله:
وعندما يكون نفس العضو الجسدي موجودا في أفراد ذات سلوكيات حياتية مختلفة عن بعضها بشكل كبير، فإننا قد نعزو على وجه العموم وجودها إلى الوراثة من سلف مشترك، وغيابها في البعض من الأفراد إلى الفقدان من خلال عدم الاستخدام أو الانتقاء الطبيعي. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 306)
والآن يقول داروين أن العقم بين هذه الأنواع مرده إلى أهم اختلاف بينها، وهو في أجهزتها التوالدية. إنها مسألة مثيرة للاستغراب أن هذه الأنواع بقيت محافظة على الشكل العام من تركيبتها وبنيتها العضوية، واختلفت جذريا في أجهزتها التوالدية، إلى حد إصابتها بالعقم في التزاوجات المتبادلة بينه! مسألة نأمل في الرجوع إليها لاحقا.
عندما يتحدث داروين عن تهاجن بين نوعين، فهو يقصد أي حيوانين هناك اختلاف في أجهزتهما التوالدية – قياسا على مثال الحمار/الأتان – الحصان/الفرس. مثل هذا التمييز بين الأنواع لم يتطرق إليه داروين من قبل. ولكنْ، ما المقصود باختلاف أجهزتهما التوالدية؟ هل هو يقصد الجهازين الذكري والأنثوي، أم يشير إلى اختلافات تشريحية بين الأجهزة التوالدية لأنواع مختلفة من ذكور الحيوانات وإناثها؟
بهذه الدرجة من الاقتضاب قدم داروين مثالا من عالم الحيوان على ما يقصده بالتهاجن المتبادل، ولم يقل غير ذلك قبل أن يقفز إلى مثال من مراقبات كولرويتر لنبات الأسحوان الجالابي، وينغمس في عالم النبات، حيث يعدد حالات عديدة ودرجات مختلفة من العقم في النباتات بأمثلة يأخذها من أبحاث كولرويتر. ويبرر بها لماذا هو لا يعتقد أن منع الفوضى هو غاية مقررة مسبقا للعقم. ومن الحالات التي يعددها تهاجن بعض الأنواع بسهولة وإنتاج أنغال شديدة العقم، ومنها تهاجن أنواع أخرى بمنتهى الصعوبة ولكن إنتاج أنغال خصيبة تماما، ومنها وجود اختلاف كبير في نتيجة تهجين تبادلي بين نفس الاثنين من الأنواع، إلخ. يذكر كل هذا متناسيا نقده للرجلين لأن أبحاثهما تجري فحت ظروف غير طبيعية. وينقلب عند نقطة ما إلى حديث عام، واستنتاجات عامة لا تعرف منها إن كان يتكلم عن عالم النبات أم عن عالم الحيوان، فليس هناك أية إشارة إلى أي من العالمين، ولا أمثلة على ما يقول. ثم يتساءل على خلفية ما استعرضه:
والآن هل تشير هذه القواعد المركبة والمنفردة إلى أن الأنواع قد أصيبت بالعقم لمجرد منعها من أن تصبح مرتبكة في الطبيعة؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص461)
جعل داروين الغرض من العقم السؤال المركزي في النقاش، بينما السؤال الأساسي هنا يدور عن علاقة العقم بالانتقاء الطبيعي. وجواب داروين عن السؤال الذي يطرحه هو:
أنا لا أعتقد ذلك. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص461)
مبررا ذلك بالاختلافات التي عددها في درجات العقم في النباتات.
ومن جهة أخرى، فإن صيغة السؤال الذي يطرحه داروين غير دقيقة أصلا، وليست لصالحه، وهنا نفكر باستخدام عبارة “أصيبت”. إن هذه العبارة توحي بأن العقم لم يكن موجودا من قبل، وأصيبت بها الأنواع لاحقا في مرحلة ما. ليس هناك من يقول إن الأنواع قد أصيبت بالعقم لمجرد منعها من أن تصبح مرتبكة في الطبيعة. إن الاعتقاد الذي يجادل داروين ضده هو أن العقم قانون من قوانين الطبيعة، أي إن العقم وجد مع وجود الأنواع التي لا يريد لها خالقها وواضع القانون أن ترتبك. وجود القانون سابق دائما على مفعوله.
داروين لا يتمتع بوعي لغوي كافٍ هو من مقومات البحث السليم.
إن داروين تكلم حتى الآن عن العقم بين الأنواع. ويبدو أن رفضه لفكرة أن الغاية من العقم هي فقط منع الفوضى، ليس قائما فقط على الأمثلة التي أخذها من أبحاث جارتنر في النباتات، بل هو قائم أيضا على تصوراته عن عقم من نوع آخر، وهو العقم ضمن النوع الواحد، الإنسان مثلا. هنا، يمكن أن نفهمه إن هو جادل ضد فكرة أن تكون الغاية منع الفوضى. وهنا تحديدا يتعلق الأمر بالجهاز التوالدي، وبقوانين الوراثة. هل يعمم داروين معرفته عن العقم بين البشر على العقم بين الأنواع؟ لا يستبعد ذلك.
إن ما ينفي صفة العالِم عن داروين (ومثل هذا سمعناه منه مرات عديدة) هو قوله:
وعلى الجانب الآخر، فإنه يبدو لي بوضوح أن القواعد والحقائق السابقة، تشير إلى أن العقم الخاص بكل من التهاجنات الأولى والخاص بالأنغال هو ببساطة شيء عرضي أو معتمد على اختلافات غير معروفة موجودة في أجهزتها التوالدية، وهذه الاختلافات ذات طبيعة غريبة ومحدودة، إلى حد أنه في التهاجنات المتبادلة التي تحدث بين نفس النوعين، فإن العنصر الجنسي الذكري التابع لواحد منهما سوف يعمل في كثير من الأحوال بحرية على العنصر الجنسي الأنثوي للآخر، ولكن ذلك لن يحدث في الاتجاه المعاكس. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص461)
أن يكون العقم شيئا عرضيا كلام يُترك للاختصاصيين. وأن تكون له علاقة بالأجهزة التوالدية فلا شك فيه، لكن وصف العلاقة بأنها اختلافات غير معروفة وذات طبيعة غريبة فغير مقبول. كان داروين سيصبح أكثر تأهلا للحديث في هذا الموضوع لو أنه اطلع على ما كان متاحا له من علم في وقته، مثلا أبحاث القس العالم غريغور مندل. إن مهمة البحث العلمي هي كشف ما هو غامض، وغريب، وغير معروف، والبناء على ذلك الكشف. إن لم يكن داروين قادرا على ذلك فكان عليه أن يترك المهمة لغيره، ولا يستخدم جهله بشيء كرصيد لدعم وجهة نظره، فطالما هناك نقص في المعرفة عنده فإن مهمته تبقى ناقصة. وإذا كانت هذه هي الحال معه، فما جدوى خوضه، مباشرة بعد هذا الاعتراف بالجهل، في الموضوع من جديد، وفي عالم النبات حصرا؟
يتبع ..