ذهب جمهوري وجاء ديمقراطي …ثم ماذا ؟*
عارف معروف.
1- معظم او كل تلفزيونات الاخبار في العالم انشدت امس الى واشنطن ، تنقل بالمباشر مهرجان او استعراض السلطة الهوليودي المعتاد ، رغم انه في هذه المرة لم يفلح في اخفاء الشروخ وتزييف الواقع وتقديم صورة سينمائية ملأى بالاثارة والحماس عنه .
2- الكل يعرف ، ان مغادرة رئيس امريكي جمهوري وتولي آخر ديمقراطي لن يغير من جوهر السياسة الامريكية الخارجية شيئا ، ذلك انها سياسة ثابته تقريبا وهي لا تمثل مصالح الولايات المتحدة الامريكية كشعب بقدر ما تمثل وترعى وتحابي مصالح مجموعة من العوائل اوفئة من المليارديرات المسيطرين على الشركات الكبرى والبنوك والجيش ومراكز القّوة او وفق مصطلح الرئيس الامريكي الاسبق ايزنهاور ” المجمع الصناعي / المالي / العسكري ” بحيث تصح هنا مقولة ” مات الملك … عاش الملك ” عن مغادرة ترامب وتولي بايدن .
3- وبالنسبة لقضايا العرب والمنطقة ، فكل رئيس امريكي لا بد ان يمر عبر ورقة الترشيح الصهيونية ولا بد له ان يعبّر عن دعمه وايمانه بدور اسرائيل في المنطقة كحاملة طائرات امريكية متقدمة في الشرق الاوسط لكن الفرق الوحيد ، مثلما هو بالنسبة لمعظم القضايا الاخرى ، ان ترامب ، بحكم تكوينه الشخصي ، كان اول رئيس امريكي عبّر بوضوح ولا مبالاة عن حقيقة السياسة الامريكية اتجاه المنطقة والعالم كسياسة تعتمد وتحترم القّوة فقط وتتعاطى على اساس البلطجة والابتزاز ، في حين اعتمد غيره سياسة تغليف هذا الجوهر بورق ملون ساحر من الالفاظ والسلوكيات الدبلوماسية و” الاخلاقية والمبدأية الرفيعة ” !
4– لذلك بادرت اوروبا الى طلب ان يعتمد الحلف الامريكي الاوروبي على اسس شراكة جديدة او على الاقل معبرة عن احترام الشريك الاوروبي ، وتنفست دول الخليج والسعودية الصعداء لخلاصها من ابتزاز ترامب واهاناته العلنية ، رغم انها عبرت، في الوقت نفسه ، عن خيبة امل لان ترامب مضى دون ان ينفذ وعيده اتجاه ايران ومخاوف وقلق من اشارات طاقم بايدن المقلقة والمعبرة عن ابتزاز من نوع جديد للملكة وتوابعها ، اما ايران نفسها فقد تنفست هي الاخرى الصعداء ، فقد تخلصت من متهور لا مانع لديه من ضغط الزر النووي بدفع من اسرائيل ورشى من الخليج الى رئيس آخر قد يمنحها هامشا تفاوضيا تتوصل فيه الى عتبة جديدة من القوة والتاثير ، في حين عبّرت الصين عن نقمتها على عهد ترامب باعلانها توجيه عقوبات الى شلة من ادارته وفي مقدمتهم جورج بومبيو ، الذي عبر سلوكه ، في الايام الاخيرة خصوصا ، وعبر تغريدات معلنه ، عن كل ما يتصف به من وضاعة وتملق للصهيونية وتكالب على مصالحه الشخصية في حين دعت روسيا الى عهد جديد افضل في العلاقات .
5- ” مات الملك ” وغادر ترامب رغم انه القى ببضعة كلمات غامضة ومثيرة : ” سنعود بطريقة او اخرى ” ومخلفا آثار وظواهر لا يمكن محوها بسهولة من عدد ضحايا كورونا الذي تجاوز عدد قتلى امريكا في الحرب العالمية الثانية الى اقتحام الكوتغرس والتهديد بالاحتكام الى السلاح . ” عاش الملك” و بايدن قادم وفي جعبته وذاكرتنا مشروع تقسيم العراق ، ودعم غير محدود لاسرائيل وسياساتها عبر عنه مرارا وعن تصوره في عدم امكانية وجود شرق متوسط دون اسرائيل قوية ومهيمنه ، وما فات لن يموت كما تؤكد وقائع الايام لانه اساس لبناء تراكمي واحد اما ماهو آت فآت وفقا للجزء الثاني من قول قس بن ساعدة ..
6- نحن في اليوم الاول من رئاسة بايدن ، والخدم والحشم ، الظاهر والخفي ، يجمعون ويرزمون مظاهر الزينة والاحتفال في واشنطن ، مع توجس وقلق مؤكد في القلوب والمدارك من ان الامور ليست ولن تكون على مايرام مستقبلا وشكوك بصدد طبيعة الاحتفال القادم بعد اربعة اعوام ، فالعالم لم يعد نفسه ، ابدا ، على يد كورونا وعلى يد ترامب ، وبالنسبة لنا ، نحن اسرى الواقع الذي تقرره وتتحكم في معظم مجرياته قوى الهيمنه العالمية وعلى رأسها امريكا ليس لنا سوى الامل بوعي حقيقي جاد ، يبدو كما المستحيل رغم انه ليس مستحيلا ، وفعل شعبي ووطني يقوم على ادراك عميق للمصالح الوطنية والاقليمية يتجاوز العنصرية والطائفية والمصالح الفئوية الضيقة والشخصية التافهة ، وعي وادراك ممكنان وغير مستحيلين رغم جسامة ما نحن فيه من نأي عن كليهما ، خصوصا في اوساط الشباب ونحن شعب شاب !
7- نحن في اليوم الاول وقد بادر بايدن الى تناول تركة ترامب بجملة قرارات مضادة لم تمس ، حتى الان ، ولن تمس في اغلب الظن ، جوهر السياسة الامريكية في المنطقة ، كما سبق القول ، ولا شيء كالايام مؤكدا او مخيبا لكل قولٍ او ظن ، فهي كما قال شاعرنا طرفة بن العبد ، من خلف القرون :
ستبدي لك الايام ماكنت جاهلا…… ويأتيك بالاخبار من لم تزودِ …
*كتبت هذا المقال ليلة امس الاول ، قبل فجيعتنا بابناءنا العراقيين الفقراء في الباب الشرقي، جراء العمل الارهابي المجرم، ولم استطع نشره صبيحة الامس كما كنت قررت بالطبع فلا شيء يتقدم على الدم البريء الغالي …
2021-01-24