جنون الاحتلال….!
أبو علاء منصور.
نعم الحرية واحدة والفرح كذلك، لكن تجلياتها تختلف من شخص لآخر وبين ظرف وآخر. بهذا خاطبتُ نفسي وأنا في الطريق إلى قرية كوبر لتهنئة الصديق عمر البرغوثي بالإفراج عنه وتساءلتُ: هل معايير الفرح والحزن عند البشر واحدة وثابتة وتنطبق على الجميع؟ ما تفسير زغرودة أم الشهيد؟ وهل طعم فرح تحرر عمر من السجن ليلتئم شمل أسرته عام 1985 تاركاً خلفه شقيقه نائل، يشبه طعم تحرره عام 2021 وقد ترك خلفه اثنان من أبنائه أسرى، عاصم -محكوم مؤبد- ومحمد، ليجد نفسه مع زوجة مكلومة وحفيد ابن الشهيد صالح؟ يا إلهي كم سيُستثنى الفلسطينيون من تذوق لذة الفرح قبل تحقق أحلامهم. سألتُ عمر الذي قضى 9 أشهر في سجنته الأخيرة وحوالي 30 عاماً قبلها ابتداء من العام 1978 عن التهم التي وُجهت إليه فقال: تحريض وكلام على الفيسبوك، مع أنني لا أملك حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي! ربما تسبب عجز فصائل المقاومة الفلسطينية الميداني بفراغ عند أجهزة الأمن الإسرائيلية، فراحت تلاحق توافه الأشياء، سقوط استدعى سقوطاً.
أجول بعينيّ في وجوه الحضور -15 شخصاً- وأتساءل بيني وبين نفسي: كم عدد الذين اعتقلوا من هؤلاء في أوقات سابقة؟ من منهم التقى ابنه أو والده أو شقيقه في السجن؟ من له أولاد معتقلين الآن؟ وجدتُ أن خمسة من الجالسين معتقلين في فترات سابقة، وبعضهم له ابن أو أكثر في السجن. قال عبد الكريم البرغوثي وهو رب أسرة لم يستثن الاعتقال أياً من أفرادها، وما زال ابنه قسّام يقبع في السجن ومحكوم مؤبد: عام 1978 اجتمعنا 13 شاباً من قريتنا الصغيرة في غرفة واحدة في السجن. ربما ظن الكابتن ذياب -ضابط الشاباك المسؤول عن المنطقة يومها- أنه أنهى المقاومة في القرية. تمنيتُ أن يأتي ويشهد المهرجان الذي استُقبل به أبو عاصف أمام سجن عوفر. في بعض الفترات بلغ عدد الأسرى من قريتنا 45 شاباً، اليوم عددهم 31 -صف مدرسي- نعم يتسبب الاعتقال بتعطيلهم عن المدارس لكنه ينقلهم إلى المدرسة النضالية. بإجراءات المحتلين الوحشية يستعجلون إنضاج الشباب في طنجرة ضغط. هذا بعض جنون الاحتلال. وأنا أستمع لعبد الكريم تساءلتُ مع نفسي: ألا يُدرك قادة الشاباك خطورة شعار -جز العشب- الذي يبررون به حملات الاعتقال؟ ألا يعني الجز تهيئة العشب لمزيد من النماء؟ هذه وصفة للتسريع في مقاومة الاحتلال.
قال خلدون البرغوثي: عمليات الاعتقال الواسعة والظالمة تُعوض -دون قصد- تقصير الفصائل الفلسطينية التي أحالت نفسها على التقاعد منذ زمن. كأنهم يقولون للشباب: انهضوا، بادروا، اعتمدوا على أنفسكم ووحدوا صفوفكم تحت أي إسم، تنظيم البلد، الموقع، الحي أو أي اسم آخر. الذين يتجمعون في الحارات والأحياء حتى أنصاف الليالي يستأنفون بناء أنفسهم في السجون بعد اعتقالهم، ومعظمهم شبان صغار -تحت سن العشرين- وغالبيتهم لا صلة لهم بالتنظيمات. من هذه الحاضنة جاء عمر العبد ابن السابعة عشر عاماً الذي نفذ عملية طعن في مستوطنة حلميش، وطارق الذي نفذ عملية في المستوطنة ذاتها بعد عام، وصالح الذي نفذ عملية في بيت إيل في العام التالي، ثم شقيقه عاصم، وقسام الذي شارك في عملية بالقرب من مستوطنة دولب. كلهم من الجيل ذاته ومن المنبع ذاته. عاصم الذي قتل ثلاثة جنود إسرائيليين على حاجز بيت إيل، كان قضى ثلاثة عشر عاماً في السجن، وبعد تحرره بنى بيتاً وتزوج لكنه عاد للمقاومة. الإسرائيليون يُهيؤون الأرض للمقاومة ثم يتساءلون عن أسبابها. جاءت المبادرات الفردية لتُعوض عجز الفصائل، تماماً كما عوّضت انتفاضة عام 1987 الخلل الذي أعقب خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان عام 1982. سألني المحقق: لماذا ينفذ شباب كوبر عمليات ولا يوجد مستوطنات في أراضي قريتكم؟ سؤال يُنكر دور الاحتلال في تهيئة التربة للمقاومة. ثم يعتقلون شاباً لمجرد كتابتة شيئاً على الفيسبوك. إفلاس. كتب الأسير المحرر محمد البيروتي قبل أيام مستهزءاً باعتقال طارق -65 عاماً- من الجبهة الشعبية: لا يتطلب الأمر إرسال خمسين جندياً وآليات عند الفجر لمداهمة شقة رجل مريض، كان يكفي اتصالاً هاتفياً فقط.
ما الذي تقصده سلطات الاحتلال وغالبية المعتقلين لا علاقة لهم بالمقاومة المباشرة؟ ربما الردع وبث الرعب وتأكيد السيطرة، وإجراء مسح ميداني لذهنية الجيل الصغير، وأثر الفقر والبطالة والفساد وانغلاق الأفق وغياب التنظيمات. فالمخابرات التي خبرت شبان الخلايا العسكرية والانتفاضات، تجهل الكثير مما يدور في ذهن جيل ما بعد انتفاضة الأقصى. وهي تبغي توسيع رقعة معلوماتها، وإسقاط من تستطيع ممن أضحوا لقمة سائغة في غياب التنظيمات التي شكلت حاضنة أفرغ فيها الشباب طاقاتهم، فأصبحوا بلا مرجعيات رغم وفرة الأطر والمسميات. فراغٌ أسال لعاب المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. لكن ألا يخشون ردود أفعال من يُعتقلون دون سبب، وتهان أمهاتهم وآباؤهم أمام أعينهم؟ ألم يتعلموا درس الانتفاضات؟ ربما أنه تدريب لجنودهم وضباطهم، والحصول على معلومات -ليست بالضرورة أمنية وساخنة- لوضعها بتصرف مراكز البحث والدراسات. لماذا تركت الفصائل وغيرها الشباب يواجهون مصيرهم فرادى في مواجهة مؤسسة أمنية تملك الخبرات والإمكانات. علق صديق على المشهد المأساوي بالقول: نحن نعمل برد الفعل والارتجال، ننهك إسرائيل بالفوضى وليس بالتخطيط، وننشيء أبطال فرديين. عقلية لا تراكم تجارب ولا تصنع قادة، أما الإسرائيليون فأقاموا دولة عظمى في غضون 70 عاماً وربطوها بموروث عمره سبعة آلاف سنة.
قال لي صديق عمل مع أبو جهاد الوزير في السبعينات وقد التقيته في سياق كتاب أعده عن تجربة القطاع الغربي في فتح بعنوان (لملمة التاريخ): (قبل مدة استدعتني المخابرات الإسرائيلية للتحقيق). ما الفائدة من استدعاء رجل سبعيني؟ ما قيمة معلوماته التي انتهى مفعولها منذ عقود؟ ربما تفيد الضباط الجدد والباحثين للمقارنة بين الدوافع والأسباب عند كل جيل وفي كل حقبة.
مع تحيات أبو علاء منصور
9\1\2021