أوراق من سيرة والدتي… حلقة 27!
دُفنت خالتي يسرى بمحاذاة قبر والدتي....
أبو علاء منصور.
تناولتُ القهوة في بيت الأستاذ غازي الخطيب\60 سنة الذي كان عائداً من تلقيط الزيتون، فراح يحدثني عن والدتي: (كانت سيدة متسامحة ومنفتحة في علاقاتها وعقليتها وسلوكها، لم أكن أدرك مدلولات هذه المعاني وأنا صغير، لكني وقد أصبحتُ في هذا العمر أدرك عظمة إنسانيتها، كانت صاحبة قلب ينبض بالخير، وتستقبل الجميع بابتسامة تبعث السرور ويألفها الأولاد، ولأنها هادئة الطباع لم نكن نخشى -الأطفال- أن تقع طابتنا في حاكورتكم أو قاع داركم. كانت والدتك شخصية مهيوبة رغم بساطتها، طموحة ومتفائلة ونشيطة، لم أرها في مشكلة أو أسمع أحداً ذمها. أتخيل شقيقتك نعيمة نسخة عنها.
من بيت غازي إلى بيت فهمي ناصر\68 عاماً الإبن البكر لخالتي يسرى. قال فهمي ونحن نجلس على شرفة منزله: (كانت خالتي مدللة أعز النساء على قلب والدتي واعتادت معاملتنا كأبنائها، كنتُ أشاهدها وأم عزمي وشريفة زوجات أعمامك يجلسن أمام بيتكم بالقرب من العنزية\المطمورة، ولا أعرف بم كن يتحدثن. خالتي مدللة إنسانة يصعب نسيانها. لشدة حبنا لها دفنّا والدتي في قبر بمحاذاة قبرها. أذكر أن المرحوم والدك أمسك بيدي وذهب بي إلى المقبرة بعد أيام من وفاة والدتك وقال: تركتُ هذه المسافة بجوار قبر مدللة لتدفنوا والدتك بعد عمر طويل.
من هناك إلى بيت فاطمة رشيد\70 عاماً. كانت السيدة على وشك الخروج لزيارة والدتها زينب العبد حين طرقتُ بابها. ولفاطمة\أم أسامة قصة بطولة، فقد توفي زوجها -إبراهيم مطر- وهي في ريعان الشباب\25 سنة، كان المرحوم جندياً في الجيش الأردني فاضطرت للالتحاق به في الأردن بعد عدوان حزيران عام 1967، واستأجروا غرفة في حي الحسين بمدينة الزرقاء. سنوات قليلة وتوفي بصعقة كهربائية فوجدت نفسها في الغربة وفي حضنها أربعة أطفال. قالت السيدة في سياق حديثها عن مرارة تجربة حياتها: كان عمري 16 سنة حين تزوجت، وحين توفي زوجي حضر والدي من الضفة الغربية وعرض أن يحاول عمل معاملة لم شمل لي لأكون بجانبهم في فلسطين. خشيتُ أن يُزوجوني فأنقطع عن أولادي. شكرته وقطعتُ له عهداً أن أرفع رأسه في الغربة. لن أنسى فضلك والمرحوم عطا ياسين، فقد كنتما أول من يطرق بابنا صباح يوم العيد. أضافت حين سألتها عن والدتي: أنا من جيل شقيقتك فاطمة، ومع أننا كنا جيراناً، لكنني لا أذكر سوى أننا كنا نلعب عند العنزية. وأن والدتك جاءت من فلسطين إلى الأردن يوم أنجبت شقيقتك فاطمة ابنها محمد، وكنتُ أنجبتُ أنا ابني عصام فزارتني مع ابن خالتها عبد الرحمن\أبو فاروق من حزما وزوجته وصفية\أم فاروق، وكانوا جيراني في حي الحسين.
من بيت فاطمة رشيد إلى بيت فخرية برناط ابنة رابعة صديقة والدتي. حين دخلتُ إلى فناء المنزل بدا مشهد خليل أبو نوشة\زوج فخرية يُقطع القلب، كان يجلس على كرسي متحرك، لا يتكلم أو يعرف أحداً. طرقتُ الباب فانفتح وإذ فخرية تتمدد على سرير بعدما انزلقت قدمها في الحمام وانكسرت رجلها اليسرى. ألقيتُ التحية ودخلنا في حديث عن والدتي فقالت مستشهدة بابنتها وكنتها: كنا في سيرة والدتك قبل دقائق، كانت خالتي مدللة صديقة والدتي. ما أذكره أنها كانت تناديني: تعالي لقطي رمان من الحاكورة وكلي. أتخيل كأننا تربينا في دار واحدة. في الشتاء كنا نتدفأ في طابونكم، وفي الصيف نلعب في حاكورتكم، وفي الليل نطارد سراجات الغولة على المقبرة. كان خبزكم من طحين القمح أما نحن فنخلط طحين القمح بطحين أبيض، كثيراً ما جاءت شقيقتك فاطمة برغيف خبز قمح وقالت لوالدتي: بدّليلي هذا الرغيف يا خالتي برغيف أبيض. كانت والدتي تعطيها رغيفاً أبيض وتعيد لها رغيف القمح. كانت الحياة بسيطة وكانت خالتي مدللة كريمة النفس، تضع التين والعنب على العنزية وهي عائدة من الغرّام وتدعو الموجودين لتناول ما يشتهون. أمك شافت حتى عافت كما يقال. كانت مظلومة لكنها شجاعة وصبورة وبعقل راجح. وكان عمي محمود\والدك رجل محترم. كنت وشقيقتي سمية نقشّ النتش والقوص في (الكرم الخارب) على طريق الحبِل، وأنت وشقيقتك حليمة تقُشّان في الظهر، تمنينا أن نتشارك وإياكم في القش لكن الأهل رفضوا خشية أن نضيع الوقت في اللعب.
مع تحيات أبو علاء منصور
5\1\2021