معنى تخفيض قيمة الدينار!
ابو زيزوم.
المبدأ الاقتصادي العلمي هو ان تكون كمية النقود المتداولة في السوق مساوية او مقاربة لكمية السلع والخدمات المعروضة للبيع . فأي كمية من النقود لا يقابلها سلعة او خدمة تفقد قيمتها وهو ما يسمى بالتضخم . وأي كمية من السلع لا يقابلها نقد يشتريها تبور وهو ما يسمى بالكساد. وواجب الدولة من خلال البنك المركزي وبالتعاون مع وزارة المالية ان تراقب الوضع عن كثب وتتدخل بإضافة او سحب كميات من العملة في السوق لحفظ التوازن والاستقرار . فأن تكون النقود اكثر من السلع يؤدي الى ارتفاع الأسعار ويضر بالمستهلكين . وان تكون السلع اكثر من النقود يؤدي الى انخفاض الأسعار ويضر بالمنتجين .
بعض الدول لا تستطيع الدفاع عن قيمة عملتها فتتركها لقانون العرض والطلب كما هو الحال في العراق خلال التسعينيات . وهناك دول تخفض العملة بقرار حكومي ليس لأنها عاجزة عن حفظ قيمتها وانما لغرض جعل صادراتها اكثر تنافسية . فالصين مثلا تلجأ الى هذا الأسلوب بين فترة واُخرى . وهناك دول ترفع سعر العملة بقرار أيضاً تعبيراً عن الترف والاقتدار كما كانت تفعل الدول الخليجية في عقود مضت . وكانت العملة العراقية بعد 2003 قد استقرت لعدة اشهر عند سعر 145 الف دينار للمئة دولار ثم قامت الحكومة برفعها الى 125 الف للمئة دولار من هذا المنطلق .
الان قررت الحكومة خفض سعر الدينار بنسبة الخُمس . معنى هذا ان العملة الموجودة بأيدي المواطنين غير قادرة على شراء السلع التي كانت قادرة على شرائها قبل القرار لأنها فقدت خُمس قدرتها الشرائية . تستطيع فقط ان تشتري %80 مما كانت تستطيع شراءه . وعلى الحكومة ان تسد النقص بطباعة المزيد من العملة وزجها في السوق . طباعة العملة معناها تحويل الورق الى مال . انه مصدر دخل لخزينة الدولة من لا شيء ، والذي يتحمل اعباءه المواطن الذي فقدت نقوده خُمس قيمتها دون ان يكون له ذنب في ذلك .
حاولت حكومة الكاظمي تسويق القرار على انه جزء من عملية إصلاح اقتصادي شاملة . والحقيقة لا علاقة للموضوع بالإصلاح ، وكل ما في الامر انها تريد سد العجز في الميزانية بطريقة النهب من جيب المواطن وبأسلوب المخادعة . فالدولة عندما تواجه عجزاً في الميزانية (والعجز لمن لا يعرفه هو ان تكون الاموال الخارجة من الخزينة اكثر من الاموال الداخلة اليها في سنة) تلجأ الى فرض ضرائب على قطاعات اقتصادية او اجتماعية وترفع اسعار السلع الاساسية لسد النقص ، او تلجأ الى الاقتراض كحل بديل . لكن حكومتنا ولتفادي الضجة الشعبية التي يحدثها رفع الأسعار وفرض الضرائب قامت بخفض سعر العملة لتحقيق نفس الغرض دون ضجة . فالإنسان البسيط ومهما كان بسيطاً يفهم معنى ان يصبح كيس التمن أغلى مما كان عليه قبل ليلة . اما اسعار العملة وعلاقتها بالدولار فلا تعني اغلب الناس بشكل مباشر ولا يفهمون تأثيرها .
الناس عندنا يربطون كل شيء بالفساد دون ان يكون لبعضهم الوعي الذي يؤهلهم لتمييز الفساد من سواه . لذلك أقول ان قرار خفض العملة لا علاقة له بالفساد ولا علاقة له بالإصلاح . فالحكومات سواءً كانت فاسدة او نزيهة ملزمة بوضع ميزانية وتوفير الاموال اللازمة لها . وهذا ما قامت به الحكومة العراقية الفاسدة . ولو لم تكن فاسدة عليها أيضاً ان توجد الاموال لتأدية إلتزامات الدولة . هناك فساد صارخ في القرار الذي سبق هذا القرار عندما أجاز البرلمان قانون الاقتراض لدفع الرواتب فقامت حيتان الفساد بإقراض الدولة مليارات الدولارات . وطبعاً هم ذاتهم حددوا سعر الفائدة لأنهم هم ذاتهم البرلمان والحكومة .
عندما اجد متسعاً من الوقت سأكتب سلسلة منشورات متكاملة عن آفة الفساد في بلادنا ووجهة نظري بكيفية مواجهتها .
( ابو زيزوم _ 951 )
2020-12-24