واحدة من محاولات تزوير تاريخ العراق!
قراءة طائفية بغيضة لثورة العشرين.
علي عباس.
تشويه تأريخ العراق واحدة من المهمات الاساسية لأعداءه ولن ينفكوا عن هذا الامر.
قرأت كتاباً من 286 صفحة، صدر قبل أشهر قليلة من هذا العام (2020).
عنوان الكتاب “ثورة 1920”- والعنوان الفرعي “قراءة جديدة في ضوء الوثائق التأريخية”
– لم يسمِ المؤلف الثورة (ثورة العشرين) وهو العنوان الشهير للثورة، بل كان يكتب (ثورة 1920) من أول الكتاب إلى آخره، ولا اعرف القصد، أهو محاولة للظهور بانه مختلف ولايقبل أشياء من سبقوه حتى العناوين، أم هو محاولة لإضافة تأثير الرقم/ التأريخ في ذهن المتلقي؟
• المؤلف (عباس كاظم) عراقي يحمل الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا..
– والمؤلف (عباس كاظم) هو:- “مدير برنامج العراق في مجلس الاطلسي في واشنطن.” ؟
• والمترجم (حسن ناظم) هو وزيرالثقافة في حكومة الكاظمي الحالية والناطق باسم رئاسة الوزراء بعد فرار احمد ملا طلال. وكما عرفت مؤخراً أن المؤلف صهر المترجم. ولأن الكتاب مترجم فلابد انه صدر باللغة الانجليزية.
– والسؤال؛ هل هو حقاً قراءة جديدة في ضوء الوثائق التأريخية كما يقول العنوان الفرعي للكتاب؟
• بدءاً، لا يمكن ان نضع هذه القراءة في مضاهاة ومقارنة مع ماجاء به عبدالرزاق الحسني أو ما ثبّته علي الوردي، لأنهما أقرب الى زمن الثورة والوقائع بكثير، وعلميا عملا على ذلك في مجال تخصصهما، ثم أن وموقفهما من المستعمرين معروف، خصوصا وأن قراءتا الحسني والوردي عملياً جاءتا في زمن مازال يتلمس آثار ثورة العشرين حينما كانا يتحدثان إلى رجالها الاحياء والمشاركين في تلك الثورة.
• فما هي أمانة (عباس كاظم) التأريخية بالمقارنة مع وطنية، وعملية، وعلمية الحسني والوردي، وهو المشكوك بموقفه فيما يتعلق بالعراق المنتهك، وهو يعمل بالذات في المؤسسة التي انتهكت ارض العراق وسيادته، ومكّنت عبر هيمنتها العسكرية الشركات الاحتكارية الدولية في سرقة ثروات البلد وما زالت تدعم السارقين؟
– ومن الضروري معرفة أن قراءة (عباس كاظم) لتاريخ ثورة العشرين لم تخرج من فضاء الاشارات والاقتباسات التاريخية التي ثبتها كل من الحسني والوردي من وثائق التأريخ، اي أن قراءة عباس كاظم هذه لم تأت بجديد، بل جاءت اقتباساته بصورة انتقائية لخدمة مقاصده، ومن الشحّة بحيث لاتعضد العنوان، بعكس ما ثبتّه الحسني والوردي في قراءتيهما التأريخيتين المستفيضتين اللتين تركتا للقارئ مساحة كبيرة للحوار وتقصّي حوادث التاريخ.
والأسوأ ان هذه القراءة المفتعلة لتاريخ ثورة العشرين نُسِجت لغاية رديئة وخطيرة، فهي تأتي لتعيد تكريس النهج الطائفي والمناطقي وزرع الفرقة بين العراقيين، وهو ما يبهج قلب المحتلين والصهاينة ويحقق رغباتهم التي عملوا عليها في تدمير التاريخ النضالي للعراقيين وتمزيقه. فضلاً عن أنها تعمل في اضعاف الشعور العام بالاعتزاز الوطني بتاريخ العراق، بل ومهاجمته، وتحويله الى تواريخ مجزءة وفرعية لتكريس الطائفية والمناطقية، وصنع آفة كسابقة خطيرة لبعث الشك في سلامة تأريخ العراق ووقائعه الاكيدة، وما قدمه أبناؤه من تضحيات.
أمّا في موضوع صحافة الثورة؛ فلم يرقَ المؤلف الى فطنة ونباهة (كمال مظهر أحمد)، الذي تناول صحافة ثورة العشرين وشخّص عملها ودورها وتواريخها وموضوعاتها التحررية في كتابه القيّم (صفحات من تاريخ العراق المعاصر) الذي ثبّت اقتباساته من صحف الثورة ذاتها، والتي اظهرت طبيعة الثورة واسبابها ومآلاتها الناجحة، وهي تضع المستعمر الانجليزي موضع الادانة الدولية.
• ومن المفيد أن أذكر أني لجأت لتثبيت هذا المدخل لكي لايظن القارئ أن الدراسة معمّقة وغنية وفق ما أشار إليه العنوان الفرعي (في ضوءالوثائق التأريخية). ثم من أجل أن يأخذ القارئ الكريم بعين الاعتبار الهدف الذي توخاه المؤلف وهو يبتعد عن الوقائعالتأريخية ليصل في النهاية إلى القول في نكسة وعي واضحة:-
– “لقد جرى تأميم ثورة 1920 لتصبح ثورة للعراقين بأسرهم” ص280. مستنكراً بهذا عراقية الثورة.
• سأضع امامكم واحدة فقط من محاولات الغش التي امتلأ بها هذا الكتاب:
يقول المؤلف في محاولة لمعاندة وقائع التأريخ: “بدأ القتال في ثورة 1920 بسبب (قضية محلية في الفرات الاوسط الشيعي).” ص280. ومن الواضح أن هذه محاولة لوصف الثورة أنها بلا اساس وطني أو اقتصادي وبانها ثورة الفرات الاوسط، وثورة شيعية فقط. وهذا بالطبع تأسيس ليصل إلى ما يريد تكريسه، خصوصا حينما يؤكد أن لا صلة لها بموضوع آخر، حتى ولا بالوضع الاقتصادي والظروف المعيشية للناس الا بصورة بسيطة- كما يقول وهو محرج:-
“… أيّ جهد يسعى لأن يبين أن الثورة جاءت نتيجة للسياسات الشديدة والضرائب الباهظة أو حتى نتيجة للمطالب الوطنية إنما هو صحيح جزئياً فقط”ص280. وهو هنا يشطب على الجهود والتضحيات التي قدمها الذين شاركوا في الثورة من مواقع ومجابهات متنوعة أخرى، قدموا فيها الضحايا في صراعهم ضد المستعمر وأدواته. هذا الابتسار يسقط الكتاب في المصادرة الايديولوجية لوقائع التأريخ، بل ويكشف القيمة المتدنية لرغبة المؤلف أو نواياه.
والغريب هو تناقضه، فهو يقول في بداية الكتاب: “بكلمات كوكس نفسه، فإن تأسيس حكومة وطنية كان البديل الوحيد للانسحاب من العراق. وهكذا مثّلت مهمة تأسيس حكومة وطنية نتيجة سياسية أخرى من نتائج الثورة.”ص34. فكيف مثّلت مهمة تأسيس حكومة وطنية من دون أن تكون الثورة وطنية؟
– فإن كانت ثورة فراتية شيعية لم يشترك بها احد غير اهل الفرات (لأن مدن العراق كانت غافلة ونائمة حتى نهاية الثورة كما يصف في عشرات المواضع من الكتاب)، فلماذا لم يلجأ المستعمر وهو قادر ومتفنن، إلى تأسيس دولة فراتية شيعية او إمارة فراتية، في اوضاع العراق المفتت كما يصف، حيث يسهل عبر عزل الامارة الفراتية المقترحة قيادة العراق وقيادتها هي بالذات تحت سلطة المستعمر؟ كما فعل مع الاهواز والكويت ومحميات الخليج الأخرى.
والمؤلف ينكر ويتجنب ذكر مشاركة مئات الآلاف من المتظاهرين يومياً في ايام الثورة وهم يزحمون ابواب مركز القرار البريطاني في العراق في بغداد ويقلقون راحته، ويقدمون الشهداء والضحايا بلا تردد كشأن العراقيين دائماً حتى الساعة. فيما كان المستعمر أيّامذاك يقوم بإبعاد الوطنيين من بين المتظاهرين البارزين الى خارج البلاد واعتقال البعض منهم وايداعهم السجون وهم يثبتون المواقف عبر تظاهراتهم الوطنية، التي كان من نتائجها إنها قامت باحراج المستعمر ووضعه امام الراي العام العالمي مكشوفا ومخزيّا في اجواء العالم آنذاك، بل ويثلم في مصداقية التاج البريطاني أمام حلفائه..
لقد تجنب الكاتب ذكر الامثلة الوطنية والاقتصادية التي لا حصر لها، بل تعمد اهمالها بقصد تغليب نواياه وتعزيزها في الكتاب. فقد تجنب ذكر اعداد الشهداء التي قدمتها مدن الثورة بدءاً من نيسان 1920 حين سقط اول الشهداء في بغداد تبعه سقوط 5 شهداء واستمرت قافلة الشهداء هذه حتى نهاية الثورة. وينكر جهود جمعية العهد، وحراس الاستقلال الجمعية السرية التي كانت تنظم التظاهرات ضد الاحتلال وتصدر جريدتها عن عمليات ومعارك ثوار ثورة العشرين وتكشف جرائم البريطانيين وهزائمهم المادية والمعنوية في كل العراق وتفضح المستعمر أمام الرأي العام العالمي. كما تجنب الكاتب نشاط “المؤتمر العراقي” السري الذي كان على صلة اقليميا بثوار آخرين في سوريا، عبر “المؤتمر السوري” الذي ارسل رسائل التحذير لثوار العراق من الخونة الذي سماهم بالاسم وأكّد عمالتهم للمستعمر الانجليزي من بين الضباط الذين خدموا في سوريا وعلى راسهم نوري السعيد. واشياء كثيرة أخرى كان لها الدور في توعية الثوار وتعريفهم بحقوقهم. وهذا فقط لكي يجد مسوغاً لقبول محاولته الطائفية النزعة، والتي تكرّس تجزئة العراق طائفيا ومناطقياً.
تعمد أيضاً انكار الغليان الشعبي في العراق كله، نتيجة صدور قانون الضرائب الجديد الذي تحدث فيه علماء دين وشيوخ عشائر وصحف في البصرة وبغداد والموصل، وطالبت جمعية العهد والمؤتمر العراقي وشخصيات وطنية بالغاءه في مذكرة طويلة وشديدة اللهجة ونشرت عبر الصحافة الاقليمية والمحلية، واستنكروا صدوره جميعهم في نشاط عارم للتوعية وتنظيم الفكرة الوطنية والدعوة لمجابهة المستعمر، حيث كشفت هذه الجهود الكبيرة ان قانون الضريبة الجديد دفع الناس إلى العوز والفاقة وسؤال الاستجداء من اجل لقمة العيش، وفضحت الاستغلال والتعسف. لقد أهمل الكاتب هذا كله وتجنبه بقصد سيء وخدمة انتهازية لا تليق إلا بمن يعمل فعلاً تحت ظل حماية المستفيدين من هذا التلفيق وتزوير تاريخ العراق الحديث.
للأسف ان العراق يتعرض للتمزيق في اكثر من مجال، وفي هذا الكتاب الردئ تعرضت العزة الوطنية في مجابهة المستعمر ومقارعة ادواته للانتهاك القبيح، وحاولت أيضاً تمزيق تأريخنا وتجزئته طائفياً ومناطقياً بصورة مشينة.
2020-12-16