“أبو العبد المتشائم وذاكرته العمّانية في شيء من البوح“!

بقلم بكر السباتين..

قصة قصيرة افتراضية..

كسارة البندق

قبل أيام وأثناء قيام العمال بالحفر وسط البلد، تعثر مشروع الباص السريع وتوقف العمال عن الحفر وأركنت المعدات جانباً، وتنفس المارة الصعداء وقد انقبضت قلوبهم جزعاً، والدهشة تأكل رؤوس الذين يأنفون الزحام خوفاً من فترة انتظار جديدة لأطول مشروع شهدته البشرية إلى حين البت في الأمر، وكأنهم ينتظرون انفراج الأزمة بين بايدن وترامب لدراسة ملامح المرحلة القادمة لمشروع يأبى أن ينتهي بسهولة “طريقة تفكير طارئة على المنطقة” بدا الأمر كأن سلحفاة اعترضت طريقها حبة بندق، فإذ بداخلها جوهرة أثرية كانت مطمورة تحت الإسفلت، فأرسلت دائرة الآثار كسارة البندق حتى تحقق في أمر العمّانيين القدماء الذين عاشوا مرفهين وهم يستخدمون هذه المرافق العامة المكتشفة في ظل أزمة الكورونا التي ربّطَتِ البلادَ وحولتها إلى طفل رضيع مقمط ينتظر الأخبار حتى تنتعش صحته المستهدفة من الأعداء الغامضين ” الغولة مثلاً كما في حكايات الجدات!”.. لم يُحَدَّدُ العمرُ الزمنيُّ لهذه الآثار المكتشفة، ولكن من المؤكد أنها لن تخرج عن نطاق تاريخ مدينة عمّان ما قبل الألف السابع قبل الميلاد.. وعمان اليوم أقيمت على أنقاض مدينة قديمة عرفت باسم “ربّة عمّون” ثم “فيلادلفيا” ثم “عمّان” اشتقاقاً من “ربة عمّون”، وقد أُنشئت المدينة على تلال سبعة.

عمان والفسيفساء البشرية

ومن يتجول في قاع هذه المدينة العتيقة سيتنسم عبق تاريخها المعاصر منذ كانت بلدة متوسطة، يخترقها سيل عمان الطويل. فيتنسم من يتجول في حواري عمان عبق المدن المحتلة غربي النهر التي ما لبثت حية في ذاكرة اللاجئين الفلسطينين وقد انتشروا بكثافة في مدينة الفسيفساء البشرية كأردنيين لهم كامل الحقوق دون أن ينسوا قضيتهم وقد طوقت أعناقهم بمفاتيح العودة، منذ كانت عمان بلدة متوسطة عام ثمانية وأربعين، تضم في كنفها المُهَجَّرْيَن من القوقاز والشيشان وبعض القبائل البدوية الشرق أردنية ومهاجرين من مدن الشمال والجنوب من موظفي الحكومات المتعاقبة ومنتسبي القوات المسلحة ممن استطاب لهم العيش في العاصمة بعدما توسعت وازهرت باقتدار بجهود وتكاتف الجميع دون استثناء.. ثم أعقب ذلك مؤخراً قدوم اللاجئين العراقيين والسوريين والعمال المصريين كضيوف على حاضرة هذا المكان الطاهر الآمن.. ذاكرة مكانية تتأجج فيها الصور المؤلمة ويجتاحها الحنين.. ذاكرة من فقد كل شيء، وبدأ من جديد في رحلة البحث عن الذات، وبناء المستقبل، بعصامية الرواد، ونجاح المتمسكين بحقوقهم، قصص تنبض بها المدينة؛ حتى صارت بتعدد ألوانها المتفردة عروس المدن، وجميلة الجميلات بكل ما فيها.. كلهم بدءوا من هنا..باعة مألوفين، وشائج من الألفة والتعاون أخذت تسود بين التجار المتجاورين كل يوم، فمحلات العطارة والقصابين، وبيع القماش والأسماك والخضار والسمانة، وهم يُخرجون بضائعهم لعرضها بعناية على الأرصفة.. في مثل هذه الأماكن تكتشف حقيقة المدن العتيقة، وها أنا أتجول متنسماً العبق العمّاني في سوق داخلي شامل تفوح من المحلات والبسطات المتقابلة فيه، روائح التوابل والزعتر والميرمية والأشياء القديمة والأجهزة الكهربائية والخلويات.. نكهات تشدك للعودة إلى الذاكرة المتوقدة، فلا يخرج عن ذلك حتى المطاعم والمقاهي، ومساحات تحتلها بسطات الملابس القديمة، ومطارح تتخذها السيارات مواقفاً لها، وأخرى تحتلها حافلات الركاب للقطاعين العام والخاص.. وكان الرضا يسود بين الناس لوجود “الباص البطيء” الذي ظل كذلك إلى وقتنا الراهن حتى بدأت فكرة الباص السريع على الورق وكأنه قدر يرافق عمان إلى الأبد..وكان السؤال الذي يعربد في رأسي يلوح فجأة أمامي: لماذا هذا التباطؤ في تنفيذ بعض المشاريع في مدينة كأن نموها المتاعظم يشكل ظاهرة بين المدن العربية! وهل يظل الفساد عائقاً في طريق التنمية الشاملة! ويبقى الأمل ماثلاً أمامي رغم ما يضج في رأسي من أسئلة تثقل على المزاج ورغم ذلك يبقى مرفوعاً.. فأنا ابن قاع المدينة .. أبو العبد الذي ارتقى في السوق بعصامية، من مهنة عامل تكنيس مروراً بعتال وسمسار وصولاً إلى تاجر يحترمه الناس!.

هذه عمان والمفارقات التي تبين ملامح مدينة عريقة تتقاطع أو تتعارض في قاعها المفارفات الإنسانية والسياسية والاقتصادية الصغيرة والكبيرة، إنها حكايات عماّنية تتفتح كالورود فتفوح منها العطور أو عبق التوابل حتى عرق المتعبين.. وقاع المدينة الذي يضح بالحياة، حينما تتصافح عيوني مع ملامحها الخارجية لتتسع حدقة الذاكرة في تفاصيلها العمبقة المتصلة بشغاف قلبي، فأعيش معها حالة غيبوبة الهيام.. وأطوف الطرقات العتيقة كعاشق يبحث عن ضالته في الأماكن وجوه الناس.

مكائد صعيرة

أفيق من غيبوبة التمازج مع الأمكنة المطيبة بالذاكرة، على ضجيج السيارات المتزاحمة، وأصوات الباعة وهي تجأر في تنافس لا ينتهي، مدللة على سلع تالفة .

لأكتشف كيف أن تفاصيل المدينة مرتع للملائكة والشياطين.. مدينة حية.. وتخالجني أفكار عبثية كلما وقفت مع حشد من الفضوليين تحلقوا حول سمسار يزايد على بضاعة مضروبة ، كان لها قبول مستهجن لدى الحضور..!

أخذت تبهرني هذه المصيدة..!

لأننا نعرف أنها كذلك وبرغم ذلك نمارسها خاسرين !

تطير الأرقام إلى أعلى، وصولاً إلى الطعم الذي يلتقطه أول مغفل فينا، فينهمك في التقاط السلعة التي تُرمى إليه ، محتفياً بالنصر، فإذا هي مهزلة.. !! قامت بأدوارها ثلة من البائعين المشاركين في الصفقة ، ومزايد واحد راح يحتفي بخيبته، ومشاهدون تركوا الطعم لغيرهم .. وقد غشى سمعي صوت أجش لأحد المارة من خلفي، وبلهجة أبناء الشوارع، إذْ لكز كتفي بغتة بيده الغليظة.. فزكمت رائحة الخمر المنبعثة من فمه، أنفي:

“واقف وسط الطريق مثل الحيط.. شو! أعمى ما بتشوف!”

قلت لنفسي بأنها إهانة لن أقبلها.. واستجمعت جماميح غضبي في قبضة يدى حتى إلقيها إلى ذلك المعتوه الذي تجاوز حدوده معي! فاستدرت لأرى مصيري في عيون مارد مفتول العضلات، وقد غُطيت يدُهُ بالأوشام.. فانفجرت أساريري دون أن تشرق شمس الرضا على وجه الرجل المربد! فابتسمت مرغماً وبسطت يدي بهدوء مردداً أسفي على مسامع الغضنفر المتأهب أمامي، حتى انصرف وأنا ألعنه في سري دون أن التفت إليه..

هذا هو قاع المدينة، بضجيج مشاته، ولغطهم هنا وهناك، وكانت أجراس الكنائس تطرق في أيام الآحاد، أما أيام الجمع فكانت الطرقات المحيطة بالجامع الحسيني الكبير تخلوا من السيارات العابرة، لاكتظاظها بالمصلين، حيث تكون أكتاف المارة بعد انقضاء الصلاة و إنفضاض المصلين، في تقابل يصعب على الباعة المخالفين الهروب، حالما يطاردون من قبل مراقبي أمانة العاصمة بمؤازرة رجال الشرطة .

كل الدروب تمر من هنا

استوقفني كشك أبو علي أمام البنك العربي، كدأبي كلما وطأت قدمي هذا الشارع الممتد من ساحة جامع الحسين الكبير حيث يتوارى خلفه محلي التجاري، وهو جدار مسجد وردي مزين بالزخارق والمقرنصان, ويمكن مشاهدة صحن الجامع من خلاله، والمحاط بالأروقة وتتوسطها موضأة تعلوها مظلة من القيشاني المزخرفة، وتعلو المسجد مأذنتان أطولهما بنيت بطابع مملوكي والقصيرة بطابع عثماني. ويستمر الشارع في الجهة المقابلة حتى تفرع شارعي زهران يميناً والسلط يساراُ، ويلاحظ كيف أن زحام السيارات والبشر جلبا لقاع المدينة في مثل هذه الساعة المبكرة الضجر حتى تتهادى الحركة فتتبدى ملامح مدينة عجرية نظيفة غاية في الجمال.. . فكل الدروب عبر المدينة إلى أطرافها يمر من هنا.

طقطقة ألسن على الزناد

وأمام كشك أبو علي، كانت العيون تختطف العناوين الرئيسة، معبرة عن خيبات دفينة!

ترى ما الذي يشدها في ذلك !؟

رحت أتصفح العناوين الرئيسة، وخاصة تلك التي تتوشحها الجرائد الأسبوعية، كونها لا تصلني كل صباح ، كدأب الصحف اليومية التي اشترك فيها سنوياً.. وخاصة أنني لا أستطيع التعامل مع هاتفي الخلوي وقد انقطعت عنه خدمة النت، فماذا هنالك..؟!

” الانتخابات انتهت.. لم نختبر كفاءاتهم بعد.. فلا بد سيكون منهم الصالح والطالح.. لكن البوادر تقول شيئاً آخر! فأحد النواب شطح بعيداً وهو يقترح على رئيس الحكومة بأن تزداد ساعات العمل حتى الخامسة مساءً بعد مرور أزمة الوباء على خير؛ لتعويض فترة التعطل التي تسببت بها أزمة كورونا.. فاجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الشتائم ضد هذا النائب الذي جدد موجة السخرية بحق النواب الجدد!

كانت شعاراتهم إبان الحملات الانتخابية موحدة المضامين، لعل أبرزها: لا لصفقة القرن.. لا للفساد.. إلا نائباً واحدا إذْ دعا أبناء منطقته إلى مؤازرة مطالبه في نيل حقوقهم المعنوية من المنشآت الاقتصادية التي تنتشر في حياضهم.. تساءل أحد الواقفين:

“أليست هذه بلطجة”ولم ينتظر الجواب إذ حدجني بنظرة ارتياب واختفى عن الأنظار.. خلافاً للرجل الآخر الذي أجاب باهتمام:

” تم سجنه وخرج بالكفالة”.

ضرب آخر كفاً بكف مردداً بأسف:

” نواب آخر زمن”.

لكنني علقت في سرّي:

” ورغم ذلك يتم انتخابهم من جديد! هذا هو ثمن الديمقراطية العرجاء.. حينما يكون الفساد الجماهيري أحد أسبابها.. ليس فقط ما تردد أنه شراء أصوات ومناكفات جهوية وعشائرية وطائفية وحزبية، بل تغاضي حكومي أحياناً بذريعة الحظر درءاً من تفشي وباء الكورونا القاتل.. والضحية دائماً ما تكون الديمقراطية التي ستذبح في وضح النهار، فَتُوْلَمُ على موائد اللئام”..

ما زلت أتصفح عناوين الصحف دون أن ترف لي عين الخجل.. “بلادة والعياذ بالله” تمر سيارة مسرعة من فوق بركة مياه صغير لم تلفت انتباهي إلا حينما رشقتنا بالمياه العادمة، وكان بوسعي تفاديها، بينما أخذ المارة يشتمون سائق السيارة وبائع العصير المجاور الذي تسبب بها، وتركت المشهد وتداعياته، وأخذتني العناوين البراقة إليها من جديد، ولسان حالي يقول باستهزاء:

لا شيء جديد! فلا عجب..

مجرد طقطقة ألسن على الزناد.. وانفجارات في الحناجر المرطبة بالشراب الفاخر، وحلوق مطيبة بعبق السيجار الكوبي الفاخر.. كلها أخبار تتوالى عن محارق الحرب في اليمن وليبيا والمؤامرة على سوريا، وفلسطين.. والتراكض المجاني خلف أوهام التطبيع مع الصهاينة.. أوف!! هذا عبث شيطاني في تفاصيلٍ نحن جزء من مكوناتها!

آه يا رأسي، أشعر بأن جمجمتي سوف تطير وأنفاسي ستلفظ من مبلغ هذه القذارة التي تسد علينا منافذ الهواء في زمن الرياء ومواخير السياسة والذباب الإلكتروني المتفشي فوق العباد!..

رائحة الأمونيا

فقد وقع نظري على صورة نائب أعيد انتخابه من جديد رغم فساده وتهم التطبيع التي يلاحقه بها الناس.. وإلى جواره في الكتلة الفائزة بعض الفرسان ممن ظفروا بالفوز! منهم في نظر الناس الصالح والطالح.. . كانوا فرساناً، يبتسمون بخيلاء وعظمة، صورهم تغطي مساحات كبيرة في الصفحات الأولى، يتوسطهم وجه مرشح يسوده الوقار؛ لكن في عيونه مراوغة تختبئ خلفها رغبات إقصائية وميول للتطبيع مع العدو الإسرائيلي.. شيء جميل !!

تنفست الصعداء مستهجناً أمر هذا المرشح الوصولي..!

فشعاراته كانت من نتاج همومي، وأخذ المرشح بدلها نقداً من جيوب الفساد.. إلا أن المفارقة المؤلمة تجلت في الصورة المهملة لأحد المثقفين الملتزمين وقد مزقها البلطجية وألقيت في زاوية نائية غير لافتة !فاستغلها رواد الخمارات والمشردين تحت أستار الليل للتبول..! اللا إرادي

لم أقرأ شعاره فرائحة البول كريهة.. مثل الخل أو الأمونيا.

بالمناسبة إلا تذكركم رائحة الأمونيا بتهديدات حزب الله التي جعلت نتنياهو ينقل مصنع الأمونيا من بين الأحياء المأهولة في حيفا إلى صحراء النقب وبذلك سيكون خطر المقاومة في غزة أقل وطأة على المحتلين من نصر الله الذي إذا قال فعل!!

وأخيراً لفتت انتباهي تلك السيجارة التي اعتصرها المثقف ذاته بين اصبعيه في صورة له بدا فيها مشرئباً بشعاراته الرنانة الداعمة للكتاب، فوق المكتبة المقابلة..

ترى ما نوع هذه السيجارة.. هل حشيث بأفيون الثقافة أم بمنشطات الوعي، أم ب..!

وانغمست بعد ذلك في قراءة شعاراته:

” أوقفوا المأساة ..

شرّدوا الذاكرة إلى مكان آمن !

لا تهدموا المقاهي”. وشعارات أخرى يدعو فيها إلى مقاومة التطبيع ومحاربة الفساد وإنصاف الكتاب وتحرير العقل العربي من الأوهام والطائفية.. والحبل على الجرار.

التطبيع والذباب الإلكتروني

كانت هناك أيضا أحاديث عن السلام مع العدو الإسرائيلي.. كلهم ضد التطبيع المهين، ولكن الحال سيختلف على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مؤيد للتطبيع يعززه الذباب الإلكتروني المجير للصهاينة، ورافض له من الغالبية الكاسحة.. ثمة حوارات أخرى، فَمِنْ مندفع في مؤازرته للنظام السوري وآخر متباكي على المعارضة غير آبه بالقصف الإسرائيلي لسوريا.. و(السيسي) دائماً في قلب الحدث، لكن شعار رابعة العدوية يعيده إلى مربع انتهاكات حقوق الإنسان . بالمناسبة هو اليوم في فرنسا لدعم الرئيس الفرنسي ميكارون الذي ناصر الرسوم المسيئة للرسول!!.

قال احدهم من ورائي معلقاً على خبر ما :

” سوف نرى “

ثم انصرف، فقد لمحته بطرف عيني متلثماً بكوفية متسخة..هل كان خائفاً ؟!

أوه … لقد وجدتها ..

فحين يطمُّ الخوف حشايانا.. نراوغ ظلالنا من باب الريبة والاستهجان، فربما أخافته أناقتي ففر مرتاباً بأمري!؟

كل شيء جائز.. حينما تنثال مشاعرنا المتضاربة شلالاً على قلوبنا الملتهبة تتبخر كأنها قطرات ماء على صفيح ساخن.

وقف إلى جواري أحد المجاذيب، لكنه ضحك منسحباً ببلاهة، سيطوف قاع المدينة كأحد أسرارها .. تراه من يكون؟‍

وهذه حروب صحفية لتأكيد الذات، سلطات تتقاطع آراؤها، وأخرى كالمطاحن تدور رحاها على صفحات التواصل الاجتماعي فتحدث قرقعة دون طحن!!

تُرى أين كان يختبئ هذا الجنون!؟

حينما طَرَدَنا صاحبُ الكشك

وأخيرا.. أخذت الصفحات الأخيرة طابعاً مثيراً، مجرد صور ملونة لنسوة شبه عاريات، وتعليقات ساخرة نبررها لأنفسنا في المجالس، ونحاربها في الضوء، قضايا مثيرة :

تزوير، قتل بدعوى غسل العار.. اغتصاب بدعوى الزواج والسترة المبكرة للفتاة.. خيانات زوجية خلف أقنعة متعددة الأشكال.. محاكمات تدين وتدان.. جماعات مسلحة .. سجون تبحث عن شروط جديدة للنزلاء.. مثلما هي الحقائق في أعماقنا.. اقتصاد يقاوم الركود في ظل إغراءات يسيل لها لعاب الفاسدين من شركاء المافيا.. الدولار يلمع في عيون التجار.. وتذبذبه يفجر الانفعالات في سوق المال ومجالس التجار.. وصفقة القرن تثير امتعاض الشرفاء بينما تدغدغ البطون المترعة بالخمج، والمندلقة أمام أصحابها كأنها أكياس نفايات، فتوحي بعدم اللياقة البدنية أو حتى الجوهرية والأخلاقية..

فهل نخرج متحررين من براثن التخلف الاقتصادي لنعلق بين أنياب الدولار؟! وماذا لو تحررنا من الأخير ساقطين في معدة الباندا الصيني أو الدب الروسي! الأسئلة كثيرة وزوابعها مثيرة للرماد.. والبركان يتنفس فوق القمم والمؤتمرات منذ عقود خلت..

سوف نرى!

أبدى صاحب الكشك احتجاجه : يا شباب.. بدنا أنشوف الظو”

كانت شر طردة، خرجت بعدها من بلادتي، فتابعت المسير .

نظرت إلى الساعة ، لدي وقت.. فلم الاستعجال؟!

لفتت انتباهي إعلانات دور السينما.. !

كانت تتوارى عارضة أفلاما جنسية، فيما راح يتسلل إليها الملثمون، يشربون هناك، ويدخنون السجائر الرخيصة، ثم يحطمون أضراسهم بالمكسرات، بعدها يخرجون بذاكرة مسلوبة، قاهرين السلطات بأنواعها، ماذا لو مورست هذه الحرية في وضح النهار؟! ربما أفرجت الشبكة العنكبوتية عن كبت الميسورين! وهؤلاء!؟.

سوق الحرمية وأسرار صغيرة

سرت على محاذاة الساحة الهاشمية، وهي تستقبل الرؤوس الباحثة عن الاسترخاء ، ثمة أماكن ضبابية هناك ..!

لا تقل كيف عرفت!!؟ الوعي لدينا قادر على استجلاء أشياء لا نريدها ..!

فهذا سوق تباع فيه السلع المسروقة، قرأت عنه في الصحف الأسبوعية. ” وحذاري أن تكون من رجال التعقيب، لأنك لن تقف على السارق الحقيقي خلف الباعة وهم يدللون على بضائعهم التي أكل غثُها سمينَها”.

وهو كشأن سوق العمال في ساحة الجامع الكبير، إذ يشتري المتعهد ما يشاء من السواعد الفتيه و القلوب، المحملة بالهموم، فقط وبخمسة دنانير يعود العامل بعد استغلاله محطماً من هول الشتائم الجارحة للكرامة التي يطلقها لسان المتعهد الجشع أحيانا دون حسيب أو رقيب: ” اشتغل يا لوح”.

ألا يدرك هذا الدب بأن اللوح سلاح يدمي لولا العوز الذي يجلب الشقاء!

وفي وضح النهار، قبل أن تذبل زهرة النور، وتتجاوز الظلال الأرصفة المهملة إلى الطرقات المرصوفة بالخيبة والشقاء، ثمة بنات مشبوهات يتحركن كالقطعان، يتلفحن بالملاءات التي يحجبن المفاتن عن الأنظار.. تراقب تحركاتهن المشبوهة عيون متربصة لرجال الأمن لرصد أخطائهن واعتقالهن عند الضرورة ، وأخرى مختلسة لرواد المواخير، فيما يختلج أمثالي إحساس بالرضا، وأنا مختلس النظر إلى ما هو محجوب، فتتعادل مشاعري مع الملثمين، ممارساً حياتي، هازئاً بالنميمة! فإذا صدورنا أسرار محجوبة لو أميط عنها اللثام، لمادت الطرقات بنا من ثقل الأقنعة المتساقطة.

هل تريحني هذه الأفكار!؟ ربما ..!

فما زال الوقت متوفراً لدي ، فلا أرغب في العودة إلى ملاعب الصغار والكبار في الشركة التي نمارس مماحكتنا فيها، في ظل مصالح تأخذنا الدسائس فيها إلى غياهب المجهول.. فقط نقول بان المركب يسير..

ولكن إلى أين؟!

ربما نتعادل مع الجميع ..!!

كانت تأخذهم الدروب في قاع المدينة قطعاناً، وعلامات مرسومة كالأوسمة على سواعدهم، يصنعون بطولاتهم في هوامش الحياة.. ثم يأخذهم القصاص تحت الشمس، يأخذون أحيانا الإتاوات، ثم لا يستريحون إلا في الحانات، أو وراء الجبانات لاحتساء الخمر، ولإدارة معاركهم الخرقاء أمام زوجات مسحوقات، أو ضحايا عابرين كي ينتهوا إلى السجون من جديد.

ذاكرة المكان والتفاصيل الصغيرة

مشاعر من الغبطة والحبور كانت تخالجني كلما وطأت قدماي هذا الشارع الممتد حتى سوق السكر القديم، شيء مألوف قديم يزكم الأنوف، ويسري مع خفقات القلب المتعب إلى سائر هذا الجسم المنهك، فيستشعر مكامن القوة. فيما تندفع قدماي إلى الطريق، مشنف الأذنين، فتتسع عيناي، وتنفتح صناديق الذاكرة المزدحمة بالصور المتقابلة .

تنفس رجل طاعن في السن الصعداء كان ينتظر سيارة أجرة..موضحاً:

” لم يكن مبنى البنك العربي قائماً، إذ كانت تفور مكانه نبعة غزيرة المياه يرتادها العطاشى وهم تحت شمس آب اللهاب في ستينيات القرن المنصرم، بعد النكسة بقليل.. في زحام المنتظرين لحافلات الركاب ( طوباس، نابلس، الخليل، القدس ، الكرك، معان) وذلك في ساحة السعادة ، وهي الآن نفس الشارع الذي يتفرع إلى شارعي السلط والعبدلي ، وللعلم.. فقد كانت عمان هي السيل ، والمدرج الروماني.. والجبال السبعة التي بدأت تدب فيها الحياة، ولم يكن هناك مشروع اسمه الباص السريع.. لأن السلحفاة لو انطلقت منذ ذلك الزمن البعيد لرفعت علم الأردن فوق القطب الشمالي وصفقت لها الجماهير العريضة!. وهذا لن يحدث في زمن التردي والأفول.. وقد استشرى الفساد وهزلت القيم وبات التطبيع عند بعض العرب بطولة والكرامة تنازل إلا من رجم ربي فإن خليت بليت.. وصفقة القرن تلوّح بالخراب، وفوق كل ذلك ما فتئت تتربص بنا الهموم والأزمات وعدم الثقة بشيء، وصار لا بد من مستشفيات جديد لعلاج الأمراض النفسية والنيابية وعقد النقص والتطبيع والفساد والنفاق وارتداء الأقتعة التي لا لزوم لها.. لا بد من مساعدة المحبطين من الباص السريع ودلالات الخيبة التي رافقت كل تفاصيله منذ البداية، ووضع حلول لتفشي ظاهرة الجريمة المنظمة وقيام البلطجية بالعمل في اللجان الانتخابية لالتقاط الرزق وتأمين الحماية لتجارالأصوات في الأماكن المتوارية، أو تنسيط سوق السلاح والمخدرات وما ينجم عن ذلك من جرائم يندى لها الجبين، مثل تقطيع أجساد الفتيان اليافعين انتقاماً من آباء بلطجية آخرين في دورة حساب لا يسقط في أتونها إلا الأبرياء.. خرج رجل من أحدى جلسات المحكمة وهو يرفع يديه إلى السماء شاكراً الله على نعمة الأمن والأمان.. وكان أحد الشباب المتعبين ممن يبحثون عن عمل في زمن تفشي الكورونا، يطوقه بأسئلة مبهمة باغتت رأسه المصدوح وقد غطت الكمامة المتسخة جزءاً كبيراً من وجهه المربد، ولم يستيقظ من غيبوبة السؤال إلا بعد أن أغلق فمه بغتة، إذْ اخترقت حُرْمَتَهُ ذبابةٌ ليست إلكترونية، وراح يبصقها وكأنها نوبة اختناق ألمت به بسبب أخبار كاذبة مرت من فوق لسانه.

ورغم ذلك كان بوسعي وأنا أتجول في قاع المدينة تصفح الذاكرة المكانية كلما زرت مطعم هاشم وسط البلد، وما قد احتسيه في مقهى البرازيل بجوار البنك العربي .. وما أشاهده في سينما الفردوس التي أقيم محلها الآن مقهى العاصمة الذي تهدم وتحول إلى مبنى يضم مكاتب تجارية.. ومقهى بلاط الرشيد الذي تحتفي جدرانه بكل أعلام الكرة الأرضية إلا علم دولة الاحتلال الإسرائيلي.. والمسجد الحسيني الكبير وهو يطلق العنان لمجوّد الأذان بصوته الراسخ القوي، كي يأخذني بتسابيحه إلى فضاءات الروح وتسابيح الإيمان.. وذكرياتي مع مذياع أبو خليل الكبير أمام دكانه على المسطبة وهو يتقيأ بأخبار السياسة أيام زمان قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والذباب الإلكتروني المثير للفتن المناطقية والجهوية والطائفية.

طوى الرجل ذاكرته ، وانهزم غاطساً في الزحام وتركني في حيرة السؤال.

حتى المارة يدخلون الأحداق ، ويتابعون التجوال في الذاكرة ، فهذا متسول بأسماله البالية، وذاك ماسح الأحذية يجلس القرفصاء إلى جوار مدخل سوق البخاري، محتوياً إحدى الأحذية بيديه، فينفض الغبار عنه ثم يمسحه بالدهان، مترنماً بحيوية ونشاط.. تلاقت عيوننا، ابتسم لي، لولا انشغاله لحياني واقفاً، فهولا ينسى لقاء ذات يوم، حينما جمعتنا ظروف الشتاء تحت المظلة الإسمنتية الخارجية لخمارة لا أذكر اسمها، مررت بها وقد فاح من بابها المشقوق عرق القوّادين ورواد الخيبة والمقامرين.

حتى باعة الكعك بالزعتر، وهم يعبقون الأرصفة بأريج الزعتر الترابي.. يبثون أنفاس طفولتنا في سبعينيات القرن المنصرم .. قبل أن نتخرج من الجامعات المرموقة ونقيم مصالحنا الناجحة، إذ كنا نعهدهم في باحات المدارس الطينية، أو بجوار صنابير المياه العامة في مخيم الوحدات، أو يصطادوننا ونحن نرمقهم بعيوننا الجائعة فيما يشد الواحد منا ثوب أمه المنهكة في طوابير المؤن، قبل أن تدخل الدهاليز المزدحمة باللاجئين والتابعة لمبنى الوكالة، وبالرغم مما عانيناه من قرص وصفع؛ إلا أننا كنا ننال وطرنا في نصف كعكة، نأكلها مغمسة بالدموع.

مشاهدات ألفناها مذ عرفنا الشارع القديم،المدرج الروماني.. سبيل المياه.. سقف السيل.. فصارت من ملامحه. لكل شيء بداية، حتى الطريق له بداية، والمدينة والناس فيها.. إذ تتكحل بمنابتهم المختلفة، وقد نثرت الجبال السبعة القديمة أهلها في حدود أوسع.. لتكتمل الجوهرة عراقتها، فلكل مدينة عشاقها..

وحينما تتجول في المدينة ذات يوم ، ستقبل على غدك حكيماً ناضج الملامح،هذا هو إحساسي كلما أخوض هذه التجربة وحيداً، أتوغل في عيون المكان، وأهيم بعدها عشقاً بخلجات الشارع، ونبض الزمان، إذ يخرج الضجيج حياً من أعماق الناس، في تناقض متفرد، وزهرة النور تتحرر من الذبلان فيتمطى النهار مستوقداً شعلة الأمل في مدينة حية لا تنام.. عمان..

12 ديسمبر 2020