جيفارا…!
د.موفق محادين.
ليست الطلقات في الرأس والجنبين، وما يقال عن كلاب الجنرال المستوردة خصيصاً لرفاقك الستة في الانديز أو عن كمين الجنود والوشاة الصغار، مقابل إجازة ليومين أو قميص عسكري موشي بنياشين القماش، أو حذاء أمريكي طويل.
ليس موتك المفاجئ ذاك، بل موتك المعلن الجديد.
خمسون عاماً ويزيد، ولم تخرج في يومك الثالث إلى الناس والتلاميذ، مثل أي نبي يمضي في الخريف، ويعود مع شقائق النعمان في الوريد.
كل هذا الوقت، والذين يخرجون من قبرك إلى قبر بوليفار، لا يهتدون أبداً على الطريق بين الجليل والشام، ولا يجيئهم المسيح في المنام.
فالصديق القديم في غابات كاتنغا، أخذ القبائل بحرب السفارات وثارات كنشاسا، وباع لومومبا في طبق من رخام.
والبرجوازي الفرنسي الصغير في باريس، مشغول عنك وعنا إلى جانب الرئيس.
واليسار الذي أدار الظهر يوماً للطلقة الأولى، يدير الظهر ثانية لشيخ هافانا، ويحذر الفقراء من لعبة البنادق في جيش ساندينو وزاباتا، ومن نجمة تضيء البيريه الداكن كما نجمة المخلص في الجليل.
كل هذا الوقت، والكون يدور على قرنين من دمنا، ويميل علينا كثيراً وطويلاً، فنزدلف وراءك من كل فج عميق.
نرقب الغرانما ثانية، من أعلى النخيل، وننتظر زرقة الموتى هناك بلا جدوى، كأنما سدوم غير آثمة بما أساءت لخلق الله في حقول التبغ والشاي وعنابر العبيد.
وكأنك يا صاحبي لم تضرب البحر بعصاك بعد، ولم تطلق الطير فوق الماء، نحو بر نوح البعيد.
خمسون عاماً ويزيد…
والفقراء يصدقون صناديق الاقتراع، وينامون ليلتهم باغتباط شديد، ويستيقظون، من غفلتهم على سيد جديد.
