ليبيا بين الخيار العسكري والسياسي!
رنا العفيف.
الصراع الإقليمي في المشهد الليبي تزداد حدّته بعد التدخل التركي، حيث كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية أنه “لا وقف لإطلاق النار في ليبيا قبل انسحاب الجيش الوطني الليبي من مدينة سرت والجفرة الاستراتيجيين”، كما أوضح أيضاً أنّ “حكومة الوفاق مُصّرة على استئناف الهجوم في حال عدم انسحاب قوات الجيش الوطني من سرت والجفرة، التي تضم أكبر قاعدة جوية وسط ليبيا، كما وأن أنقرة ستدعم حكومة الوفاق”.
إذاً، ماذا يحصل في الملف الليبي؟، وعلى من تقع المسؤولية الكبرى في حال احتدم الوضع عسكرياً ولصالح من هذه اللعبة الخطيرة؟.
الولايات المتحدة الأمريكية دائما تزرع الفتن لشركائها وغيرهم، لتبقى خيوط اللعبة بيدها، وما يحصل من كسب رهانات في البقعة الجغرافية على الأرض الليبية، ليس سوى مصيدة للجميع، لأن المستفيد الأول والوحيد هي واشنطن، فمنذ أنّ خططت لقتل معمر القذافي عام ٢٠١١، وليبيا في حالة فوضى خلاقة، وأصبح شرقها تحت سيطرة قوات اللواء خليفة حفتر، وغربها في أيدي المجموعات المسلحة المُساندة لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، وذلك على الخطوط الأمامية بين مدينتي مصراتة وسرت.
سياسة تركيا تدخل الإقليم وتعززّ وجودها العسكري لدعم حكومة الوفاق، بينما مصر ستتصدر المشهد العسكري في حال تعرضت سرت للتهديد.
بالطبع هنا الملف معقد جداً ومتشابك، لأنّ أوراق المصالح اختلطت بأوراق السياسة، والمفاوضات تحتل الخيار العسكري، أيّ أنّ ما يحصل قد يكون رسائل متبادلة بالحرب النفسية، والابتزاز السياسي الإقليمي عالي المستوى، خاصة وأن هناك دول أخرى تحاول السيطرة على حقول النفط الاستراتيجية، لتدخل كل من مصر وأنقرة رقعة التوتر، و لتتسع الدائرة حول حقول النفط، ليكون التركيز على سرت لما تحمل من أهمية استراتيجية بالطاقة، فهناك فرنسا وألمانيا وأمريكا وتركيا وغيرهم، والمفاوضات السرية جارية بحسب المخطط الصهيوني لتقسيم ليبيا، وأخذها الى حافة الهاوية، لتغيير الحسابات الإقليمية بتغيير اللاعبين في هذه المرحلة، وبرز اللاعبين هي فرنسا التي تُجيد اللعب على الخط الاستراتيجي الاستعماري في خارطة التقسيم، ولكن الأدوار هنا مختلفة كلياً، لأن الصراع بأكثر من اتجاه، لا سيما وأن تركيا وجهت رسالة لمصر لربما تكون انفتاحية في حال لم تستوفي الشروط المطلوبة بالملف الليبي، خاصة بعد نشرها خارطة وجودها العسكري في المنطق، والسيسي يوجه أيضا رسالة للقبائل الليبية بأن مصر قادرة على الحسم السريع وتغيير المشهد.
واشنطن تدعم أنقرة لأن الوعود الاستعمارية ما زالت مستمرة إلى جانب الخديعة، ليتقدم أردوغان قائلا بأن خطوات مصر في ليبيا غير مشروعة كما تلقنه واشنطن، ومصر لا تريد تمرير جماعات عند حدودها مع ليبيا، علماً بأن مصر مُحقة في الدفاع عن أمن حدودها في ظل هذه. اللعبة الخطيرة، فـ كيف ستكون السيناريوهات والمقترحات السرية الغير معلن عنها للتوغل العثماني في ليبيا؟، وما هو الدور الأوروبي في هذه المواجهة؟، وهل سيكون هناك صدام عسكري بين أنقرة ومصر.
أولاً- لا أعتقد أنّ مصر ستقوم بالمواجهة لأنّ ليس من مصلحة أحد ما يحصل، فالأمر أشبه بمناورات لكسر طاولة المفاوضات، لعلها تُخفض رقعة التوتر إضافة لجس نبض الأطراف الأُخرى.
ثانياً- لربما إذا ارتكبت أنقرة حماقة عسكرية فإن مصر سترد وهنا لربما ستكون تداعيات أُخرى ليست في الحسبان وإنّ حصل هذا ستكون واشنطن هي من قررت لأنها مستعجلة على حصتها لتلوذ بالفرار وتُوقع الجميع في حرب تقسيم من الصعب تداركها لأنها تلعب دورها بعيداً عن المشهد. ثالثاً- المصالح المرتبطة بالاستراتيجيات والخطة الفرنسية ستُأخذ بعين الاعتبار ولكن لطالما روسيا وإيران لم يأخذوا مبادرة في هذا الشأن، وفي حال تطور المشهد ربما سيكون الوضع حرج أكثر من اللازم.
لعبة الصغار ستكون بمثابة التمهيد للكبار ليكون الملف الليبي في مرمى الجميع لتُبعد إيران عن حلفائها خاصة بعد أن عقدت مع الصين صفقة اقتصادية، وهذا ما يقلق واشنطن وإسرائيل، فمن المعروف لدى الجميع بأنّ إيران مُتابعة واسرائيل ترصد تحركاتها وتتبع سياساتها مع الدول الأُخرى، لتكون عقدة السياسة من الصعب أن تتحلحل في ظل الظروف المتهالكة في المنطقة.
2020-07-22