طلائع الفدائيين….. 4!
أبو علاء منصور.
قال موسى أبو كبر الذي عاد إلى الأرض المحتلة في شهر حزيران من العام 1968 ضمن دورية استشهد فيها خمسة من رفاقه واعتقل أربعة آخرين: كان في سجن نابلس هوس أمني. أعضاء الدوريات يحققون مع كل من يشتبهون به. حُقق مع موسى خضر فكفر بفتح، كان يصيح أنا فدائي ولست جاسوساً! ضُرب بمسمار في خاصرته! وهناك من حُطم رأسه بمغسلة ليُكتشف لاحقاً أنه مظلوم. نقلتُ إلى سجن عسقلان. حصلت مشكلة كبيرة بسبب اتهام الجبهة الشعبية لفتح بالرجعية. حُلت المشكلة بمجيء مهدي بسيسو (أبو علي بسيسو) في العام 1971. كان بسيسو أكبر منا سناً واستقطب السجن بأفكاره الجديدة، رجل وحدوي وصاحب منطق جامع. حاول البعض اعتراض طريقه لكنه مضى وأيدته الغالبية، كانت كلمته مسموعة. أنقذنا مجيئه من الوقوع في فتنة. في سجن عسقلان الغالبية مؤبدات ودوريات عسكرية، متمردون، وبعضهم ضربوا رجال شرطة، لكن الوعي ضعيف ما عدا عند القوميين العرب وأشهرهم تيسير قبعة وربحي حداد. هؤلاء وآخرون أحدثوا منسوباً متقدماً في مستوى الوعي والسلوك. في هذه المرحلة كانت العلاقة بين فتح والجبهة الشعبية متوترة. عن تقييمه للدوريات قال موسى: معظمها لم تكن بالكفاءة العسكرية الكافية، فغالبية الفدائيين قادهم الحماس. كان هناك تناقض بين الحافز والجهوزية، ثم إن معظم قادة الخارج لم يُختبروا في مثل هذه التجارب. كثير من الدوريات أُسر أفرادها أو استشهدوا قبل أن يشتبكوا مع العدو. إحداها -دورية عين البيضا- استشهد عشرون من أعضائها أثناء اجتيازهم المخاضة في العام 1969. لكن قلة خبرة ضباط المخابرات الإسرائيليين، وضعف سيطرتهم على الأرض ساعدت الفدائيين في تضليلهم. عن مسيرة الحركة الأسيرة قال موسى: كان تواصل الأسرى في سجون الاحتلال مع القيادة في الخارج ضعيفاً لأسباب شتى أمنية وواقعية وغيرها. الأمر الذي لم يسمح بمعرفة ما جرى مع الأسير والاستفادة من خبراته. ظلت هذه كنوزاً مدفونة في رؤوس أصحابها. مأساة أخرى أن دور الأسير في الذهن كان ينتهي عموماً باعتقاله، فاكتُفي بالتغني بالشعارات الرنانة: الأسرى الأبطال! خمسة آلاف أسير! الأمعاء الخاوية…! وفي اتفاق أوسلو تجاوز المفاوض الفلسطيني شرط الإفراج عن الأسرى، فطوت الأيام أعمار المئات خلف القضبان. الروتين والفراغ أخطر ما يُواجه الإنسان في حياته عامة وفي السجن تحديداً. وأكثر المتأثرين بذلك هم المتميزون بطاقات حيوية! إن لم يُفلح هؤلاء في ابتكار وسائل تفريغ لطاقتهم تعرضوا لاهتزازات نفسية بعضها خطيرة للغاية، إنه التناقض بين فوران الطاقة وضعف الحيلة وضيق المكان. لكن الروتين والكآبة ليسا قدراً محتوماً. لقد أبدع الأسرى في تطوير برامج مكّنتهم من تنظيم شؤون حياتهم الاعتقالية وإشغال أنفسهم وتعبئة وقتهم وتقوية روح الجماعة بينهم عبر تشجيع الحوار، وإنشاء المجلات الفصائلية والوطنية، وتبادل الرسائل بين السجون، والقراءة وتعلم اللغات، والانخراط في برامج رياضية ساهمت في إخراج الأسير من عزلته. وقد مرت الحركة الأسيرة بمراحل: البدايات\الروّاد حيث كاد يقتصر الأسرى على فدائيي الدوريات القادمة من الخارج، وهذه تمتد ما بين 1967- 1972 وربما أكثر. في هذه المرحلة أصيبت الحركة الأسيرة بانتكاسة على خلفية ما جرى في معارك أيلول مع الجيش الأردني في العام 1970، وبعبور عشرات الفدائيين اليائسين نهر الأردن غرباً فارين من معارك الأحراش التي اندلعت في صيف العام التالي. وفي المرحلة الثانية التي تمتد ما بين الأعوام 1973- 1985 أضيف لعناصر الدوريات نشطاء خلايا من الداخل. في هذه المرحلة تأثرت الحركة الأسيرة سلباً باتفاق كامب ديفيد وبخروج قوات الثورة من لبنان وبتداعيات انشقاق فتح. وفي المرحلة الثالثة فاق عدد أسرى مظاهرات انتفاضة الحجارة التي اندلعت في العام 1987 نظراءهم في الدوريات. والمرحلة الأخيرة أسفرت عنها انتفاضة الأقصى وما تلاها.
قال أحمد الجمل الذي التقيته في منزله بحي المصيون في رام الله: اعتقلتُ أول مرة في مظاهرات السموع عام 1966، كنتُ منتمياً للقوميين العرب. قضيتُ عاماً في سجون الأردن. بعد احتلال الضفة الغربية اعتقلتُ في منتصف عام 1967، وأنا في الثانية والعشرين من عمري، وطالب في الجامعة اللبنانية ببيروت. كنتُ منتمياً للجبهة الشعبية، وكانت مجموعتنا أول مجموعة تدخل إلى سجن رام الله الذي لم يكن فيه فدائيون. كان هناك ثلاثة ينتمون لتنظيم محلي، متهمون بإلقاء قنابل على المدارس الأهلية احتجاجاً على فتح أبوابها للتدريس في وقت اتفق فيه على أن تظل المدارس مغلقة. أضربنا احتجاجاً على إهانة رجل كبير السن ومريض. عرفنا لاحقاً أن اسمه عز الدين من قرية بيت عور التحتا، وأنه على صلة بالفدائيين. أضاف الجمل: أيام ونقلنا إلى سجن الصرفند، كنا نموت برداً. نقلتُ إلى سجن بيت ليد -كفار يونا- وقضيتُ فيه عامين. أضربنا ثلاثة عشر يوماً مطالبين بكتب وجرائد فكسبنا جريدة الأنباء. نُقلتُ إلى سجن بئر السبع، حزازات بين التنظيمات، خاصة بين الجبهة الشعبية والديمقراطية. كنتُ منتمياً للجبهة الديمقراطية. فُرض علينا حرمان من قبل التنظيمات. كان هناك جلسات تنظيمة وبعض حفلات ترفيهية، وكانت زيارات الأهل شهرية وننتظرها بحرارة، فالأسير يرى العالم عبر الزوار ويشعر بالتواصل مع الحياة. في تلك الآونة كانت تجربة المحققين الإسرائيليين ضحلة. سُمح لي بزيارة خطيبتي لطفية الحواري المحكومة عشر سنوات. كنت أزورها كل ستة أشهر. بعد قضاء محكوميتي -سبع سنوات- أبعدتُ إلى الأردن، ولاحقاً أُفرج عن لطفية وتزوجنا.
قال يوسف قطناني (أبو الوليد) ابن الرابعة والثمانين من عمره، الذي التقيته بمنزله الكائن في ضاحية الأمير حسن شمال عمان في صيف عام 2018 عن تجربته: اعتقلتُ أول مرة في العام 1955 وفصلتُ من وظيفتي كمعلم في مدارس وكالة الغوث وتكرر اعتقالي. تنقلتُ بين سجنيّ الجفر والمحطة وزنازين المخابرات. كنت متزوجاً ولي أربعة أطفال. انتميتُ لحزب البعث العربي الاشتراكي واعتقلتُ في العام 1963. أفرج عني بعد عام ثم أعيد اعتقالي عام 1966. في العام 1968 قدمتُ استقالتي من الوظيفة كمدير للشؤون الاجتماعية في إربد والتحقتُ بالعمل الفدائي. تدرجتُ في المواقع القيادية فأصبحتُ مساعداً للأمين العام القطري للحزب في الأردن ونائباً لقائد منظمة الصاعقة. بعد انقلاب حافظ الأسد اعتقلتُ ومجموعة من رفاقي القياديين في تنظيم الصاعقة، وقضيتُ ثلاث سنوات في سجن المزة بدمشق. السجن كشّاف لنفسية البشر وتعقيداتهم. هنا يظهر الإنسان على حقيقته ولو تعلق الأمر بأتفه الأشياء. في السجن اختبرتُ نفسي وتعرفتُ على رفاقي الذين صمد بعضهم فيما انهار آخرون، ومنهم من فضحته أنانيته وضيق عقله. هناك أبطال رفضوا المساومة فقضوا سنوات طويلة في السجن. عما خسره بسبب السجن قال قطناني: لم أخسر شيئاً. دعمتني زوجتي واعتنت بالأبناء. حين فُصلتُ من الوظيفة قالت لي: لا تهتم، أنا خياطة. في تلك المحنة أدركتُ قيمة تأهيل الفتاة. آلمني موقف الذين اعترفوا عليّ وعلى قضايا ليست واردة في ذهن المحقق.
مع تحيات أبو علاء منصور
19\7\2020