الإستراتيجية الجديدة لتيارات التطرف العنيف ما بعد الكورونا!
علية العلاني – جامعة منوبة – تونس
في زمن فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 لم يتوقف الإرهاب في دول الشرق الأوسط وإفريقيا. وقد شهدت هذه الفترة عمليات إرهابية خلفت عشرات القتلى والجرحى في مصر ومالي وشمال سوريا وشرقها والعراق، هذا عدا العمليات الاستباقية التي حصلت في تونس والجزائر ومصر وسوريا والحويجة بالعراق لإجهاض عمليات إرهابية كانت ستحصل لولا يقظة أجهزة الأمن والجيش.
إن الظاهرة الإرهابية لا تزال إلى اليوم غير مدروسة بالشكل الكافي رغم الكوارث التي خلّفتْها داعش والقاعدة وبوكو حرام. واقتصرت مكافحة هذه الظاهرة على المقاربة الأمنية التي لم تؤد إلى تحييدها كما يزعم الكثيرون. فكيف تعاملت التيارات المتشددة مع كورونا؟
1) التيارات المتشددة دينيا زمن الكورونا وما بعدها
يعتقد أنصار تيار التطرف العنيف أن وباء كورونا عقاب إلاهي نتيجة عدم التقيد بالتعاليم الدينية. ويعتبرون أنفسهم أوصياء على تطبيق هذه التعاليم. ورغم الهزيمة العسكرية التي لحقت داعش والقاعدة مثلا في العديد من الدول العربية والإفريقية وزوال ما يُسمّونه بدولة الخلافة فإنهم مازالوا مُصرّين على استئناف عملياتهم حتى في زمن الكورونا التي راح ضحيتها عدد هام من السكان، بل نجدهم يستغلون فرصة الحجر الصحي للقيام بعمليات إرهابية مثلما حصل في عملية الأميرية بالجيزة في مصر في 14 أفريل 2020 وقبلها عملية إرهابية في تونس يوم 6 مارس 2020 في محيط السفارة الأمريكية أما دول شرق وغرب إفريقيا فرغم أنها شهدت آلاف الإصابات بكورونا خلال شهر مارس/آذار 2020 فلم يرحمها الإرهابيون إذ سجل هذا الشهر لوحده 20 هجوما إرهابيا وتسبب في وفاة 353 شخصا في 11 دولة إفريقية، وفي ذلك رسالة واضحة من هذه التنظيمات أنهم لا زالوا قادرين على الفعل. وفي شريط وثائقي بثته قناة “العربية الحدث” يوم 9/5/2020 ظهر العديد من الدواعش المعتقلين من الرجال والنساء في المخيمات السورية وهم متحمسون للعودة إلى القتال في صفوف داعش حالما يغادرون السجن وجاء في الشريط الوثائقي أيضا أن هناك آلاف من الأطفال والنساء الدواعش يمثلون جيشا احتياطيا لهذا التنظيم. وهو ما يجعلنا نقول أن التيارات الإرهابية وخاصة داعش في مرحلة ما بعد كورونا، ستواصل العمل بالدهس والطعن واستعمال المتفجرات، يضاف إليها الاستعمال المكثف للمنصات الرقمية لأن الفضاء الافتراضي هو المكان الآمن بالنسبة إلى هذا التيار بعد أن خسر مساحاته الترابية الشاسعة. وفي هذا الفضاء يتم التنظير لدولة الخلافة الافتراضية في انتظار توفر أسباب التحول إلى دولة الخلافة الترابية على أرض الواقع.
2) إستراتيجية التيارات المتشددة ما بعد كورونا
يرى بعض المحللين أن إستراتيجية داعش (وهي الفصيل الأقوى في التيارات المتشددة) في مرحلة ما بعد الكورونا تقوم على الاستثمار في الثورة الرقمية وتوجيه أنصارها للتدرب على الهجومات السبرانية (الإلكترونية)، وإنتاج أو استعمال تطبيقات وبرمجيات إعلامية فائقة التشفير تتمكن بواسطتها من تبليغ تعليماتها سواء كان ذلك في التعبئة أو التنفيذ. وسيصبح الاستقطاب نوعيا يتم التركيز فيه على المختصين في المجال الرقمي مع عدد محدود من الأنصار العاديين. فهذه التنظيمات المتشددة لم تعد بحاجة إلى عدد كبير من الأنصار إلا ما تقتضيه الضرورة في بعض العمليات، لأن كل شيء يتم التخطيط له في الفضاء الافتراضي. وستعتمد تيارات التطرف العنيف مستقبلا على نوعية خطاب ديني أكثر رقمنة من السابق. ويُتوقع أن يكون خطابا رقميا يمزج بين نماذج تراثية من القديم منتقاة بشكل يتناغم مع قناعاتهم، ونصوص دينية يتم توظيفها وإسقاطها بشكل متعسف على الواقع الحالي، كل ذلك ضمن إخراج متطور تقنيا صوتا وصورة وموسيقى متناغمة مع مضمون الخطاب الذي يهدف إلى التعبئة ويجعل المُتلقّي، وخاصة الذين لهم معرفة سطحية بالدين، منبهرين ومتحفزين للتضحية بأنفسهم إذا لزم الأمر لإقامة دولة الخلافة من جديد أو الموت دونها، لأن إقامة هذه الدولة في أدبياتهم واجب شرعي يتم عبر الجهاد ومحاربة ما يُسمّونه بملّة الكفر. ويكون الجزاء مضمونا سواء في الدنيا أو في الآخرة، ففي الدنيا يُذكّر تنظيم داعش أنصاره أنه تمكّن من إقامة دولة خلافة بمساحتها الترابية ومواردها المالية وجيشها ودواوينها لمدة ثلاث سنوات من 2014 إلى 2017 وأن سقوطها جاء بسبب ما يعتبره تألّب الكفار عليهم وخيانات بعض عناصرهم من الداخل، أما في الآخرة فالجزاء أكبر في نظره يكون في جنة الخُلْد والفوز بحور العين. وهذا النوع من الخطاب يستلزم قدرات فائقة في التسويق له، لأنه خطاب يهدف أساسا إلى غسل الأدمغة وهي أخطر عملية في مراحل التكوين لأنها تجعل الفرد منقادا لكل ما يُطلب منه. وقد أثبتت التجارب أن كل التيارات الدينية المُؤدْلجة تجعل من غسيل الأدمغة والسمع والطاعة شرطا ضروريا للتدرج في سلم التنظيم. كما أثبتت الوقائع أن عددا قليلا فقط من أتباع هذه التيارات غادر التنظيم طوعا، لأن غسل الدماغ لن يمحي إلا بمراجعات فكرية مضادة تُعيد للعقل وظيفته في الشك واليقين وهو عمل شاق ويتطلب خبرة وإلماما بأدبيات هذه التنظيمات وبالوسائل البيداغوجية التي يستعملها المكلفون بالتجنيد والاستقطاب لدى هذه التيارات المتشددة. وهذا ما يفسر عجز الحكومات عن تقليص تمدد ظاهرة التطرف العنيف لأن أغلب هذه الحكومات تعتمد على المقاربة الأمنية فقط. وحتى مراكز البحث المطالبة بمكافحة التشدد الديني في العالم العربي وأوروبا لم تصل لحد الآن لإنتاج مقاربة فكرية موازية قادرة على العبور بهؤلاء المتشددين إلى بر الوسطية والاعتدال والإقبال على الحياة بدل الإقبال على الموت. وهنا نطرح سؤالا: ما هو الأسلوب الأمثل في التعامل مع ظاهرة التشدد الديني؟ هذا ما سنراه في المقال القادم.