عندما تلهو القطط خارج منازلها تأخذ الفئران فرصتها لإشاعة الفوضى في زوايا البيت، وعندما تغيب الأسود تستأسد الضباع، وتتنمر الثعالب، ففي الأزمات الفوضوية المتعاقبة، يضيع الخيط والعصفور، ويختلط الحابل بالنابل، وتستطيل قامات الأقزام، فيتحينون الفرص المؤاتية لبث سمومهم ونشر أحقادهم. وهكذا خرج علينا ملك الأردن من قمقمه ليعلن عن عزمه تسليح العشائر المجاورة لبلاده في جنوب سوريا وغرب العراق، تمهيداً لضم إقليم الأنبار ومنطقة درعا لخارطة دولته، التي توارثت الفشل منذ نشأتها، والتي تجد الآن صعوبة بالغة في توفير مياه الشرب لمواطنيها. فالخفافيش الأردنية عندما طار طائرها، توهمت أنها صارت شواهينا. وتجاهلت ظروفها الاقتصادية المتدهورة، وأحوالها المعيشية الصعبة.
الأردن دولة فقيرة، أو على قد حالها، لا طاقة لها على لعب دور الكبار تحت خيمة هذا السيرك السياسي المربك. ولا قدرة لها على الصمود والمطاولة في خضم الصراح المتأجج بين أشرس اللاعبين في حلبة الشرق الأوسط. لكننا نخشى وجود أكثر من جهة مغرضة، دفعت الأردن للمقامرة والمغامرة بمستقبلها ومصيرها، وأقحمتها في لعبة خاسرة، على الرغم من علمها المسبق بضعف مؤهلاتها التعبوية والسوقية، والتي قد تودي بأمنها واستقرارها، وتغرقها في مستنقعات القروض المالية الثقيلة.
ونخشى أيضا أنها تريد أن تعبر عن رغبتها المكبوتة لخوض غمار أولمبياد التناطح العربي في الشرق الأوسط، فبدأت بتأجيج الفتنة الطائفية، ولوحت بشعارات التخويف من توسع الهلال الشيعي، وتهاونت مع تنظيمات داعش المنطلقة من مدنها القابعة تحت خط الفقر. فالأموال المغرية التي يدفعها الدواعش لعرب الشيخ (متعب) تكفي لإخراج القبائل من وقارها العشائري. وتكفي لتحريض الناس وتوريطهم في هذه الفزعة التدميرية، التي قد تمسح الأردن نفسها من الخارطة، وتعيدها إلى عصور الجاهلية الأولى.
قالت العرب: ما هلك أمريء عرف قدر نفسه. كان الأجدر بالأردن أن تصون حدودها، وتنأى بنفسها عن المحارق والمهالك. فليس من مصلحتها أن تقحم شعبها في أتون البراكين المتفجرة بتياراتها المتضاربة. وبخلاف ذلك فأن أي خطوة غير محسوبة قد تنزلق إليها الأردن في هذا التيه العربي، ستقودها حتماً نحو حتفها.
أما وقد حصل الذي حصل، وخرجت الأمور عن السيطرة، وانحرفت عن مساراتها الصحيحة، بإعلان الأردن عن رغباتها التوسعية على حساب العراق وسوريا، فهذا يعني أنها جنت على نفسها، وأطلقت العنان لعفاريت الانهيار، وسارت بأقدامها نحو أعماق الهاوية. ولات حين مندم. فالكبير كبير، والصغير صغير. فما بالك بالأقزام والمراهقين، الذين لا يقوون على مواجهة هذا الطوفان الجارف.