في ذكرى كارثة بشتآشان…
الشهيد محمد صالح الساعدي أبو وطفاء…
احمد الناصري.
لست ضد الاحتفال بيوم (شيوعي ووطني) للشهيد، لكنني ضد أن يقتصر التذكر والاحتفال (المناسباتي والموسمي) على يوم واحد كل عام فقط، ونسيان الشهداء واسمائهم وتجاربهم ودروسهم وتضحياتهم كل هذه السنوات الطويلة، وعدم ذكرهم والبحث عن معلومات عنهم، وضعف العلاقة مع عائلاتهم وأصدقائهم!
الموضوع أكبر من احتفال عابر وسريع كأنه لرفع العتب، والتعامل بمزاجية مع القضية…
كتبت كثيراً عن رفاقي واصدقائي الشهداء الذين أعرفهم واعرف تفاصيل مهمة عنهم، وطالبت بالكتابة الدائمة ونشر كل ما يخصهم من أوراق وصور ومعلومات ومواقف وذكريات.
اليوم أكتب عن الشهيد أبو وطفاء (محمد صالح الساعدي) الذي ولد في العمارة، وغادر العراق أبان الحملة الإرهابية على الحزب عام 78، وانتقل إلى بيروت وعمل في صحافة المقاومة الفلسطينية، وكتب في مجلة البديل وعدد من الصحف العربية ببيروت.
في العدوان والاجتياح الصهيوني لبيروت تطوع ضمن الفصيل الشيوعي الذي دافع عن المدينة إلى جانب المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، وكان من المطالبين بالصمود والدفاع عن المدينة وعدم الانسحاب وتسليمها لجيش العدو.
بعد احتلال بيروت انتقل إلى الشام ثم توجه إلى كردستان مع مفرزة كبيرة وصلت إلى قاعدة بشتآشان الرئيسية في شهر نوفمبر عام 82 وشكلوا لهم فصيلاً خاصاً، ونقلوني معهم معاقباً بسبب مطالبتي بالتحقيق مع الخائن الذي سلمني للأمن العام في بغداد والقيادة ترفض التحقيق بهذا الأمر الخطير كعادتها وموقفها من هذه الأمور الحساسة والخطيرة.
في عام 82 كان الشتاء قاسياً واستثنائياً، وقد هطلت تلوجاً كثيرةً، والفصيل غير مهيأ من ناحية البنيان وتجميع وتحضير الحطب، وعدم وجود غابة وأشجار قريبة. حاولت قدر الإمكان مساعدة الرفاق الجدد في هذه الحياة الصعبة والجديدة عليهم وتدبير حياتهم اليومية. وقد أطلقنا على الفصيل اسم فصيل تحت البطانية، كناية عن دخول الرفاق تحت البطانيات كل الوقت لتفادي البرد الشديد والقارس.
زارنا كريم أحمد بصحبة ماجد عبد الرضا في الفصيل وبدء بطرح آراءه السريالية بصدد إلا يحق لرفيق البقاء في الحزب وهو يعترض على القيادة (وكان يقصدنا) وقال ما نصه (مضرط إذا تعترض على القيادة ليش باقي بالحزب) فرد عليه ماجد ان ذلك طبيعي ويجوز في الحياة الحزبية، بينما تصدى له الرفيق أبو طفاء وقرأ له قصيدة سعدي يوسف الشهيرة إلى لينين المكتوبة عام 70!
إلى لينين
سعدي يوسف
نحن لم نحمل على قمصاننا وجهك
لم نحمل نحاساً
لم نقل للكتب السرية التوزيع آمنا بما أنزل
ما كنت لنا نجماً وما كنا مجوساً
أنما أنت مقاتل معنا جنباً إلى جنب تقاتل…
بعد أشهر قليلة ستحصل مجزرة بشتآشان الدامية على أيدي جلال الطالباني وحزبه، الذي اتفق مع صدام في الأول من أيار 83…
أستشهد أبو طفاء في المفرزة المبادة (72 رفيق) التي تاهت في شعاب جبل قنديل، وتعرضت لكمائن متلاحقة من قبل مرتزقة جلال، وسقط عدد كبير من الرفاق وأسر الباقين. بينما استسلم كريم أحمد و(فرط…) ووقع على بيان التنازل الشهير لجماعة جلال وهو في الأسر، حيث لا يحق له ذلك، بعد يوم واحد من المذبحة، ودماء وجثث الشهداء لا تزال متروكة فوق صخور جبل قنديل، ثم عاد ليقود الحزب الشيوعي الكردستاني وعضوية المكتب السياسي للحزب كأن شيئاً لم يقع!
أبو وطفاء الشاب الذكي والمثقف الوديع والنقدي مات في تجربة قاسية، لم يسعفه الوقت كي يستوعبها ويتعرف على ملا محمها الأساسية، رغم أسئلته وملاحظاته الكثيرة…
أبو وطفاء الكائن الجميل، يرقد منسياً وصامتاً، في عراء الكون والنسيان، بلا قبر ولا شاهدة، حيث لم يتذكره أحد مع مجموعة مفرزة بيروت الجديدة (تواجدت ل 6 أشهر فقط) وفصيل تحت البطانية (حجي حامد وأبو علي (إحسان عباس الهاشمي) وأبو نادية (نصير محمد حسن الصباغ) الذي نزف حتى مات ودفن تحت أكوام الثلج، وغيرهم ممن لا يعرف أحداً حتى أسمائهم الصريحة)!
