رسالة الى نوال السعدواي*
أحمد الناصري
الكاتبة الكبيرة نوال السعداوي… تحية تقدير وتضامن، لك ومعك، لعقلك وإرادتك وجهدك العلمي والأدبي والإنساني الخلاق، وأنت من أوائل من دخل وكسر مساحات وميادين الممنوع والمحرم، حيث التابو في الجنس والدين والسياسة، وأشكال الاستغلال الخاص والعام الأخرى، وحيث الدوائر والخطوط الحمراء المفتعلة، التي أوجدها البعض بشكل أرادوي مفتعل بعيداً عن الإختيارات المعرفية الطبيعية الحرة أو التطور الاجتماعي والتاريخي وسياقاته المتصلة.
أتمنى أن تعرفي، وأنت تعرفين حتما، بأنك لست وحدك في مشروع التنوير وهذه المعارك الفكرية والاجتماعية، التي أداتها المعرفة العالية ضد الجهل الفاقع المزمن، وضد الجمود والتخلف وما يسمى بالتقاليد والموروث الثقيل، وهي ليست بالضرورة صحيحة أو ضرورية!
نوال السعداوي طاقة هائلة ومتنوعة تستند الى جرأة نادرة في ما تشتغل وتعمل عليه، وهي تشبه شيخ التصوف الثوري الرجل الطاهر والجرئ هادي العلوي، تقتحم ميادين صعبة وشائكة، أبرزها موضوع المرأة والدين والمحرم غير الثابت أو غير النافع، والمتطلبات الصارمة للخوض في هذا المجال المعقد والملتبس والممنوع، حيث سيطرة الخرافة والتقاليد العتيقة الحاكمة التي تتعارض مع العقل و الدين أو تتساوق معه أحيانا، لتقف ضد التطور الطبيعي. لذلك لابد أن تتوفر دراية عالية بالتاريخ الإنساني القديم والحديث، وتاريخ المنطقة بشكل خاص وأديانها وعاداتها، كما يحتاج ميدان البحث الى معرفة معمقة بالسايكلوجيا الاجتماعية والشخصية ودراية تامة بعلم التشريح وكل القضايا والموضوعات المترابطة الأخرى.
إن الصراع في منطقنا الآن، كما هو في كل زمان ومكان، يدور بين الجديد والقديم، بين المشروع النهضوي والمشروع السابق عليه، الذي تقادم وانتهت صلاحيته وفائدته بما تجمع عليه من غبار الزمان، وتجاوزته الأسئلة الجديدة والمتجددة يوميا، لكن القديم يقاوم بعناد وشراسة كما هي العادة، ويستخدم كل الأساليب للمحافظة على السلطة والنفوذ والمصالح، ومن هنا كانت المعارك الشرسة ودعاوى التجريم والتحريم والتفكير مبكرة وجاهزة دائما، لرفعها بوجه من يحاول تجاوز التابو بنقده العقلي بعيداً عن الجانب النقلي والمتوارث، وقد أستمر بعض المفكرين في مشاريعهم بينما تراجع البعض الآخر، وكأنه خيار شخصي، مما شجع مراكز التحريم على الاستمرار في هجومهم الشرس والمنفلت والمزاجي أحيانا. وكانت السعداوي كالعادة من الصامدين الثابتين في مواقفهم ورؤاهم.
ويبدو إن جماعات ومؤسسات الحجب والتكفير لا تعمل وفق مخطط محدد دائما، فهي تتذكر أحياناً كتباً وأعمالاً أدبيةً صدرت قبل أكثر من عشرين عاما، كما حصل مع رواية الأديب الكبير نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) ومع قصائد نزار قباني، ورواية حيدر حيدر (وليمة لإعشاب البحر) وغيرها من الأعمال الأدبية والإبداعية، كما لوحقت الكتابات الجديدة لنصر حامد أبو زيد، وسيد قمني والشيخ خليل عبد الكريم.
ولا أدري كيف يسمح رجال الأزهر لأنفسهم التدخل في اختصاص صعب بعيد كل البعد عن عملهم واشتغالاتهم التقليدية المعروفة؟ وكيف لا يتدخل المتنور منهم لإيقاف مثل هذه التخبطات؟ أو أن يقيموا أقسام مستقلة للنقد الحديث والمعاصر بمدارسه الجديدة؟ أو لا يتدخلوا فيما لا يفقهون به؟ فأما أن يمنعوا أنفسهم أو يمنعهم الرأي العام أو حتى المؤسسات الرسمية المختصة وأعني وزارة الثقافة والمراكز الثقافية، وليس دائرة المباحث طبعا.
حرية التفكير والتعبير عن الرأي وكتابه وإعلانه هو من الحقوق الطبيعية، حيث لا سقف ولا حد لحرية العقل، ولا سلطة على الكتابة والكاتب غير عقله وقناعاته وما توصل أليه بالجهد الفردي أو الجماعي، كما لا توجد مناطق وأشياء محرمة أو مقدسة بالمعنى الضيق والشائع، ومن حق الباحث والكاتب والروائي تناول أي موضوع وأية قضية قديمة أو راهنة بالطريقة التي يراها. هناك معيار واحد هو موقف القارئ أو المشاهد، كما يحصل في المسرح والسينما مثلا من كمية الإبداع الموجودة بالعمل الإبداعي.
ستبقى قضية الإبداع الأدبي قضية فردية، تحتاج الى حرية تامة، لا يحق لأحد التدخل والتفسير والتأويل ثم فرض الوصاية أو المنع والمصادرة كما في حالة التعامل مع رواية السعداوي (سقوط الإمام) التي تتحدث عن مقتل السادات، ولا ندري هل هذا الموقف دفاع متأخر عن السادات ونهجه الاستسلامي؟ أم هو توافق وتراضي مع السلطة؟
يزدحم العالم العربي في إشكاليات التجهيل والتخلف وتزداد التهديدات الجدية لوجودنا الإنساني، وتتزايد الأسئلة المعلقة في حياتنا، وتتسع رقعة الموت في فلسطين والعراق، وتتزايد مساحة الجوع والحرمان، وتشتد أزمة الديمقراطية والحريات، ونسير حثيثا خارج التاريخ، يظهر علينا جندرمة الأزهر ليلاحقوا رواية كتبت قبل أكثر من عشرين عام فقط لا غير، ويلاحق ديوان الشاعر أحمد الشهاوي (وصايا في عشق النساء) لأنه أخذ من الصوفية العظيمة بعض من رموزها وإشاراتها اللغوية والوجدانية!
إننا إزاء محنة العقل الجمعي وجمود وتخلف العقل الآخر، وعدم إنجاز إي شيء هام منذ قرون طويلة. في هذه اللحظة الملتبسة والصعبة، يطل علينا من يحمل هراوة التكفير ومنع التفكير، كي يمنع ويوقف ويهدم عملية التراكم البسيطة والبطيئة الجارية هنا، لتستمر الغيبوبة ويستمر الموات.
لا أدري لماذا يمنع نصر أبو زيد من حق التفكير والكتابة والبحث والاستنطاق، وهو بهذه المكانة العقلية والعلمية؟ من يملك سلطة إيقاف التفكير فسلجيا أو اجتماعيا كتعبير عن الوجود الفردي والاجتماعي؟ من قال إن أفكار أبو زيد خاطئة أو غير صالحة للتعاطي العام أو الخاص؟ لماذا يريدون كتابة التاريخ بطريقة معلبة ومكرر وخاطئة؟ لذلك تكون أفكار الشيخ خليل عبد الكريم خطيرة ومرفوضة، ومن يقرر ذلك؟ لماذا يجري تجاوز عقل القارئ والقفز عليه؟ ومن أفتى بصلاحية البحث في هذا المجال ومنعه وتحريمه في مجال آخر؟ من هو القاصر؟ أنها أزمة الحريات، وأقصد تحديدا أزمة حرية التفكير وهي الشرط الآدمي الأول للوجود الإنساني.
أننا أمام معركة جديدة ومحاولة أخرى لفرض فكر الأسطرة والتغيب. لكن نوال السعداوي وأبو زيد، وكل من يشتغل في ميدان العقل والتنوير، أنهم قادرون على الاستمرار في مشروعهم الإنساني لأنه خيار حياتي كما هو خيار طبيعي كأحد شروط الحياة، بينما تبقى بعض الأفكار الدينية وبعض الأيدلوجيات الجامدة، تتناطح مع مسارات وحركة الحياة وتحولاتها، وتخشى التجاوز والعزل وتستند الى الغيبي والمقدس والمحرم والوهمي للتخويف والتهديد والسيطرة.
أنها محنة العقل التي تقاومها نوال السعدواي باستمرار، بطاقة متجددة وقدرة عجيبة!
سلاماً نوال السعدواي
هذه رسالة مفتوحة إلى نوال السعدواي نشرتها عام 2004، اعيد نشرها بمناسبة أزمتها الصحية الحالية. إن نوال ترى بقلبها وأصابعها...
2019-02-20