لقطة من الزمن البعيد…
احمد الناصري
ذكرني صديق عزيز بهذه القصة من المعاناة والمخاطر الصعبة والقاهرة التي عشناها، إذ كتب عن نفس الموضوع والسؤال.
كنت معتقل في زنانة انفرادية لسلطة دينية (إيران)، لأنني تسللت إلى إيران من الجبل، وكنت أحمل منشور خطير، كتبناه بعد دراسة وجدل، ضد الحرب الرجعية بين البلدين، ندين فيه مشعلها ومن يستمر ويصر على اشتعالها، كموقف وطني دقيق وواضح من المجزرة.
سألني المحقق بطريقة استفزازية. هل تصلي؟ و لماذا لا تصلي؟ وكان ردي (لقد دخلت السجن وانا لا أصلي، ولو صليت هنا لكان ذلك محض نفاق وخوف منكم، وليس إيمان بالصلاة). ثم أكملت بل افتيت (لا تجوز الصلاة في زنزانة، أنها ارض غير طاهرة لأنها تصادر حرية الإنسان) فولى هارباً لا يلوي على شيء يقول ماركسي حاقد جاسوس (لم يقل لمن ربما لشوروي السوفييت بالفارسية).
عزلت في زنزانة حجرية في سجن ايفين الرهيب والشهير، الذي قال عنه الخميني أنه سيحوله إلى متحف للضحايا. لكنه أضاف أجنحة كثيرة وادوات جديدة للسجن… كنت رقماً في الزنزانة حسب رقمها المعلق على الباب، مع غمامة (عصابة للعينين)، وليس وجود إنساني باسم. كنت بحاجة إلى أي صوت بشري، او حتى صوت اصطناعي (عدا الأدعية الثقيلة) في تلك العزلة وذاك الصمت الجامد. فلا شيء. صمت تام وقاتل، في ذاك الوقت الضائع والمفقود.
حاولت أن أطلب كتب، قالوا لا توجد كتب وممنوعة، كذلك الصحف والراديو. فلجأت إلى حيلة ثقافية (شرعية) مقبولة من جانبهم، وهي مفيدة لي. طلبت كتاب نهج البلاغة، ففرحوا وجاءوا به، كذلك طلبت نسخة من القرآن، وهو بالنسبة لي نص ثقافي لغوي تاريخي اجتماعي. وكل كلمة هنا تعني شيء محدد يتعلق بالنص. قرات نهج البلاغة والقران عدة مرات، وكنت اهتم باللغة والمعاني والقصص والحوادث والشخصيات والأساطير ومقارنتها بالأصل وما قبلها والفرق وتأثير المكان.
كانت تجربة قاسية لا تخلو من الخطر الحقيقي بسبب موقفنا من الحرب. عدت بعدها إلى الجبل، وعبرت من كاولان الجهة الثانية لجبل قنديل، مع مفرزة كبيرة يقودها صديقنا القائد الفلاحي سيد كاكه، ثم إلى قنديل من جهة بشتآشان. سمعت همس وأنين وعتاب الشهداء، وأكملت إلى جبل قره داغ، في رحلة شاقة وطويلة… كنت احمل رايو فوق جبل قنديل وسمعت بالعدوان الأمريكي على ليبيا. كان ذلك عام 86 البعيد أيضاً.
2018-05-30