كاظم الموسوي
” يرى بعض المتابعين أن هذه الانتخابات محطة فاصلة لما حصل قبلها ولما يأتي بعدها. في ضوء ابتعاد الأوصاف السابقة عليها، وإظهار آمال في التغيير، على مستويات مختلفة، أبرزها الإعلان عن الدعوة لدولة مدنية واحترام القانون ومحاربة الفساد والتأكيد على التنمية والإعمار، وهي مسميات رئيسية وفعالة في التغيير المطلوب، بعد تجربة مريرة وتفشي أمراض ليس من السهل التخلص منها إذا استمر السير على المنوال القائم قبلها، ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حُسم موعد الانتخابات العراقية الرابعة يوم 2018/5/12 بمشاركة 7187مرشحا لانتخاب المقرر329 عضوا لمجلس الشعب، البرلمان العراقي. وبدأت الحملات الانتخابية بـ88 تحالفا وحزبا وشخصية تشترك أغلبها في الانتخابات وللانتخابات، وهي أمور تلفت الانتباه في ظل استمرار التوترات الداخلية بين التيارات والكتل السياسية القائمة والمتقاربة مع العملية السياسية الجارية منذ عام 2003 والتي تعرف بوضوح بأنها عملية أميركية مخططة بإشراف بول بريمر وقوانينه وإجراءاته التي أخذت مفاعيلها في دستور مؤقت، صوّت عليه عام 2005 ونصت مادة فيه على إجراء تغييرات وتعديلات بعد فترة ستة أشهر من التصديق عليه، ولم تجر لحد اليوم.
قبل الاستعدادات غير المألوفة للانتخابات هذه المرة من كل المشاركين فيها لفت الانتباه إلى أن الشعار الرئيسي فيها هو التغيير. والمقصود ليس في الأسماء والوجوه وحسب، بل في الأساس الذي قامت عليه العملية السياسية، المحاصصات المذهبية والاثنية، رغم استمرارها عمليا ولو بإعلانات أخرى. ومن ثم التغيير في السياسات والخطط والتحالفات، الداخلية والخارجية، وأهمها تحديد تأثير النفوذ الأجنبي والتعامل معه نديا، دون لف ودوران، وتحجيم تدخله المباشر أو رفض إجراءاته بما لا يتفق مع المصالح الوطنية العليا.
كان الانتصار العسكري على ما سمي إعلاميا بتنظيم ” داعش” وإعادة الحكومة الاتحادية المركزية للمدن التي استولى عليها إلى خيمة الوطن الموحد، وكذلك المدن والبلدات التي كانت تحت سيطرة الأحزاب الكردية، والتي تسميها بـ”المناطق المتنازع عليها”. والتي رسمتها في خرائط جغرافية أبعد منها وبحدود سياسية لأحلام بعيدة عنها، كانت هذه “الإنجازات” العسكرية خطوات واسعة لإعادة التفكير بأهمية الوحدة الوطنية، سياسيا وجغرافيا، واحترام الاتفاقيات المبرمة بين المكونات حول الحكم الذاتي، أو الفدرالي، للأقوام التي سكنت الوطن العراقي، وتحترم ما اتفق عليه وما يجب أن يكون عليه حاضر ومستقبل العراق. ولولا الانتصار العسكري بتعاون القوات المسلحة بكل صنوفها ومسمياتها وألويتها وأسلحتها ومَن دعمها ماديا ومعنويا لما كان بالإمكان الحديث عن عراق موحد والتفكير بالانتخابات العامة وآفاق التغيير فيها وبعدها.
كما أن هذه الانتخابات هي الرابعة في تسلسلها، أي تقع عليها حسابات الخبرة والتجربة، سواء في عمليات الانتخاب وصناديقها وطرق وسبل الترشيح وإقناع الناخبين بمصداقية المرشحين وبرامجهم وانتماءاتهم السياسية والحزبية والاجتماعية أو في إنجاز خطوة ديمقراطية مميزة.كما يلعب المال السياسي دوره في كل الحالات، السابقة والحالية، على مختلف الصعد، من شراء الأصوات إلى الإعلان والدعاية والإغراء والغواية. فضلا عن أساليب التهديد والوعيد والاعتماد على التأثيرات الأخرى، من قبيل الانتماءات الطائفية والاثنية والقبلية والمناطقية وحتى الشخصية والخارجية. وهي تجري في ظل أجواء هادئة تقريبا من الناحية الأمنية على الأقل، ولكن للأسف لم يتم بعد إعادة كل النازحين إلى ديارهم وبيوتهم وبلداتهم كما يجب أو يتوجب. وهذه معضلة ليس من السهل اختصارها بإمكانية مشاركتهم في الانتخابات بشكل خاص بهم أو استثناء لهم.
يرى بعض المتابعين أن هذه الانتخابات محطة فاصلة لما حصل قبلها ولما يأتي بعدها. في ضوء ابتعاد الأوصاف السابقة عليها، وإظهار آمال في التغيير، على مستويات مختلفة، أبرزها الإعلان عن الدعوة لدولة مدنية واحترام القانون ومحاربة الفساد والتأكيد على التنمية والإعمار، وهي مسميات رئيسية وفعالة في التغيير المطلوب، بعد تجربة مريرة وتفشي أمراض ليس من السهل التخلص منها إذا استمر السير على المنوال القائم قبلها، مما يتطلب دعم مسيرة التغيير ورافعي لوائه فيها، مهما كانت حجومهم وقدراتهم في المواجهة والثبات. وينبغي العمل على تكريس الدعوة إلى التغيير، كهدف رئيسي حتى ولو ابتدأ بخطوات إصلاح متتالية ومنتظمة ومؤكدة وفعالة.
من جهة أخرى تميزت القوى المشاركة في هذه الانتخابات بتنوعها وتعددها وشمولها المكونات التي قامت عليها العملية السياسية ولكنها حملت معها تفتتها الحزبي والمنافسة الكيدية والصفرية، واستمرارية التصنيف السابق لها، مع بروز اختراقات فيها، قد تدفع إلى إعادة النظر في الانقسامات والانشطارات التي تميزت بها، قبل أو بعد الانتخابات. بمعنى أن الجديد فيها قد يدفع القديم إلى التراجع عن ما جرى له ويتوحد ضده أو يعمل على عرقلة فوزه وقيامه بالتغيير المنشود. وهذا الأمر يعني أن حالة استمرارية الأوضاع بما هي عليه ممكنة وتعتمد على مدى الزخم الانتخابي والمشاركة الشعبية، التي تعاني اليوم وقبل أيام معدودة من إحباطات ودعوات إلى المقاطعة ورفض المشاركة في العملية برمتها. ومعروف أن سعة المشاركة وحجمها تلعب دورا كبيرا في العملية وتزيد في مستوى المحفزات والرغبة في العمل السياسي والتطلع لآفاق أرحب مما كان رغم كل ما أحيط به تاريخها من مثبطات وخيبة أمل كبيرة.
في كل الأحوال فرزت الخطوات الذاهبة إلى الانتخابات سمات ما قبلها وفضحت فشلا في الإدارة وخيبة من الدعاة للسلطة وفسادا لا يتستر عليه ويكشف الثقافة التي أدت إليه ومازالت تحميه وتدافع عنه علنا أو بأساليب ملتوية ومكشوفة لكل ذي بصر وضمير وحرص على التزامه وانتمائه الوطني والسياسي. والأفظع فيه الفساد داخل مجلس النواب نفسه بدوراته السابقة واستمراره قبل هذه الانتخابات الرابعة، الذي تحول إلى قواعد أساسية في بنية المجلس وطبيعة التحالفات وتركيبه من الأعضاء الذين لم يغيروا ما بأنفسهم قبل وصولهم للبرلمان وبعد جلوسهم داخل مبناه. ومن ثم الاستهانة بمهمات المجلس الأساسية، في التشريع والرقابة، والمساومة أو التنازل عنها والتغطية ضمنيا عن تفشي الأمراض القاتلة في المجتمع والمستقبل.
هذا يلزم المجلس القادم، كدرس أول، ألا يكرر ما سبق والبدء بالتزام واضح بمهمات الإصلاح والتغيير وإثبات المصداقية والأمانة والنزاهة والإخلاص للشعب والوطن، أو بمعنى آخر مواجهة التحديات التي لم يتمكن المنتهية ولايته مواجهتها وتنفيذ الحلول الملائمة لها. ولكن تتوجس تصريحات وبيانات حول تزوير في نتائج الانتخابات، وحول إشكاليات وسائل التقنية وضمان نظافتها، ومن ثم إعادة أغلبية الوجوه أو بتكرار النهج الذي سارت عليه، دون تجديد فعلي أو تطور وعودهم، وهو أمر غير مشجع وغير ملهم لبعد النظر بتفاؤل كبير إلى الآفاق وأبعاد التغيير الحقيقي. فضلا عن ممارسات بعيدة عن وظيفة النائب ومكانته الفعلية في المجتمع وانتشار إشاعات ومحاولات تسقيط سياسي صارخة.
2018-05-08