لمناسبة عيد الحركة الشيوعية العراقية، عيد الحياة والربيع وحلم الكادحين الجميل…
فهد يؤثث المكان بعناية بالغة، ويكتب نصه الأول على جدران مدينتي الفقيرة، لكن المشعة….
ف (من قبلِ أن نأتي القواعدَ
كنتَ قاعدةً أمام الله والطبقاتِ
كنتَ تفتِّتُ الأحجارَ بين الناصريّةِ والشمالِ
تقولُ للوردِ : التُّوَيجُ مُخَبّأٌ
وتقولُ للبُرْديّ : خبّأنا البنادقَ فيكَ
للورقِ : الجريدةُ أنتَ .
للمتياسرينَ : إلَيَّ !
للفوضى : سلاماً للّذين يُنَظِّمونَ مدائحَ الفوضى
وينتقلون بين الناصريّةِ والشمال) .
فهد يسقي حديقتنا بالأمل….
في ذكرى عبد الجليل كريم حسين الجاسم (علي الشاهر) الرفيق والصديق الجميل….
علي الشاهر، خريج كلية الزراعة، بن مدينة قلعة سكر. الإنسان الطيب الهادئ الصامت، لكن المبادر والعملي. هو الوجه الأليف والقريب من رفاقه وأصدقائه. كان يتابع ويعرف كل شيء، ويميز بين الصحيح والخطأ. أطول تعليق له أو ملاحظة، يتكون من كلمة واحدة فقط، قد يقع فيها خطا باللفظ، نتيجة الخجل والحرج او تندر الأصدقاء ومشاكساتهم.
بعد الحملة الإرهابية التي شنها صدام والأمن العام على الحزب الشيوعي العراقي عام 78، ترك رفيقنا عبد الجليل حياته الخاصة والبيت والعمل والمدينة والوطن (كل متعلقات الإنسان الأساسية التي لا تترك إلا تحت القهر والخطر) وسافر إلى الخارج (الكويت واليمن) ثم عاد وتسلل إلى كردستان.
أدار علي إدارة سرية بشتآشان (كان يخطأ بها ويسميها بشباشان من دون تاء وباءات كثيرة) بالذهاب إلى بشتآشان الثانية والعودة منها والاستقرار في بارزان بنجاح كامل، رغم شحة المواد وقلتها.
كانت قائمة مواد (الحصة التموينية) شحيحة ومحدودة ومتكررة، تحتوي على شاي وسكر رز طحين زيت فاصوليا حمص عدس حليب، حيث لا توجد خضروات ولا فواكه ولا لحم وبيض بشكل دائم ومنتظم وبدون سمك بشكل مطلق ولا اية أشياء ومواد أخرى زائدة…
كانت مشكلة الشباب الجدد (وهم في عمر النمو والطاقة الجسدية المتفجرة. الغالبية تحت العشرين أو في بدايته الأولى) أنهم يحتاجون إلى مواد غذائية بكميات غير محدودة، بينما كان كل شيء محدود ومقنن، لأسباب كثيرة، خاصة الخبز مثلاً، فهو محدود ومحدد العدد (ثلاثة أرغفة فقط لا غير طوال اليوم وعليك التفاهم مع معدتك ونداءاتها المتكررة)، بسبب صعوبة ايصال الطحين وعملية العجن والخبز والحطب وكل شيء. كان على الرفيق علي الشاهر الإداري أن يدير هذه المشاكل ويحلها حسب تلك الإمكانيات والظروف، وأن لا يجوع الرفاق، ولا يستيقظ صباحاً ليجد الخبز ناقص، عندها لا يوجد أي حل، فلا أسواق ولا مخابز أو خبازات….
كان الرفيق علي يتحمل بصبر عجيب انفعال وأحيانا انفلات بعض الرفاق وحتى تجاوزهم عليه، وهو لا يرد بالمثل ولا ينفعل، فإما يرد يهدوء بالغ، او يصمت وينسحب، فيعود الرفيق المتجاوز ويعتذر منه ويقبله، بعد تنبيه أو تقريع الرفاق له، وينتهي كل شيء. لم تحصل أية مشكلة كبيرة على الأكل. والرفاق في العموم تحملوا وواجهوا جوع حقيقي ومخاطر ومصاعب رهيبة بوعيهم وإرادتهم…
بعد حملة الأنفال والهجوم الشامل لقوات النظام وانتهاء القواعد المقرات وإمكانية التواجد والبقاء في كردستان اضطر مع رفاقه للانسحاب إلى تركيا، تحت الهجوم والخطر المباشر، حيث لا مسافة حقيقية مع العدو. بعدها هاجر إلى السويد، ليداهمه المرض والموت السريع والرحيل القاهر في منفاه البعيد البارد.
كان صديقي اليومي الأليف، الذي يطرد كل تلك العزلة والوحشة ولو بصمته العميق…
عبد الجليل كريم حسين الجاسم (علي الشاهر)
مواليد 1952 قلعة سكر الناصرية
خريج كلية الزراعة
ساهم في تجربة كردستان
هاجر إلى السويد وتوفي فيها عام 2001
