جيش القدس فلسطيني أولا وأخيرا .. وما زال مرابطا في القدس
د. عمر ظاهر
من سبعين سنة وحكام العرب يتاجرون بقضية فلسطين، ولم يبق هناك زعيم عربي لم يساوم على قضية فلسطين، بل ولم تبق دولة عربية لم تسهم في شق صفوف الفلسطينيين، وتشتيت قوتهم، وتمزيق نسيجهم، فكل دولة فتحت لنفسها دكانا على الساحة السياسية الفلسطينية، وراحت تنهش في لحم الفلسطينيين، وتريد أن تسلبهم حقهم في القرار في قضيتهم. وانتهت اللعبة الوسخة بأنهم بدلا من تحرير فلسطين وضعوا أنفسهم، ومياههم، وأرضهم، وسماءهم، ونفطهم، وموانئهم، وأمنهم في خدمة إسرائيل.
سل أي عربي عما يحدث في العالم العربي، وسوف يقول إن ما نراه هو أن حكام العرب ينفذون خطط إسرائيل للسيطرة على كل شيء بين الفرات والنيل، وأن إسرائيل موجودة في كل عاصمة عربية، سرا أو علانية، وأن مراعاة مصالح إسرائيل هي شرط بقاء أي حاكم عربي في كرسيّه، فشعارهم هو “اعطني الكرسي أعطيك فلسطين” وكأن فلسطين ملك آبائهم يبيعونها ساعة الضيق. ولهذا يظهر الأمر على السطح وكأن قضية فلسطين قد انتهت، وصارت مجرد بضاعة على موائد المساومات. وتسأل الحاكم العربي عن سر خيانته، فتسمع بين سطور كلامه استغرابا لأنك تلومه في الوقت الذي يفعل كثير من السياسيين الفلسطينيين أسوأ مما يفعل هو، ويشير إلى عباس، ورجوب، ودحلان.
لكن جوابا آخر يأتي إن سألت أحدا من فلسطين. الجواب هو أن قضية فلسطين هي قضية شعب فلسطين، وهذه القضية باقية ما بقي هذا الشعب، صاحب الأرض، وصاحب القرار، وصاحب الكرامة.
شعب فلسطين، وقد بقي وحيدا، تنظف من الأدران، ,أصبح أقوى، وأصلب عودا، وأشد مراسا، يخيب على الدوام آمال إسرائيل وحلفاء إسرائيل، يبدد أوهامهم، ويطيح بنظرياتهم. هذا الشعب لا يتاجر بقضية أحد، لا يذهب إلى الجهاد لينكح، ولا يذهب إلى القتال لينهب، ويسرق، ويغتصب، ويهدم البيوت على رؤوس ساكنيها، وينتقم للأشباح. إنه يستيقظ في الصباح ليذهب ويصلي في المسجد الأقصى. إنه يعرض نفسه للقتل، والسجن، والتعذيب فقط ليصلي في المسجد الأقصى. يُقتل من أجل حقه في السجود لله في مسجده. وكم منهم يجاهد هذا الجهاد المقدس؟ آلاف مؤلفة، جيش عرمرم أعزل من السلاح يسجل في كل وقت من أوقات الصلاة ملحمة انتصار. يُقتل لكنه ينتصر على قاتله، فقاتله يريد أن يزيله من الوجود، لكنه يصر على الوجود، والبقاء في أرضه، ويثبت في كل لحظة أنه حي يبث الحياة حتى في العرب الموتى.
الشعب الفلسطيني هو وحده يعرف قيمة المسجد الأقصى، وهو وحده مؤتمن عليه، ونعمَ الأمين.
الشعب الفلسطيني هو الشعب العربي الوحيد الذي ينهض ضحايا جهاده من تحت الأنقاض وهم يرسمون إشارة النصر. والانتصار الحقيقي هو ما يعلنه الجريح المدني المضمخ بالدم، وليس المقاتل. وفي فلسطين يعلن النصر أطفال فلسطين مثل كبارهم. هناك تفسير واحد لهذه الظاهرة الفريدة التي تخشع لها النفوس، ألا وهو أن الله مع شعب فلسطين .. هذا الشعب الذي يواجه الموت من أجل الصلاة، فلا غرابة في أن تحل فيه نفحة من روح كل نبي ورسول.
صورمنحربغزة
ألم تكن غولدا مائير تدرك الحقيقة حين قالت إن أسوأ خبر تسمعه هو ولادة طفل فلسطيني جديد؟
بلى والله. وكانت مائير تلك تعرف الحقيقة أكثر من غيرها. الناس توهموا لأجيال أن فلسطين سيحررها هذا أو ذاك، وأننا على موعد مع صلاح الدين آخر سيدخل القدس ظافرا منتصرا. وقال قائلهم أن صلاح الدين الجديد سيكون، مثله مثل سابقه، من غير العرب، ولهذا ينبري اليوم من هب ودب من الطامعين بأرض العرب ليوهمنا أنه ذلك الظافر المنتظر. مائير كانت تدرك، محقة، أن صلاح الدين الحقيقي هو كل طفل فلسطيني، وأن القدس لا تحتاج إلى جيش يأتيها من الخارج، فجيش القدس موجود في القدس، مرابط فيها، لم يخرج منها في يوم من الأيام ويتركها للإسرائيلي المغتصب. إنه جيش فلسطيني عربي قلبا وقالبا، لحما، ودما، وروحا، وهو جيش لا يقهر لأنه ثابت الأقدام في موقعه، وممتد الجذور في عمق أرضه وتاريخه.
.
بهؤلاء الذين يتآمر كل تجار العرب والأعاجم عليهم، يطيح شعب فلسطين في ساعة حالكة السواد في تاريخ هذه الأمة بأوهام انتهاء قضية فلسطين، وبخرافات صلاح الدين الجديد، بل ويعلن أنه، وبفضل وجوده هو، ما زالت هناك عروبة، وما زال هناك إسلام يضحي من أجل المقدسات، وليس من أجل الغنائم، والكراسي، والنكاح. إسرائيل التي تحكم قبضتها على أجزاء واسعة من العراق، ليس تلعفر وكردستان فقط، وعلى أجزاء من اليمن، ومصر، وتونس، والمغرب، وتدخل مخادع حكام الخليج العربي، عاجزة عن تحطيم إرادة هذا الشعب .. الجيش، رغم أنها قادرة على أن تحرك دمى فلسطينية أيضا.
ونحن الذين نبحث عن خيط من النور في ظلمات العالم العربي نتنفس اليوم الصعداء، فشعب فلسطين قرر أن حمله الثقيل لن يحمله له أحد، وهو يحمله وحيدا. وهذا الذي نراه في القدس ليس الانتصار الحقيقي وحسب، بل هو كشف عن الحقيقة المنتصرة، حقيقة أن فلسطين هي التي ستحرر العرب والعجم، وليس العكس ..