ذات صباح شديد البرودة رأى فلاح اسكندنافي في مزرعته طائرا غريبا، غُرابا. كان مثل بقية الغربان في شكله، ولونه، وحجمه، إلا أنه كانت له ريشة واحدة زاهية الألوان كأنها من ريش الطاووس، نبتت في وسط ذيله، وامتدت بعيدا عنه، فكانت تجذب نظر الرائي لطولها، وحسن منظرها.
ولم تكن الريشة الجميلة في ذيل الغراب الأسود وحدها ما أثارت استغراب الفلاح، بل إن هبوط ذلك الطائر في مزرعته في برودة بلدان الشمال كان مثيرا أيضا. أكان الطائر في هجرة فانحرف عن سربه، وضلّ طريقه؟ أم كانت الطيور هناك قد اجتذبته في الأجواء، وأغوته بالهبوط معها، حين رأت سواده اللامع والريشة الزاهية في وسط ذيله؟
تأمل الفلاح في الغراب وهو ينط يمنة ويسرة كأنه يبحث عن شيء أضاعه، أو يريد أن يثير الانتباه. وحين أتيح له أن يراه من جهة مؤخرته خيّل إليه أن الريشة الزاهية الألوان قد زرعها أحدهم في ذيل الطير زرعا، أو ألصقها به لصقا. اقترب منه بتؤدة كي لا يخيفه فيهرب. ثم وقف مصعوقا من المفاجأة حين استدار الغراب نحوه، وقال بصوت مفهوم كأنه صوت البشر:
لم يصدق الفلاح أذنيه، واختلط الأمر عليه. هل سمع حقا شيئا من الغراب أم أنه تخيل؟ وإن كان قد سمع الطير يقول شيئا، أكان إذن إزاء غراب عجيب أم ببغاء أعجب؟ وكرر الطير عبارته، وكأنه أدرك الحال التي أوقع فيها الفلاح: “قواق قواق قواق بشار الأسد دكتاتور.”
ثم إن الغراب لم يظهر أي خوف من الفلاح، بل قفز إلى كتفه، ثم انتقل إلى كتفه الأخرى، وهو يعيد ويكرر ما قاله. ولم يبد مقاومة حين أمسك به هذا، وأخذه إلى داخل بيته الريفي القابع على طرف المزرعة.
أراد الفلاح أن يختبر الطير ليعرف إن كان نوعا غير معروف من الببغاوات، فصار يقول له عبارات مختلفة، لكن الغراب لم يتصرف مثل الببغاء، بل بقي يعيد، ويكرر ما قاله بنفسه: “قواق قواق قواق بشار الأسد دكتاتور.”
نفد صبر الفلاح فصرخ فيه:
– “قل شيئا غير ذلك يا هذا”، فرد الغراب على الفور:
– “قواق قواق قواق أنا اسكندنافي”، فابتسم الفلاح، وقال له بهدوء:
– “قل غير ذلك أيضا”، فرد الغراب:
– “قواق قواق قواق أنا لا أحب العرب.”
سارع الفلاح إلى إحكام غلق الأبواب والشبابيك كي لا يهرب الطير من بين يديه، وطفق يرقص فرحا، وابتهاجا.
– “أصبحتَ مليونيرا يا رجل”، قال لنفسه. وراح يستنطق الغراب، وبقي طوال اليوم يطعمه قليلا ثم يستجوبه، ثم يرقص.
كان الغراب يدهش الفلاح بما يقول. وكان، حين يسأله سؤالا صعبا، يدور حتى تكون مؤخرته أمام الفلاح، ويرفع ذيله. خمن الفلاح ما يريده الغراب، ففحص جذر الريشة الزاهية الألوان النابتة فوق مخرجه فرأى عقدة غريبة هي الأخرى، وعرف أنه بمجرد أن يضغط بإصبعه هناك يلتفت الغراب إليه، وبين منقاريه الجواب عن سؤاله.
فهم الفلاح الغرابَ حق فهمه. وحين كان الصباح اتصل بوسائل الإعلام في البلد، وأبلغ أنه نجح بعد جهود سنوات طويلة في تعليم الطيور لغة البشر، وأن لديه الآن غرابا ينطق وكأنه هدهد سليمان. وما هي إلا سويعات حتى تجمهر الصحفيون، والمصورون، والفضوليون من كل صوب وحدب أمام البيت الريفي للفلاح. وخرج هذا من بيته مزهوا، وقدم نفسه للناس، وكلمهم عن عمله المضني، ثم وضع أمامه طاولة، وجاء بالغراب، فوقف هذا على الطاولة ووجهه إلى الناس، ومؤخرته إلى الفلاح. ونطق أول ما نطق عبارته المأثورة:
وافتتح الفلاح المؤتمر الصحفي طالبا من الناس أن لا يرهقوا الطير بأسئلة كثيرة، لكن الإعلاميين الذين أصيبوا بالذهول كانوا متحمسين كثيرا فأمطروا الغراب المسكين بوابل من الأسئلة. لم يستطع الغراب أن يجيب عليهم بشيء غير: “قواق قواق قواق بشار الأسد دكتاتور .. بشار الأسد دكتاتور.”
صاح أحدهم بعفوية:
“هذا ليس طيرا حقيقيا. هذا روبوت”، فما كان من الغراب إلا أن فرش جناحيه، وانطلق محلقا في الأجواء، وبقي لبضع دقائق يحوم حول المكان ثم عاد فحطّ على المنضدة أمام صاحبه. وبدا على الجمهور بوضوح أنهم غير قادرين على فهم الظاهرة، أو تصديقها. وقال الفلاح:
– “يا أصدقاء. أرجو منكم أن تهدؤوا. ولتوجهوا إليه سؤالا واحدا كل مرة، وليس عدة أسئلة دفعة واحدة. إن قدرته على الاستيعاب محدودة مع أنه غراب ذكي”، واقترح أن يرفع كل من عنده سؤال يده، وسيعطي هو الفرصة للجميع ليوجهوا أسئلتهم واحدا بعد الآخر.
رفع الجميع أيديهم، وأشار الفلاح إلى أحدهم وأعطاه الدور، فسأل هذا:
– “أيها الغراب العجيب ما اسمك؟” فأجاب الغراب على الفور:
– “قواق قواق قواق. اسمي نسكافه، وأنا لست غرابا”، فضحك الجميع من ظرافة الجواب. وأعطى الفلاح الدور لغيره، فسأل هذا:
– “أنا طير الله المختار”، وضحك الجميع من جديد، وأعطى الفلاح الدور لصحفي آخر، فسأل هذا:
– “يا غراب الله المختار، من أين أنت؟”
بقي الغراب صامتا بعض الوقت، ثم دار دورتين، وجعل مؤخرته إلى الفلاح، ففهم هذا قصده، فراح يمسّد على ذيله قليلا، ثم قام بحركة بارعة بالضغط على العقدة في جذر الريشة الزاهية فوق مخرجه، فانطلق الغراب في الإجابة:
– “قواق قواق قواق كان جدي فلسطينيا من إسرائيل.”
وكان هناك لغط وصخب بين الصحفيين، لكن الغراب لم يبال لذلك، واستطرد:
– “قواق قواق قواق كان جدي يحب الطيران السياحي كثيرا. وفي عام 1947 طار هو وأهله في جولة سياحية إلى سورية، وحزن هناك كثيرا لأن بشار الأسد منعهم من العودة إلى قريتهم في إسرائيل.”
ازداد اللغط، وبدأ الحاضرون يظهرون اختلافهم الشديد حول ما قاله الغراب، وصاح أحدهم حانقا:
– “ما هذا الهراء؟ عام 1947 لم يكن بشار الأسد قد ولد بعد.”
وتواصل اللغط، وصمت الغراب، فقال الفلاح منزعجا:
– “أنتم تخيفون الطائر، وإن استمر الهرج والمرج فإنني سأنهي المؤتمر الصحفي”، ثم مد إصبعه إلى ذيل الغراب، وقال له: “واصل يا صديقي”، فانطلق الغراب من جديد:
– “قواق قواق قواق أنا نسيت. لم يكن بشار الأسد هو من منع جدي وأسرته من العودة، بل أبوه حافظ الأسد.”
وعلت صيحات المعترضين من جديد، فسارع أحد الخبثاء من بين الحاضرين، وقال لهم معنفا:
– “أيها الأصدقاء، هل تحاسبون غرابا على ما يقوله عن تاريخ البشر؟ لماذا تقفون عند التفاصيل، ولا ترون ما هو جوهري في الأمر؟ ألا ترون أن أمامكم حيوانا، لكنه ينطق بلغة البشر؟”
صمت الناس، وواصل الغراب حديثه:
– “قواق قواق قواق بقي جدي وأهله في سورية رغما عنهم، وهناك أجبروهم على أن يعيشوا في برج للطيور اللاجئة، وهناك نشأ أبي، فصاروا يقولون عنه أنه فلسطيني من سورية”، فصاح صحفي قليل الصبر:
– “إذن أنت غراب فلسطيني الأصل. هل تعتبر نفسك الآن فلسطينيا من اسكندنافيا؟”
بدا على الغراب أنه أصيب بنوبة شديدة من الغضب، فظل يدور ويدور حول نفسه وكأنه يرقص رقصة الدراويش. وبدأ الناس يتلاسنون، ويلوم بعضهم السائل الأحمق، وهدد الفلاح من جديد بأنه سيقطع المؤتمر، ثم أمسك بالغراب، وضمه إلى صدره، وهمس له:
– “لا بأس سأضغط .. سأضغط”، ورأى الناس كيف أن الغراب هدأ، ثم قال متفاخرا:
– “قواق قواق قواق. أنا نسكافه الاسكندنافي. أنا اسكندنافي مئة بالمئة، ولا علاقة لي بفلسطين. أنا أكره العرب.”
ضحك بعضهم ساخرا، وأحس آخرون بتأثر عميق من إصرار الغراب على أنه اسكندنافي. وأعطى الفلاح الدور إلى صحفي آخر، فسأل هذا الغرابَ يحاججه:
– “كيف يمكن أن يكون جدك فلسطينيا من إسرائيل، وأبوك فلسطينيا من سورية، وأنت اسكندنافيا صرفا؟ هل تستنكف من الانتماء إلى أبيك وجدك؟”
وتدخل الفلاح مرة أخرى وقال:
– “رفقا بغرابي، أيها الناس. أنا علمته لغة البشر، ولم أعلمه التاريخ، والعلوم، والمنطق”.
وكان الفلاح وهو يتحدث يمسد على ذيل الغراب، ثم قام بحركة بارعة جديدة بالضغط على العقدة فوق مخرجه، فانطلق الغراب، وأذهل الجميع مرة أخرى:
– “قواق قواق قواق بل أنا صاحب منطق. أنا ثمرة طفرة وراثية. إن كنتم لا تصدقون، فانظروا إلى الدمغة.”
وصاح الناس بالفلاح:
– “أرنا الدمغة .. دعنا نرى الدمغة.”
تفاجأ الفلاح نفسه بحديث الدمغة، وقال إنه لا يعرف شيئا عنها، وسأل الغراب عن مكانها، فأجاب هذا:
– “هناك”، فسأل الفلاح:
– “أين؟ على رقبتك؟” فأجاب الغراب:
– “لا، هناك”، فسأل الفلاح:
– “أين؟ على بطنك؟” فقال الغراب:
– “لا، هناك”، وسأل الفلاح:
– “على ذيلك؟” فقال الغراب:
– “لا، هناك.”
– “أين إذن؟” صاح الفلاح وصبره يكاد ينفد، فقال الغراب مرة أخرى:
– “هناك.”
نظر الفلاح هناك، ولكن لم ير شيئا، فدخل إلى البيت، وتناول مجهرا كبيرا، وعاد، وراح ينظر هناك بتمعن، وقال للناس أخيرا:
– “آسف يا أصدقاء. تلميذي النجيب يتحدث عن دمغة مجهرية على طرف عورته. فمن كان منكم لا يتحرج من الاطلاع على عورة الطير فليتقدم”، ثم رفع ذيل الغراب، فتزاحم الصحفيون على النظر في المجهر، ورأوا دمغة واضحة محفورة على حافة مخرج الغراب بعمق مكتوب عليها بلغة عالمية: في الأصل كان الغراب وليس القرد.”
وصمت الناس من فرط ما تكرر من الذهول.
وبينما كان المؤتمر الصحفي منعقدا أمام بيت الفلاح طار خبر الغراب، الذي كان جده وأبوه فلسطينيين وانقلب هو بفعل طفرة وراثية إلى غراب اسكندنافي، إلى البلد كله. وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، والصحف الالكترونية العناوين التي كتبها الصحفيون وهم ما يزالون في المؤتمر أمام بيت الفلاح:
“فلاح اسكندنافي يجترح معجزة في تدجين غراب أسود وتعليمه لغة البشر”
“غراب فلسطيني يشهد على إسرائيلية فلسطين”
“حيوانات الشرق الأوسط يعتبرون بشار الأسد دكتاتورا”
“اسكندنافيا تنجب فيلسوفا وعالما مفكرا عن طريق الاستنساخ”
“الطفرة الوراثية .. وصفة علمية جديدة لتحويل الغربان إلى بشر، والبشر إلى غربان”
وما أن انتهى المؤتمر الصحفي، ودخل الفلاح وغرابه إلى البيت حتى بدأت النداءات التلفونية تنهال عليه طالبة منه الموافقة على إلقاء المحاضرات، وعرض الغراب العجيب على الناس لإمتاعهم، وتنويرهم، وإطلاعهم على حقائق الأمور في الشرق الأوسط.
يوما بعد آخر ذاع صيت الغراب، وصار يعتبر الأعجوبة الثامنة من عجائب الدنيا، ويعتبر مرجعا موثوقا حول الظروف السياسية في الشرق الأوسط وتاريخه، فبمجرد أن يضغط الفلاح على العقدة فوق الدمغة في مؤخرته يخرج جوابا عن كل سؤال. وأصبحت عبارته المعروفة “قواق قواق قواق بشار الأسد دكتاتور” شعارا في البلد للقوى المحبة لنشر الديمقراطية في العالم.
العندليب
اغتنى الفلاح (سابقا) وغرابه وانتقلا إلى العيش في قصر منيف، وخصص الرجل الغني زاوية كبيرة المساحة من حديقة القصر للطيور تحط هناك، وتلتقط الحب، وتشرب الماء، من طلوع الفجر حتى مغيب الشمس. وجعل لغرفة نومه نافذة واسعة يطل عبرها على تلك الزاوية ليرى أي الطيور تهبط هناك، عسى القدر يمنّ عليه بغراب جديد في ذيله ريشة زاهية الألوان.
ذات صباح صيفي مشرق استيقظ الرجل الغني على صوت شجي ينشد تحت نافذته شعرا بلغة اسكندنافية:
وإني أمقـــتُ الآباء مقـتـا، إذا كانــوا كـقــومي مسلمــينا
وأنفر من صلاة الناس أصلا، إذا صلّوا صلاة المسلمينا
وإني لا أحب الله قـطـــعا، إذا ما كـــان ربّ الـمسلميــنا
كان للكلمات وقع السحر في أذني الرجل الغني، فألقى السمع وهو يفرك عينيه ليتأكد من أنه لا يحلم. لم يكن حلما، فحين أزاح ستائر النافذة رأى خارجها طيرا صغيرا بديع الألوان. كان بالتأكيد عندليبا لكن رأسه كان يتزين بعرف غريب كأنه الهدهد، وكان العرف طويلا كأنه ذيل حصان يضفي عليه فحولة وجاذبية. تطلع أحدهما في الآخر، وقام العندليب بحركات دلع وتملق، وأنشد من جديد:
وإني أمقـــت الآباء مقـتـا، إذا كانــوا كـقــومي مسلمــينا
فتح الرجل الغني النافذة، وفتح أيضا ذراعيه لطائر السعد، فانحشر هذا في الغرفة، وراح يرفرف بجناحيه الجميلين محلقا في أطراف الغرفة، ثم حط على كتف مضيفه، فسارع هذا إلى إغلاق النافذة، وقال مرحبا به:
– “حللت أهلا ونزلت سهلا. أنت في المكان الصحيح، وفي الوقت الصحيح، فقريبا سيمل الناس هراء غراب الشؤم فقد انفضح سر الدمغة التي على طرف مخرجه، ولم يعد يبقيه واقفا على قدميه غير هذيانه بأنه اسكندنافي. آن لي أن أقدم للناس شيئا جديدا جميلا، ولذيذا، ومبهرا. قل المزيد من هذا الشعر. أنت بلا شك كان جدك فلسطينيا من إسرائيل أيضا، أليس كذلك؟”
صمت العندليب، وبدا عليه أنه انزعج، فقال الرجل الغني:
– “لا بأس سأسمع قصتك كلها، ولكن دعني أسمع قصة المقت هذه فهي مثيرة”، فانطلق العندليب الجميل ينشد بصوت عذب:
لم يبق شيء في الحياة محللا، فجميعُ ما تهوى النفوس حرامُ
والله أصبح راعيــــا في كفّـــهِ سـَـوط يهـــشّ كأننــا أغنــــامُ
لـــمَ يمنحُ الله الطيور جناحها إن كان ينتفُ ريشَـــها الإسـلامُ؟
أنا عاشق حريتي وأحبـها، والنــور لا يحجـــر عليــه ظـلامُ
لم يتمالك الرجل الغني نفسه، فقد طار فرحا، وراح يرقص جذلا، ثم راح يمسد على عرف العندليب، ويمسح ذيل الحصان الممتد على ظهره. ثم نزل على ذيله يبحث عما إذا كان تحته شيء يضغط عليه، وقال بسذاجة:
– “هيا يا حبيبي اسرد لي قصتك مع بشار الأسد”، فقال العندليب:
– “أنا مشكلتي ليست مع بشار الأسد، بل مع أبي، فقد كان يوقظني كل صباح لأؤدي الصلاة، ثم يشجعني بعد ذلك على سرقة الأكل من بقية الطيور، حتى أنه جعل مني طيرا جانحا، فأكذب، وأسرق، وأعتدي على بقية الطيور، وأجمع الطيور الشقية مثلي، ونكون عصابات فنهاجم أرزاق الخلق من بشر وطيور. لكني أشعر أني عندليب صالح، وأكره كل من على شاكلة أبي.”
هز الرجل الغني رأسه لما انتهى العندليب من سرد قصته، وقال له:
– “لا بأس عليك أيها العندليب الشاعر. سأصنع منك تاسع أعاجيب الدنيا – عندليب عربي جانح يصبح شاعرا فيلسوفا بفضل خبير اسكندنافي في الطفرات الوراثية.”
عرف الغراب بأمر العندليب، ولم يعجبه ذلك، وأصيب بفورة غيرة شديدة وهو يرى صاحبه يولي الطائر الجديد اهتماما كبيرا وعناية شديدة. وأغضبته فكرة أن تطغى سمعة ذلك الطير القزم وشهرته ذات يوم على سمعته وشهرته هو، ويسرق منه الأضواء. وأصابه الحمق من شدة غيرته، وبلغ حد الهذيان، وراح يملأ القصر زعيقا:
– “العندليب دكتاتور .. العندليب دكتاتور.”
أقبل عليه صاحبه، يحاول أن يهدئ من روعه، وطمأنه قائلا:
– “أنت مكانتك مصونة، فأنت عند الإعلاميين والسياسيين بمثابة الانفجار العظيم (الذي بدأ به الكون). أنت نسكافه بالحليب، أستاذ التاريخ، ولن ينسوك أبدا. أما العندليب هذا فمجرد شاعر صعلوك متسكع”، وردّ الغراب بغضب:
– “لا أصدق. أنت تريد أن تجعل منه نجما كبيرا لمجرد أنه يقول شيئا قبيحا عن الإسلام. أنا أستطيع أن أقول أكثر منه”، وأصابته نوبة شديدة من الحمق، فراح يزعق “قواق قواق قواق الإسلام إرهابي .. الإسلام إرهابي”، وأعاد عليه صاحبه الثناء:
– “لا، يا حبيبي. أبق أنت خبيرا مرموقا في التاريخ والسياسة، وأترك الزعرنة للعندليب الصعلوك.”
إلا أن ذلك لم يُجد نفعا، وصار الغراب الأسود يهاجم العندليب، ويطارده، ويدميه بمنقاره الخشن، فقرر صاحبهما أن يعزلهما أحدهما عن الآخر.
وعكف الرجل على تدريب العندليب وكأنه طالب في مدرسة لإعداد الأدباء والشعراء. ثم حين فرغ من ذلك اتصل بالإعلام، وأخبرهم أنه أنجز المرحلة الثانية من عمله في تعليم الطيور لغة البشر. وأنه قطع هذه المرة شوطا كبيرا، فقد صنع من عندليب عربي جانح شاعرا فيلسوفا، علمانيا، يكره الإسلام المتخلف، ويقول الشعر بلغة اسكندنافية.
هذه المرة امتلأت باحة قصره بعدد كبير من الصحفيين، والكتاب، وأصحاب المطابع، ودور النشر. وقام الرجل في طقوس احتفالية بتقديم عمله مع العندليب المعجزة. وحبس الناس أنفاسهم بانتظار رؤية العندليب وسماع شعره. ولم يكن الرجل نفسه يعرف أن بعضهم أعجب بهذه الظاهرة العجيبة في تعليم الطيور لغة البشر، فقرروا بث وقائع المؤتمر الصحفي مباشرة على شاشات التلفزيون.
وبعد انتظار طويل فتح الرجل بابا إلى الباحة فخرج عبره العندليب يرفرف بجناحيه فرحا بالحرية ثم حط على غصن شجرة أعدت له في طرف من الباحة، وراح يلقي الشعر، وذيل الحصان المفعم بالفحولة النازل من فوق رأسه يعطي كلماته في آذان الناس رنينا ساحرا، وصوته يهز جدران القصر، وقلوب السامعين:
ألا ليت الأذان يـزول يومــا، ولا يـبـقى ســوى صوت المزاريـبِ
فإني أكره الإســــــــلام كرها، ولا أهوى سوى صوت المزاريبِ
وكم لقنتُ من درر القوافي، فلـم أحفظ ســوى صوت المزاريــبِ
ولو في كفــك القرباجُ يا أبتي، وتجلــدني على صوت المزاريـبِ
أعقّ وأرفض الإسلام رفضا، وأبقــى عاشـــقا صوت المزاريـبِ
ولو أطعمتني فولا وطعمـية، فلن أهوى سوى صوت المزاريــبِ
أصيب الحضور وكل من وصله صوت العندليب بحالة من هستيريا الإعجاب بالإنجاز العظيم للفلاح، وصاروا يصرخون:
– “نريد المزيد .. المزيد”، فعاد العندليب وأنشد في فورة وعي تنبؤية:
وقال الناس عـني أنـني ثمــــلُ، ولكنْ بئس ما قالوا وما فعلـوا
وأني كـنت في ماضيّ منحرفا، ولكنْ بئس ما قالوا وما فعلــوا
وقالـوا إن أشـعاري مزيفـــــة، ولكنْ بئس ما قالوا وما فعلــوا
أصوغ الشعـر من خــمر وأرشفه، فتُعسا لــما قالـوه أو فعلـوا
يفيض البول من شعري أرشرشهُ، على ما قاله النقاد أو فعلوا
وما الإسلام همي أو صلاة أبي، ولا يعنيني ما قالوا وما فعلوا
وقعت القلوب إلى الأرض، وتهيأت الأقلام للكتابة، وانهالت العقود على الرجل الغني حتى قبل أن ينفرط عقد المؤتمر الصحفي. وكانت المفاجأة الكبرى حين فتحت أبواب الباحة لمغادرة الضيوف، إذ اقتحم سرب من إناث الطيور الباحة يبحثن عن العندليب، ورأى الناس أن سطوح المنازل وحدائقها قد غطتها أعداد لا حصر لها من تلك الإناث التي انجذبت إلى صوت العندليب، وراحت تستمع إليه بخشوع. وحين رأت الإناث المقتحمات عرفه وكأنه ذيل حصان مشحون بالفحولة أوشكن، لو كنّ بشرا، أن يقطّعن أيديهن شغفا به. وأدرك صاحب العندليب كيد إناث الطيور، فسارع إلى إنزاله من فوق الغصن، وحشره في مكانه وراء الباب.
أصيب العندليب المسكين بالإعياء من كثرة الأمسيات الشعرية، والمهرجانات، والاحتفالات التي صار عليه حضورها لإلقاء الشعر الذي ينبض بحب الحرية، والمفعم بكره دين أبيه، فيثير ولع الإناث به، ويلهب حماس السياسيين الذين يدغدغ مشاعرهم الخبيثة. وصار رغم حجمه الصغير أبرز حدث، وظاهرة، وشخصية في حياة الاسكندنافيا، حتى أن الناس نسوا الغراب الأسود. وطبعت المطابع شعره في دواوين فخمة بمئات آلاف النسخ، وترجمته إلى لغات العالم. وكان الخوف عليه من الأيادي الآثمة، ومن إناث الطيور شديدا حتى أن فرقا من الحراس كانت ترافقه في حله وترحاله، بل ومنع تحليق الطيور على مواقع أمسياته الشعرية خوفا عليه من الخطف أو الاغتيال.
لكن العندليب كان عاثر الحظ، فقد أراد الناس، بعد أن عرفوا في أشعاره عن مدى حبه للحرية وبغضه للدين الذي يقيد الحرية، أن يعرفوا شيئا عن أفكاره السياسية، فاستضافه برنامج تلفزيوني، وبعد ترحاب كبير سأله مضيفه عن رأيه ببشار الأسد، فقال العندليب:
– “بشار الأسد قائد محبوب، والسوريون يحبونه. وأنا أرفض رفضا قاطعا أن يفعل به الغرب ما فعلوه من قبل بصدام حسين، وبمعمر القذافي”، فابتلع المضيف ريقه بصعوبة وسأل مجددا:
– “وما رأيك بإسرائيل؟” فقال العندليب:
– “الإسرائيليون محتلون اغتصبوا أرض الفلسطينيين.”
أصيب كثير من السياسيين بصدمة شديدة من كلام العندليب، وقال بعضهم إنه ينشد أشعارا جميلة، لكنه لا يجيد النثر والخطابات السياسية. وغضب آخرون، وقالوا إن العندليب لم يكن صاحيا أبدا عند الحديث في السياسة، ووصل غضب بعضهم حد القول إن شعر العندليب أيضا مشكوك فيه، فهو ينشد دائما وكأنه سكران.
وفوجئ الناس بالغراب يحلق فوق رؤوسهم، وينعق:
– “قواق قواق قواق الإسلام إرهابي .. الإسلام إرهابي”، فقال بعضهم ينفث همومه:
– “ها قد جاء صوت الحكمة، ورمزها العتيد. يا إلهي، كيف سمحنا لأنفسنا أن ننساه؟ شيء جميل أننا ما يزال عندنا نسكافه. نحن أنصار نسكافه.”
وقع الحديث عن العندليب السكران موقعا حسنا في نفوس أنصار الغراب، فقرروا أن يثبتوا للناس أن العندليب محتال، وخداع، وأنه مدمن على المسكرات. وما هي إلا أيام حتى شاعت في البلد أن العندليب، الذي سحر البشر وإناث الطيور بأشعاره، شوهد وهو يحط على زهور مشبوهة في حدائق المنازل، بل وحتى في البرية حين كان يختلس ثواني يبتعد فيها عن حراسه. ثم جاءت النهاية بسرعة، فقيل أنه أمسك بالعندليب بالجرم المشهود وهو يمتص الرحيق من زهرة محرمة، ثم يطير، ويعربد في الأجواء.
وبعد يومين من ذلك وجد العندليب نفسه في قفص صغير في قاعة العدالة، متهما بتعاطي المسكرات المحرمة، وبالعربدة. وحكم عليه بالبقاء في القفص حتى يكف عن سلوكه الشائن. وقال قائل منهم أن العندليب قد تعرض إلى غدر مبين، فالكل كان يعرف أنه كان يتعاطى المسكرات الممنوعة منذ خلق، تحديا لأبيه، ورفضا لدينه، وأن الجميع كان يغض الطرف عن ذلك حبا بأشعاره، بل وأن صاحبه كان يسقيه قبل كل أمسية شعرية خمرا لذيذا منشطا لتحسين أدائه الشعري، حتى يلهب حماسه، فيبدع في شتم أبيه ودينه، فتتسع شعبيته، ويعلو شأنه، وترتفع مبيعات دواوينه.
وهمس بعضهم أن العندليب المسكين قد تناول في الحقيقة، ومن حيث لا يدري، من الشجرة المحرمة، ولم يمتص الرحيق من زهرة محرمة كما أشيع عنه. وهمس آخرون أنه دفع ثمن الافتراء على حقائق التاريخ، التي أثبتها نسكافه من قبل.
طويت صفحة العندليب في غمضة عين، وكأنه لم يكن. ومحيت ألوان ريشه الجميلة من الذاكرة، فلم تبق له على صفحات الجرائد سوى صورته الأخيرة بالأبيض والأسود وهو ذليل، كسير، أسير في القفص الضيق. وسرعان ما نسي الناس وإناث الطيور صوته العذب، وأشعاره، وذيل الحصان الفحولي أيضا.
لم يكن قرب العندليب في البيت المهجور الذي وضع فيه قفصه إلا شيخ كبير يفتح كوة قفصه في اليوم مرتين، ويجدد له الماء، ويضع له بضع حبات يقتات عليها. بكى الشيخ حين سمعه ينشد بصوت حزين، وكأن الزهد، والوحدة، وانقطاعه عن المسكرات أعادت إليه وعيه المفقود:
أنــا لــم ألُـم إلا أبــي، فـأبــي يُــلام لـِـمـا فعـــلْ
لم يُــبـدِ نحــوي رقـة، يومــا ولا خيـــرا عمــلْ
يسقي ذويــه جــهالــة، ويقــول: ربي مـن فعــلْ
لا ديــنَ يعــرفـــه أبــي، لـقبـتـهُ بـــ ’أبـي جهلْ‘