وصول مخطوطة التوراة العراقية الى إسرائيل، دليل آخر على بطلان المبررات التي ساقتها أمريكا لاحتلال العراق في العام 2003 وإسقاط نظامه، وهي تبريرات سوغتها طبيعة ذلك النظام وسلوكياته على مدى عقدين من الزمن، إذ أصبح بالإمكان التحدث بالدليل القاطع والقرائن عن الدوافع الصهيونية لهذا الاحتلال، وليس من خلال التحليلات والتفسيرات والتأويلات التي لم تجد لها آذاناً صاغية بسبب ما خلفه نظام صدام من آثار في البلاد ونفوس الناس، وهذا ما أتاح لأمريكا واسرائيل والأطماع الاقليمية الأخرى ان تفعل فعلها في العراق تحت ستار هذه الهواجس التي جعلت العراقيين يعيشون بين نارين، نار قساوة النظام السابق وشبح عودته، ونار الاحتلال وتخريب البلاد ونهبها بافتعال أزمات أجادت أمريكا في صناعتها بمساعدة غياب رؤية وطنية مستقلة لسياسيي ما بعد الاحتلال، تعيد بناء العراق وتحافظ على كيانه وثرواته وتاريخه. وهذا هو ما جعل السفارة الامريكية تتعامل بصلافة عندما نفت وصول نسخة التوراة العراقية الى إسرائيل، وتأكيدها انها مازالت في طور الصيانة داخل أمريكا، على الرغم من اعلان وزارة الخارجية الاسرائيلية في 22 من الشهر الماضي عن وصول مخطوطة التوراة العراقية الى اسرائيل وانها ستستخدم للصلاة اليومية في القدس، واشارت الى انه تم ترميم هذه النسخة بسبعة أشهر!.
مخطوطة التوراة تشكل جزءاً يسيراً من الارشيف اليهودي الضخم الذي عثر عليه الجيش الامريكي في أحد سراديب المخابرات العراقية في المنصور عند احتلاله بغداد في العام 2003. وفي خطوة غريبة ومفاجئة تم نقله بالكامل الى امريكا، وعندما ظهرت بعض الاحتجاجات هنا وهناك أعلن الامريكان ان الارشيف تعرض الى التلف بسبب تسرب مياه الصرف الصحي الى السراديب التي حُفظ فيها، وانهم اخذوه لصيانته ومن ثم إعادته!. البعض من المسؤولين والوسط الثقافي سكت واقتنع على مضض بهذا التبرير وهو يرى الدمار الذي لحق بالمتاحف والآثار العراقية فوجد أن تحتفظ أمريكا بهذا الكنز الأثري أفضل من ان يتم تدميره وحرقه مثل بقية الكنوز، خاصة وأن البعض لا يستبعد ان تصل اليه أصابع اسرائيل وسرقته في ظل حكومات ومؤسسات ضعيفة ونفوس خربة. وما برر هذا السكوت هو ان الجهات الامريكية تسلمت الارشيف بموجب محضر بينها وبين هيئة الآثار والتراث ينص على صيانته وإعادته الى العراق في العام2005.
لكن العام 2005 مضى ومضت بعده أعوام اخرى والارشيف (لاحس ولا خبر)!، وبدأت (سالفة) الترميم والصيانة تفقد اقناعها، وكانت التسريبات لا تنقطع عما يجري لهذا الارشيف ونقل اجزاء منه الى اسرائيل، وهو ما دعا الحكومة العراقية السابقة تطالب امريكا رسميا بإعادته الى العراق في اقرب وقت، وعلى أثر ذلك اعلنت وزارة الثقافة العراقية في 13 أيار 2010 عن اتفاق بين العراق وأمريكا يقضي باستعادة الأرشيف اليهودي وملايين الوثائق التي نهبها الجيش الامريكي عند اجتياح بغداد، من بينها الارشيف الخاص بحزب البعث.
بيان وزارة السياحة والآثار العراقية الاحتجاجي على ما اسمته (الاستحواذ غير القانوني) على مخطوطة التوراة العراقية من قبل اسرائيل ومطالبتها مركز (نارا) الذي يقوم بالصيانة والترميم بالتفسير لا يكفي، نحن بحاجة الى موقف شعبي ورسمي على أعلى المستويات يحاجج تبريرات أمريكا غير المقنعة، ومحاسبتها على عدم التزامها بالتوقيتات الموقعة عليها. ولا نستبعد قصدية اعلان (اسرائيل) عن تسلمها مخطوطة التوراة في هذا الوقت، حيث تعيش الدولة العراقية اشد حالات ضعفها وفشل طبقتها السياسية المخزي في الحفاظ على العراق!.