ماكرون يسعى لقيادة فرنسا حتى بعد مغادرته الإليزيه!
م. ميشال كلاغاصي
مع اقتراب خروج الرئيس إيمانويل ماكرون من الإليزيه في نيسان العام القادم، بعد ولايتين رئاسيتين متتاليتين، أقل ما يقال فيهما بأنهما بائستين على الصعيدين الداخلي والخارجي، تكفلتا بإستمرار نزيف النفوذ الفرنسي حول العالم، وتراجع مكانة فرنسا الدولية، ناهيك عن الهزيمة السياسية والعسكرية والإقتصادية التي منيت بها بلاده جراء انخراطه بحرب الوكالة الأمريكية على روسيا في أوكرانيا، ومواقفه التي كادت تضع الجيش الفرنسي في مواجهةٍ مباشرة مع روسيا، من خلال دعواته إلى نشر قوات أوروبية كضمانة أمنية في أوكرانيا، واستعداد القوات المسلحة الفرنسية لمواجهة أي تصعيد ومواجهة كبرى في أوروبا، في ظل تنامي القدرات العسكرية الروسية، وقدرات القوى العظمى، وسط مقترحاته لإرسال ونشر قوات أوروبية متعددة الجنسيات لحفظ السلام داخل أوكرانيا بدون موافقة روسيا، ناهيك عن سوء علاقاته الشخصية مع الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، بالإضافة إلى حالة الإحتقان الشعبي الداخلي جراء تراجع الأوضاع الداخلية والمعيشية، وانخفاض نسب تأييده الشعبية في فرنسا إلى مستويات غير مسبوقة.
إذ لم يستطع ماكرون إخفاء شغفه ورغبته بتحدي خصومه وخصوماته الحزبية والسياسية في الداخل الفرنسي، الأمر الذي دفعه لإستغلال الأشهر المتبقية له في الرئاسة للتدخل في تحديد هوية خلفه الحزبية والسياسية، وبدأ بتعيين المقربين منه ومن معسكره السياسي (الوسط / الماكرونية) على حساب اليساريين واليمينيين، في مناصب رئيسية هامة قادرة على الإمساك والتحكم بمفاصل السلطة والنفوذ، كرئاسة المجلس الدستوري، رئاسة المحكمة العليا، ورئاسة ديوان المحاسبة الوطني وغيرها.
ومن الواضح أن توقعات وحسابات ماكرون تشير إلى اعتقاده بأن خليفته في الإليزيه سيخرج من صفوف حزب التجمع الوطني، ممثلاً إما يشخص مارين لوبان في حال نجاح الإستئناف الذي يسعى إلى طي قرار استبعادها السياسي، أو بشخص نائبها جوردان بارديلا، خصم ماكرون السياسي وعدو سياسته الخارجية عموماً وداخل الإتحاد الأوروبي خصوصاً، والذي يشكل نقيضه الأيديولوجي، في عدة ملفات وقضايا خارجية كعودة بريطانيا إلى الإتحاد الأوروبي، وداخلية كالهجرة التي تزايدت في عهده مؤخراً على نحو غير مسبوق عن الأعوام السابقة.
حيث لم يخف ماكرون قلقه وتحذيراته من صعود اليمين المتطرف الذي يقوده كل من لوبان وبارديلا، ويرى بأنه حزب التجمع الوطني يمثل التهديد السياسي والشعبي الأكبر لمعسكره السياسي الوسطي، في الوقت الذي يرى فيه بارديلا أن ماكرون أضعف فرنسا، ورمى بها في أحضان اليسار الراديكالي، وأخذها بعيداً عن انتمائها الوطني والقومي.
ووسط هذا السياق الخلافي العميق، يسعى ماكرون إلى تمتين أوضاع أنصاره وأصدقائه في يسار الوسط والعلمانيين والتقدميين في السلطة، وإحكام قبضتهم عليها، لمنع حزب التجمع الوطني من تنفيذ برنامجه الإنتخابي على كافة الأصعدة في حال وصوله إلى السلطة.
ومع كل إخفاقاته، من الغريب أن يحاول ماكرون تحدي ما ستؤول إليه نتائج الانتخابات الرئاسية، وزراعة القنابل والألغام تحت أقدام خصومه ومنافسيه، حتى بعد مغادرته السلطة، يالها من طريقة للتعبير عن “حرصه” على استمرار ظله وخطه السياسي حتى بعد رحيله، وهو الذي يغادر الإليزيه وسط عشرات النكسات والخسارات، وفشل الرهانات والمغامرات، دون ملاحظة أن قراراته وسياساته ومواقفه وحصيلة خيباته خلال ولايتيه الرئاسيتين، كانتا سبباً رئيسياً لتزايد شعبية ونسب تأييد التجمع الوطني لـ ماري لوبان ونابها جوردان بارديلا، وغيرهم من الشخصيات اليسارية.
من الواضح أن ما يُقدم عليه ماكرون يبنيه على الأحقاد والغطرسة، وتصفية الحسابات السياسية الداخلية، وكل ما عليه فعله في محاولاتٍ أخيرة هو فعل ما لم يستطع تحقيقه خلال فترتيه الرئاسيتين من طموحات ومصالح تلبي حاجة ورغبة الفرنسيين، والمغادرة بسلام، ليخفف من وطأة الأحكام السيئة التي سيطلقها الفرنسيون بحق فترات حكمه، بعيداً عن انشغاله بمن سيخلفه في الإليزيه، وهو الأمر الذي ستكشف عنه صناديق الإنتخابات الرئاسية القادمة في وقتها.
28/5/2026