كتبت لي صديقة عروبية هذا الصباح بأنها تشعر بالإهانة بسبب الغزوة الصهيونية على مطار المزة في سوريا.
نعم وأنا اشعر كذلك ولكن لدي شعور آخر هو أن ذلك وسام لسوريا.
لماذا؟ سوريا اليوم أشبه بمناضل في التحقيق؟ أليس خضوعه للتعذيب بطولة؟ وهل كونه أُعتقل هوإدانة له، أم وسام؟ ذلك لأن سياق المرحلة هو عدوان معولم على سوريا. هذه هي الحقيقة.
واللافت أن الأعداء يعلنون بانهم يقومون بالعدوان، سواء بالإرهابيين أو التسليح او التمويل أو الإعلام أو حتى الجنس. بيما كثيرون منا يرون أن الموقف من غزوة الكيان يجب أن يكون بالرد العسكري المباشر كأن الأمر ملاكمة فردية.
ما ساقوله قد يبدو تكراراً لما هو معروف، ولكنني دائما أميل إلى التأصيل مخافة عامل النسيان وانشغال الناس في اليومي بينما الأعداء ينشغلون في اليومي والاستراتيجي.
مشروع الثورة المضادة هو سحق المشروع العروبي وليس إضعافه.
ومن هنا يصبح اشتراك الكيان في العدوان على سوريا حتمياً بعد ان تم الإجهاز على مصر وليبيا والعراق واستمرار العدوان على اليمن والتحضير ضد حزب الله. وفي هذا السياق علينا جميعا أن نتذكر بان كثيرين منا ولأسباب جانبية سقطوا في مباركة احتلال العراق وليبيا. آهٍ لضيق الأفق الذي يقارب الخيانة بلا وعي وقصد. ثم الآن نجد من يدفعوا سوريا إلى حرب جديدة!!
دائما، علينا وضع اي عدوان ولو رصاصة واحدة في سياق طبيعة الصراع، وإلا سنشعر بالإهانة ومن ثم ربما بتهالك العزيمة وهذا لا يخدم إعادة بناء المشروع العروبي واستعادة الشارع العربي.
لنضع الأمر في سياقه الصحيح، بل لنرى سياقه الصحيح وهو معروض أمامنا حتى على شاشات التخدير التي للأسف غدت افيون العرب.
لا يمكننا قراءة هذا العدوان بعيدا عن السياق الاستراتيجي والتاريخي لوجوده واستمراره.
ففي الصراع مع الكيان الصهيوني، أو في قيامه بعدوان، لا بد من وضع الأمر في السياق التالي وهو ليس تبريرا لسوريا ولكن، كما اعتقد قراءة واقعية تقوم مسألتين: تاريخية ولحظية
في المستوى التاريخي، علينا الأخذ الجدي باعتبار ما يلي:
1- الكيان هو كل الغرب والحرب معه هي مع الغرب، وإلا كيف لدويلة قميئة كالدنمارك ان تشارك في قصف الجيش العربي السوري في دير الزور؟
2- بل اليوم العدوان أوسع من الغرب، وإلا فما معنى اشتراك 93 دولة وضخ 360 ألف إرهابي ضد سوريا.
3– الحد الأدنى للحرب مع هذا العدو المعولم /الثورة المضادة يتطلب دور كل العرب وكل العرب غائبين أو أعداء
4- أية ارض عربية تسقط أو تُحتل يجب ان تقاوم ولكن وحدها لا تستطيع هزيمة العدو المعولم
5- حاولت سوريا الوصول الى توازن استراتيجي مع الكيان ولذا تعرضت لما تتعرض له اليوم.
لهذه الأسباب سوريا لا يمكنها الرد وحدها لا سيما وهي في حرب معولمة. وكل مزايدات في هذا السياق، كالحديث عن استعادة الجولان ليس سوى ثرثرة حمقى بحقنة من الأعداء.
وفي المستوى اللحظي، فإن هذا العدوان الصهيوني مرتبط بأكثر من أمر:
1- تحرير حلب مما أكد أننا أخذنا نرى نور ما بعد الاتصار
2- هذا العدوان تبهير لمؤتمر العملاء من السوريين في معهد ترومان في القدس المحتلة. وللإسم معناه، فترومان هو الرئيس الأمريكي الذي اعترف بالكيان 1948.
3- في نفس الفترة اكتشفت الجزائر شبكة تجسس مما يؤكد أن العدوان المعولم ، حتى لو راس حربته الصهيونية، فهو يشمل الوطن العربي باسره. ولنتذكر أن “ابطال ثورة الناتو” في ليبيا اعطوا الكيان قاعدة عسكرية فورا عام 2011.ولا اعتقد انها لضرب قصور آل سعود.
4- كما ترافق مع التأكيد من العدو الأمريكي على نقل سفارة امريكا إلى القدس. هذا مع انني أعتقد أن القدس ليست أغلى من حيفا.
ذلك لأن المبالغة في القدس تعني تقزيم الوطن لصالح مدينة ومن ثم المدينة لصالح الأقصى والأقصى ربما لمحراب صلاح الدين. وكل ذلك لحصر الصراع كأنه ديني.
5- يأتي العدوان في وقت تتكثف غيوم العدوان العربي التركي الغربي المعولم على جنوب سوريا.
6- ويأتي العدوان ووفد من المغرب يزور الكيان مكونا من ساسة ومثقفين…الخ. وبالمناسبة، وحتى قبل العدوان على سوريا نحن في صراع مباشر مع ثلاثة كيانات معادية بنفس المستوى: الكيان الصهيوني في الوسط، تركيا في الشرق، والنظام المغربي في غرب الوطن العربي.
7- وقد تكون خاتمة هذه العوامل ما قاله أوباما في خطاب الوداع: لن تكون دولة فلسطينية. وهذا حقيقة هو موقف امريكا.
وهو يكشف بأن كل رئيس امريكي سواء بقي دورة او اثنتين، فهو كذب على مدار رئاسته.
8- ويأتي العدوان وروسيا على مشارف مؤتمر ألآستانة، إلى جانب إعلان تقليص قواتها كمقدمة لتلطيف مناخ المؤتمر الذي يتأرجح بين الانعقاد والتعقيد.
ربما أختم بملاحظة تؤكد مجمل القول أعلاه، بأن المعسكر العدو/الثورة المضادة لن تتردد في حال هزيمة الكيان بأن تلجا إلى الخيار النووي، وعلى هذا شاهدين:
الأول: ما قامت به الولايات المتحدة في حرب تشرين الأول اكتوبر 1973 حيث جهزت في الطائرات أحد عشر قنبلة
والثانية ما قاله ثعلب اللبراليةالصهيوني نوحام تشومسكي منذ زمن بان الكيان في حال أشرف على الهزيمة سوف يلجأ للنووي، وهو هنا ليس بناء على تحليل، بل أعتقد نتيجة تواصل وارتباط.
من هنا، فالحرب طويلة، وخطوة الانتصار الأولى بقاء سوريا، وبعدها لكل حادث حديث ولكل حرب حرب.