قبلايّام عُقِد المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي في بغداد والذي نتج عنه انتخاب سكرتيرا اولا جديدا للحزب، الدكتور رائد فهمي، ولجنة مركزية جديدة، بعد ان أبدى السكرتير الاول السابق السيد حميد مجيد موسى اعتذاره عن ترشيح نفسه مرة اخرى للمنصب.
فهل ستكون الفترة القادمة فترة اعادة النظر في سياسات الحزب السابقة التي أبعدته عن اَي تأثير في أوساط الجماهير المسحوقة وطبقات العمال والفلاحين والطلاب الذين طالما ادعى الحزب انه ممثلهم، وهم في الحقيقة كانوا اهم قواعد الحزب طوال مسيرته السابقة وخاصة في أيامه الذهبية.
يعتبر الحزب الشيوعي من اعرق الأحزاب العراقية. فمنذ تاسيسه في عام ١٩٣٤ رفع راية الانتصاف للشرائح المسحوقة ومعاداته للاستعمار والامبريالية.
ثم بعد ان قام قائده الكبير والتاريخي يوسف سلمان (فهد) باعادة بنائه تنظيميا وفكريا، اصبح القوة الأهم في الشارع العراقي. وَقادَ التظاهرات التي هزت أركان النظام الملكي العراقي . وفي عام ١٩٤٨ بالذات أجبرته على إلغاء معاهدة بورتسموث التي أريد منها زيادة ارتباط العراق بدولة بريطانيا الاستعمارية.
ودفع في تلك الانتفاضة العديد من الضحايا والشهداء. كما دفع تضحية كبيرة اخرى عندما اقدمت السلطات العراقية، وبضغط وتشجيع بريطاني واضح على إعدام اهم قادة الحزب وعلى رأسهم المناضل فهد في عام ١٩٤٩. ولكن ذلك لم يفت في عضد الحزب واستمر في نضاله، لا بل انه نجح في قيادة الحركة الوطنية العراقية التي نجحت في التواصل مع الضباط الأحرار الذين فجروا ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨.
ونتيجة للتأييد الكبير الذي امتلكه الحزب ودعم المرحوم الفريق الركن عبد الكريم قاسم له في السنتين الأوليتين للثورة، اصبح الحزب القوة الأهم في الشارع العراقي بعد الجيش. لا بل ان عددا من قادة الحزب عابوا على حزبهم عدم استيلائه على السلطة في العراق في عام ١٩٥٩ عندما كان في مقدوره ان يفعل ذلك.
الا ان الحزب ورغم مسيرته النضالية الطويلة ارتكب أخطاءا قاتلة ظلت تلاحق مسيرته ، لعل أهمها واولها موقفه من اغتصاب فلسطين وسكوته عنه لا بل وتبريره.
وهذا الخطأ التاريخي الكبير، والذي وقعت فيه كل الأحزاب الشيوعية العربية آنذاك باستثناء الحزب الشيوعي السوداني، هو ما ظل يلاحق الحزب ويستخدم من منتقديه القوميين العرب والإسلاميين حتى يومنا هذا.
اما الخطأ الثاني فتمثل في الوقوف ضد هدف الوحدة العربية بعد ثورة ١٤ تموز، و الذي كان مطلبا جماهيريا جارفا، ثم امتد هذا الرفض الى التحريض على التيار القومي في العراق والمساهمة في اضطهاده.
ولكن كل هذه الأخطاء تم التغاضي عنها، او بالأحرى غطت عليها، حملات التصفية الجسدية والوجودية والدموية التي تعرضت لها قيادات وكوادر الحزب وبصورة غير مسبوقة بعد سقوط نظام قاسم في شباط ١٩٦٣، وعلى يد قيادات حزب البعث الذي تسلم السلطة.
ولكن ظل الحزب يمثل قاعدة جماهيرية مهمة بدليلين، الاول هو اكتساح الحزب للانتخابات الطلابية التي جرت بصورة نزيهة في الجامعات العراقية عام ١٩٦٧، والثاني هو ان حزب البعث بعد عودته للسلطة في تموز ١٩٦٨ كان حريصا على ان يصلح أخطاءه السابقة تجاه الحزب الشيوعي عن طريق إقامة جبهة وطنية معه، وهذا ما حصل في ١٩٧٢ واستمر حتى ١٩٧٨.
ولا أنس كيف ان الشيوعيين آنذاك كانوا يتصرفون بصورة قمعية لكل فكرة تعارض سياسة حزب البعث وبصورة أكثر تطرفا من البعثيين أنفسهم.
ثم توالت الأخطاء بعد ذلك والتي ابتدأت عند اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام ١٩٨٠، حيث وقف الحزب ضد هذه الحرب. وفِي الوقت الذي كان يمكن ان يكون هذا الموقف مقبولا من الحرب في بدايتها، اذا انها كانت غير مطلوبة ويمكن تفاديها، إلا ان بقاء هذا الموقف على حاله بعد انسحاب القوات العراقية من الاراضي الإيرانية في عام ١٩٨٢، وعندما اصبح واضحا ان هدف القيادة الإيرانية آنذاك هو احتلال أراضي عراقية، لم يكن مقبولا حتى لبعض قيادات الحزب التي آثرت ان تبتعد عن الحزب وتنتقد موقفه.
ومع ذلك استمرت قيادة الحزب في موقفها وشكلت الجبهات السياسية من أراضي كردستان العراق ، مثل جبهتي جود وجوقد ، اللتان كُرِسَتا لمعارضة النظام العراقي، اضافة الى تشكيل قوات أنصار كانت تستهدف القوات العراقية اثناء الحرب.
الخطيئة الأكبر تبقى من وجهة نظري المتواضعة، هي انضمام الحزب قبل الاحتلال وتمهيدا له الى تجمع تقوده وتسيره الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل. ثم مباركة الاحتلال بدعوى انه الوسيلة الوحيدة لاسقاط نظام البعث، ثم المشاركة في النظام الذي أسسه الاحتلال، وفِي ان يقبل رئيس الحزب السيد حميد موسى، المشاركة في مجلس الحكم الذي أنشأه الاحتلال ليس لكونه قائد لحزب جماهيري وإنما بصفته الطائفية فيكتب امام اسمه اسم طائفته وليس منصبه. ولَم ينته الامر عند هذا الحد بل ان الفساد واستمرائه كانت الصفة التي تميزت بها بعض قيادات الحزب، ولَم تفعل قيادة الحزب آنذاك اَي شيء لمحاربة هذه الظاهرة أو فضحها. ان كل هذه الأمور هي التي كلفت الحزب الكثير من شعبيته وجماهيريته، وليس كما يدعي بعض مفكري الحزب ان الاسباب تكمن في حملات التصفية البعثية او انهيار الاتحاد السوفيتي. لان اقسى حملات التصفية لم تنه نفوذ وقدرات الحزب في عام ١٩٦٣، وما حركة حسن سريع الانقلابية في تموز ١٩٦٣، والتي كادت ان تنجح بسبب التأييد الكبير لها من كوادر الحزب، لولا بعض الأخطاء البسيطة التي وقع فيها منفذوا العملية.
وفِي الحقيقة ان هذه المحاولة أذهلت القيادة البعثية آلتي تصورت انها أنهت وجود الحزب.
ثم النجاح في الفوز بالانتخابات الطلابية عام ١٩٦٧ والتي مر ذكرها ، كلها أمور تثبت صلابة وكثافة انتشار الحزب. ان ما اضعف الحزب وأكثر من انشقاقاته ومغادرة قياديه الذين يمتلكون حسا وطنيا عاليا هو السياسات والنهج الخاطيء لقيادته.
والسؤال الآن هل ستستطيع القيادة الجديدة تصحيح هذه الأخطاء؟ الجواب على هذا السؤال ربما يحتاج اولا الى توضيح من الحزب عن الامر الذي دفع السكرتير الاول السابق الى عدم ترشيح نفسه لمرة اخرى، والذي كان من الممكن جدا ان يفوز لو فعل ذلك، أقول نحتاج الى اجابة عن السؤال آلتالي لنعرف هل كان هذا الموقف نتيجة لرغبة شخصية واعتراف ضمني بالسياسة الخاطئة التي انتهجها، أم ان هذا القرار جاء نتيجة لاعتراض الكوادر على سياسته مما اجبره على الانسحاب. والجواب على ذلك له أهمية كبيرة لما سياتي.
بكلمة اخرى اذا كانت الكوادر هي التي اجبرت السكرتير السابق على الانسحاب فهذه بادرة طيبة ووطنية، اما اذا كان السبب غير ذلك وان الأمور رتبت لكي تظهر بهذه الصورة، فعلى المتابعين البعيدين عن الحزب ان ينتظروا ما سيترشح من تصرفات وسياسات القيادة الجديدة لكي يضعوا تقويمهم للمرحلة القادمة. يعتقد السيد باقر ابراهيم، عضو اللجنة المركزية السابق والشخصية الوطنية والشعبية المرموقة، ان إصدار القيادة الجديدة بيانا تدعو فيه القيادات والكوادر التي تركت الحزب للعودة الى احضانه هي بادرة إيجابية. ولكن الامر يحتاج الى افعال اكثر من إصدار البيانات. وان على القيادة الجديدة مسؤولية تصحيح الأخطاء ابتداءا من نبذ الطائفية والمحاصصة ونبذ التحالف مع الأحزاب التي تنتهجها، والاعتراف بخطيئة التعاون مع القوى الإمبريالية والرجعية والصهيونية، ومحاربة الفساد بصورة عامة والمفسدين والفاسدين والانتهازيين من بين صفوف الحزب.
في حوار مع احد الشيوعيين الذين فازوا في احد الانتخابات النيابية العراقية مرشحا نفسه مع احد الأحزاب الدينية، وبعد معاتبته على ذلك، قال هذه كانت الفرصة الوحيدة المتيسرة للفوز بالمقعد.
فهل ستبقى كوادر الحزب تفكر بهذه الطريقة؟ ويبقى السؤال الأساس وهو ماذا سيكون موقف القيادة الجديدة من كل هذه المظاهر السلبية؟