ربما كان الاهتمام بالانتخابات الأمريكية في الشارع العربي أعلى منه في الشارع الأمريكي نفسه. وينطبق القول على الإعلام العربي بشقيه المقاوم والمساوم. ولعل هذا الاهتمام الزائد الدليل الأدق أو التفسير الجيد لمعنى التبعية. وهذا النمط من التبعية يؤكد بدوره أن الوعي ومن ثم الانتماء وأخيرا المشروع العروبي في غير أهله.
مؤسف اكثر أن ينسحب هذا الأندهاش بفوز ترامب على الشارع السوري الوطني اي المؤيد للدولة. هذا الشارع الذي يُفترض أن التجربة الجارية القاسية قد صقلت وعيه ليصل إلى الاستقرار الذهني وتوازن الوعي بأن أي امريكا هي عدو وخاصة لسوريا. وهذا الاندهاش أشبه بتوقع الحسين بن علي أن بريطانيا ستقيم له دولة عربية كبيرة!
طبعا ارتكز سوريون على قول ترامب بأن رئيس قوي في سوريا أفضل من الإرهاب؟ ولكن، ماذا بعد القضاء على الإرهاب؟ هذا إذا كان حقا بصدد محاربة الإرهاب؟ لا داع لمراجعة موقف امريكا من سوريا بشكل خاص، منذ حسني الزعيم حتى اليوم وهو موقف العدو الواضح، وكذا من كل الأمة العربية، بل لنسأل: حينما قتل الطيران الأمريكي في دير الزور أكثر من مئة شهيد من الجيش العربي السوري، هل قال ترامب كلمة؟ لا.
لعل أكثر ما يؤذي ما نسمعه من الإعلام والساسة والمثقفين: “أمريكا منحازة”
عجيب! فهذا القول وضيع متواضع. قول لا يفهم ولا يجرؤ قائله على تأكيد حقيقة أن امريكا عدو.؟ لذا، أعتقد ان اي وصف لأمريكا غير أنها عدو بل العدو الأخطر هو تخريب للوعي وخدمة لأمريكا لأسباب!!!.
هُزمت الداعشية البيضاء التي لم تكتفي بما قام به أوباما وهو تدمير الوطن العربي بيد العرب حيث أنشأ الجيش الأمريكي الثالث اي قوى إرهاب الدين السياسي، إلى جانب الجيش الأول الأمريكي والثاني الصهيوني. لذا حزنت أنظمة وقوى الدين السياسي لخسارة كلينتون.
الطريف في الأمر أن كلينتون الديمقراطية هي اقرب من ترامب إلى المحافظين الجدد، اي سياسة الحرب المباشرة، سياسة البلدوزر بينما أوباما سياسة دفعك لقتل نفسك بيدك، أي قطع اليد اليمنى باليسرى.!
لذا، نتوقع أن تُكتب مدائح في أوباما لاحقا تحت شعار “عقيدة أوباما” وكأنه رجل سلام مع العرب. وهو صاحب اللغة المنمقة، والسياسة القاتلة.
قد يغتبط بعض العرب والسوريين خاصة بأن ترامب سيقول لأوصياء النفط: إدفعوا أكثر. بمعنى أن هذه الكيانات كانت محمية وتدفع ولكن الآن أكثر. وهذه السياسة تعني أنه لن يشتبك مع إيران بل سوف يستثمر وجودها ودورها الإقليمي لتغطية افضل لما يسميه حاجة الخليج لمن يحميه. وما قيمة وجود كل هذه الجزيرة إن كانت لا تحمي نفسها. مثل هذا الضغط من ترامب أكسبه اصواتا، لأن الأمريكي يبحث عن مصالحه ومتعته، ولا يهمه طبعا ما يقوله “المشايخ: أكل الحرام!”
في تركيزه على الصين غازل الطبقتين الأساسيتين في المجتمع الأمريكي:
· غازل وول ستريت والشركات الكبرى وهو منها لأن الصين فعلا تنهب أمريكا، وهو ربما سيقوم بتقليل الضرائب على الشركات الأمريكية ليعود كثير منها إلى بلادها.
· وغازل الطبقة العاملة التي بعودة الشركات ستجد عملا.
لذا، استفاد من التركيز على الشأن الداخلي. أما حديثه ضد المسلمين، فقد عرف كثيرون أنه لن يقم بتطبيقه، لكنه ربما يقلل تسهيلات التدفق. ولا أعتقد أن راسماليا غيره سيفعل غير هذا. ففي عصر الركود الاقتصادي لا تحتاج المستوطنة البيضاء الكبرى لكثير من قوة العمل المستجلبة من الخارج.
لذا، لن يكون ترامب صديقا لروسيا لأنه يمثل مصالح را سالمال، لكنه يعرف أن عدو رأس المال الأول هو راس المال المنافس، اي الصين، وهكذا كان أوباما. وبكلام آخر، اقتصاد امريكا لا يسمح بحروب بيدها، لكنه يسمح بالاستثمار في حماية التوابع بالأجرة، وهذا يؤكد أن الإمبراطورية لم تعد فوق كل شيء.
قد يقول بعض السوريين أن كلينتون كانت تجهز لضرب سوريا. ولكن أوباما ضرب سوريا من قلبها، فكلينتون صرحت بأنها/بأنهم خلقوا داعش وحموا النصرة. وترامب لن يقف ضد النصرة وسيسمح بتسييل داعش إلى النصرة وغيرها، لأن هذه مصلحة أمريكا.
لن تحزن كيانات النفط لفوز ترامب لأن ثروتها تتدفق به أو قبله إلى الاقتصاد الأمريكي والغربي.
ولن يحزن الكيان لأن ايا من حكام امريكا لن يستبدلها بحكام عربا تابعين بالمصلحة والذهنية ومجرد الوجود.
لذا أستذكر في هذا الموقف قول ميخائيل نعيمة:
“فلا تهزج لمن سادوا
ولا تشمت بمن دانا
بل اركع صامتا مثلي
بقلب خاشع دام
لنبكي حظ موتانا”
لكننا يجب ان لا نبكي بل أن نشتد صمودا ومواجهة، فلا شيء تغير.