إرهاصات مجنون
بين العقيدة والوطن: جدلية الانتماء والعيش المشترك
د. طالب الشوكة
غالبًا ما يواجه الإنسان أسئلة وجودية تمسّ عمق انتمائه وهويته. ومن أكثر هذه الأسئلة حضورًا في وجداننا تلك الثنائية التي تحاول أحيانًا افتعال نزاع بين العقيدة والوطن، وكأن على المرء أن يختار بين روحه وأرضه، أو بين إيمانه وناسه. إننا أمام مفهومين عظيمين يمسّان جوهر الإنسان؛ أحدهما روحي إيماني، والآخر جغرافي اجتماعي، وغالبًا ما يتكاملان في وجدان الفرد دون أدنى تناقض.
العقيدة هي الأسس الإيمانية والفكرية التي يؤمن بها الإنسان جزمًا ويقينًا، وتُشكّل منظومة قيمه ومرجعيته الأخلاقية وفلسفته في الحياة، وتفسيره للوجود والكون والغاية من الخِلقة. وهي أمر معنوي وروحي وفكري عابر للحدود الجغرافية؛ فالعقيدة الإسلامية تجمع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بغض النظر عن لغاتهم أو بلدانهم. ترتبط العقيدة بالقلب والعقل والروح، وتُحكم بالنصوص الثابتة والقيم العليا التي تمنح الإنسان سكينة داخلية ومعنى أعمق لحياته.
في المقابل، يأتي الوطن ليكون البقعة الجغرافية والأرض التي وُلد فيها الإنسان، وعاش على ترابها، وتأثر بثقافتها ومجتمعها؛ المكان الذي اختزن ذكريات طفولته، وجمع بينه وبين أبنائه لغة وتاريخًا وآلامًا وآمالًا ومصالح مشتركة. والوطن أمر جغرافي واجتماعي، محدد بحدود سياسية، لكنه محفوف بالمشاعر الفطرية الإنسانية الأصيلة؛ انتماء حقيقي، وحنين صادق عند الابتعاد، ورغبة غريزية في الدفاع عنه، وحفظ حقوق أفراده، وصيانة العيش المشترك فيه.
هناك تكامل بين العقيدة والوطن؛ إذ يُعدّ حب الوطن والدفاع عنه من الأمور المشروعة والمستحبة، ولكن العقيدة وحرية ممارسة الدين تبقيان الأصل والمقدَّم في حياة المسلم، فالحفاظ على العقيدة يرتبط بالغاية الكبرى من خلق الإنسان. وإذا وُجد تعارض بين الحفاظ على الدين والعقيدة وبين البقاء في مكان يتعرض فيه الإنسان للفتنة في دينه أو الظلم الشديد الذي يمنعه من إقامة شعائره، فإن الإسلام يرشد إلى أن أصل الدين أولى بالمحافظة عليه.
إن أرض الله واسعة، ولا ينبغي للمسلم أن يستسلم للظلم أو الفتنة في دينه إذا كان قادرًا على الانتقال إلى مكان آخر يجد فيه الأمن والحرية لإقامة دينه وبناء حياته.
وإن العذر بعدم إقامة الدين لا يكون مقبولًا لمن كان باستطاعته الانتقال والسعي في أرض الله الواسعة، حيث يُطالب الإنسان بالسعي لطلب الأمن والحفاظ على دينه، فإن العبادة لله لا تنحصر في بقعة جغرافية واحدة، وإن إقامة العقيدة لا تعني الاستهانة بالوطن؛ فحبه أمر فطري أقرّه الإسلام.
وقد أظهر النبي ﷺ حبه لمكة المكرمة عند خروجه منها، موضّحًا أنها أحب البلاد إليه، ولولا أن أهلها أخرجوه منها ما خرج. فالهجرة والترحال لم يكونا رغبة في ترك الوطن، بل كانا ضرورة لحفظ العقيدة ونشرها، ثم العودة لبناء الوطن وإصلاحه متى ما تحققت الظروف الملائمة.
لا يوجد تعارض حقيقي بين العقيدة الصافية والوطن العزيز، بل يتعاضدان ويتكاملان بشكل طبيعي. فحب الوطن والانتماء إليه والدفاع عنه وعن أهله وأمنه ينسجم مع القيم والأخلاق العليا التي تدعو إليها العقيدة. والوطن حاضنة للعقيدة، وهو الميدان الذي يمارس فيه الإنسان شعائره بحرية، ويُقيم مجتمعًا فاضلًا يخدم دينه ودنياه.
فالوطن لا ينبغي أن يكون ملكًا لعقيدة بعينها، كما أن العقيدة لا ينبغي أن تتحول إلى شهادة تمنح صاحبها صفة الوطنية وتحرم المختلف منها. فلا احتكار للوطن باسم العقيدة، ولا مصادرة للعقيدة باسم الوطن. ويسع الوطن جميع أبنائه بتنوعهم، وتتحول العقيدة إلى قوة بناء ورحمة، والوطن إلى حاضنة أمان وعطاء.
2026-11-01